مقالات

محمد العريان يكتب: لماذا ينبغى ألا يخفض «الفيدرالى» الفائدة بقدر كبير؟

ما مشكلة خفض الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس؟
أنا أدعم قيام البنوك المركزية بكل ما فى وسعها لدعم النمو العالى والمستدام والشمولي..لكن هذا لا يعنى استخدام جميع الأدوات عندما يكون أداء الاقتصاد جيدا إلى حد ما، والأسواق المالية منتعشة، والذخيرة السياسية محدودة.
وتعد الضغوط على «الاحتياطى الفيدرالى» لخفض أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس، الشهر الحالي، غير مبررة.
وفى حالة استسلام «الفيدرالى» لها، فإنه سيخدم المصالح قصيرة الأجل لحاملى الأصول المالية ولكن على حساب مصاعب أكبر فى المستقبل.
وتتبع توقعات التحركات السياسية فى الفيدرالى نهجا مألوفا: فلا يهم بأى قدر ووتيرة تحصل الأسواق المالية على ما تريد لأنهم دائما يطلبون المزيد، وواصلت التوقعات سباق الفيدرالى رغم التحول الكبير فى موقفه فى السبعة أشهر الماضي، وفى ديسمبر الماضي، أشارت التوقعات إلى رفع الفائدة مرتين فى 2019، وبحلول مارس، كانت تميل نحو عدم الرفع، وفى يونيو، أكدت التوقعات حدوث خفض فى الفائدة فى أقرب وقت الشهر الجاري.
ولا تترك الأسواق مجالا بأن تلتقى التوجيهات السياسية للفيدرالى تلقائيا، مع ما استعدت له الأسواق، وإنما تضغط لخفض الفائدة ثلاث مرات فى الشهور المقبلة، مع خفض بمقدار 50 نقطة أساس فى يوليو.
وتطورت أيضا مبررات خفض الفائدة، فبعدما كانت كـ«تأمين» ضد الضعف الاقتصادى بالخارج وعدم اليقين فى السياسة التجارية، ينظر إليها الآن على أنها نهج الصدمة والترويع (وهى استراتيجية عسكرية تعتمد على المفاجئة والاستعراض المذهل للقوة بما يشل إدراك العدو ويدمر نيته على القتال) للحفاظ على قوة الاقتصاد، رغم أنه بالفعل وفقا لوصف رئيس «الفيدرالى» جيروم باول، «فى وضع جيد».
ورغبة الأسواق فى خفض الفائد مفهومة، فقد استفاد المستثمرون استفادة هائلة على مدار السنوات القليلة الماضية من الاجتماع النادر لارتفاع التقييمات، والتقلبات المنخفضة، والارتباطات عير المعتادة التى ارتفعت فيها تقريبا جميع فئات الأصول سواء الخطرة أو الآمنة.
ويرجع هذا الخليط المربح بقدر كبير، للسيولة الوفيرة من البنوك المركزية، والثقة فى أن السياسة النقدية سوف تتدخل كلما يشعر المستثمرون بأنهم مهددون.
ومع ذلك من الصعب صنع حجة قوية لخفض الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس باستخدام المعايير التقليدية، فالزخم الاقتصادى فى الولايات المتحدة قد يصبح أضعف مما كان عليه العام الماضى.. ولكنه لا يزال قويا مع انخفاض معدل البطالة إلى أدنى مستوى فى خمسة عقود، واستقرار التضخم عند مستوى ليس بعيدا عن المستهدف من قبل الفيدرالي، والاحوال المالية الفضفاضة للغاية.
وعلاوة على ذلك، ليس مضمونا أن يكون للمزيد من التيسير النقدى تأثير مادى على الأداء الاقتصادى (مقابل أداء السوق).
وفى نفس الوقت، هناك تكاليف ومخاطر فى الذهاب إلى ما وراء خفض تأمينى فى هذه المرحلة، فأسعار الأصول قد تنفصل أكثر عن الأسس الاقتصادية، وتصبح الأسواق أكثر اعتيادا وراحة للسيولة الوفيرة، وسيكون لدى الساسة سبب آخر للتراجع عن السياسات الداعمة للنمو، وقد يُرى «الفيدرالى» قريبا على أنه يستسلم للضغوط السياسية وهو ما يضعف مصداقية المؤسسات التى لها اهمية كبيرة فى فاعلية السياسة، وقد تتقلص ذخيرة الادوات السياسية لمكافحة فترات الركود المستقبلية، وقد تتشجع الشركات على حمل مزيد من الديون، والمستثمرون على حمل المخاطر أكثر بحثا عن العائد، وستستمر شهية السوق النهمة للدعم المتواصل من البنوك المركزية.
وفى الوقت نفسه، قد تفسر بعض الدول درجة التحفيز النقدى غير المعتادة من قبل «الفيدرالى» على أنها باب خلفى لإضعاف الدولار أمام عملاتها، وهو ما سيزيد احتمالات حرب عملات فى الاقتصاد العالمى الذى يفقد زخمه.
وبالفعل، انخفضت قيمة عملات معومة للعديد من الاقتصادات المتفتحة استجابة للنزاع التجارى بين الصين وأمريكا، وبالتالي، فإن أى محاولات لإضعاف الدولار ستخلق ازمة للدول التى تحاول عزل نفسها عن ضغوط العملة الأجنبية، وسوف ترتد التحركات الوقائية من قبل هذه الدول – مثل التخفيض الضمنى لقيم عملاتهم او التدخل الصريح فى السوق – على الولايات المتحدة.
ودعونا لا ننسى أن السياسة النقدية تشبه السباق الطويل وليس العدو السريع لمسافة قصيرة، وخفض الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس من قبل «الفيدرالى» فى الاجتماع المقرر عقده نهاية يوليو، لن يهدد فقط باستنزاف الأدوات الهامة لصناعة السياسة، وإنما أيضا صحة الاقتصاد الأمريكى.
بقلم: محمد العريان

منطقة إعلانية

منطقة إعلانية

الأكثر مشاهدة

قبل غرق السفينة.. كشف حساب للأهداف الإنمائية العالمية

مفتاح نجاح الاستراتيجية الأممية بيد القطاع العام الصحة والتعليم والزراعة...

المستثمرون بانتظار موجة تحفيز اقتصادى جديدة

يتوقع المستثمرون موجة جديدة من إجراءات التحفيز لتعزيز النمو الاقتصادى...