ملفات

جنون الطماطم.. محاولة لفهم مؤشر التضخم

التضخم

ارتفعت أسعار البصل فى الهند بنسبة %370 خلال عام 2013 ما اضطر الحكومة لحظر تصديره فى محاولة لوقف «جنون البصل»، وتتعدد عوامل تغير الأسعار خاصة للخضراوات حيث التصقت صفة «الجنون» بمحصول يحتاج إلى تسعير يومى مثل الطماطم، فيما أدى نقص الأيدى العاملة إلى تلف عشرات الأطنان من الأغذية فى الحقول البريطانية خلال 2019.
واعترفت البنوك المركزية بتكرار فشلها فى قياس معدل التضخم الحقيقى متهمة التكنولوجيا الحديثة بهدم نماذج الرصد الخاصة بها، حتى أن «بن برنانكى» رئيس مجلس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى السابق اعترف فى مذكراته بأنه طالب الاحتياطى الفيدرالى باستهداف الحفاظ على معدل تضخم قوق الصفر لأنه إذا بلغ صفر فإنه سيتجه إلى تسجيل معدل سالب ما يعنى انهيارا فوريا للأسواق.
وتقول شركات التكنولوجيا الإحصائية إنه من الصعب قياس قيمة الخدمات التى كانت مدفوعة وبات المستهلك يحصل عليها مجاناً مثل الاتصالات والتجارة الإلكترونية التى تحرك السلع بمعدل لم يكن فى الحسبان، وتصل التقديرات إلى أن %44 من السلع المباعة فى 2019 لم تكن مسجلة “أون لاين” فى 2018.

%91 من دول العالم فشلت فى تحقيق أهداف السيطرة على الأسعار
%1 متوسط التضخم الأوروبى المتوقع على المدى الطويل
%33 من تضخم منطقة اليورو يأتى من برلين

هل فقد المؤشر دلالته مع تطور الأسواق؟

مساحة ضيقة للمناورة أمام البنوك المركزية بسبب انخفاض أسعار الفائدة الموظفون فى صندوق النقد الدولى يعانون من زيادة حادة فى أسعار المواد الغذائية جنون البصل الهندى يضرب الأسواق واحتياطى لحم الخنزير ينقذ الصين.
خرج الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون عام 1971 على التليفزيون للإعلان عن تجميد جميع الأسعار والأجور فى أنحاء الولايات المتحدة حين بات التضخم آفة الاقتصاد العالمى ومثل معضلة للرؤساء الأمريكيين، لكن جيرالد فورد خليفة نيكسون فضل اللجوء إلى حلول شعبية، حيث قام بتوزيع هدايا عبارة عن أزرار تحمل شعاره: «الفوز، من أجل التخلص من التضخم الآن».
وأعلن رونالد ريجان، الذى ترشح لمنصب الرئيس وسط طفرة أخرى فى الأسعار أن عنف التضخم لا يقل عن عنف المجرمين، مشيراً إلى أنه مخيف مثل لص مسلح ومميت مثل قاتل متسلسل.
لكن تقرير مجلة «إيكونوميست» البريطانية يشير إلى اختفاء هذا الرجل القاتل وبحسب المجلة فإن معظم الاقتصادات لم تعد تعانى من الأسعار الجنونية بل على العكس تعانى من تدنى معدل ارتفاع الأسعار بشدة، مما دفعهم إلى وضع أسعار الفائدة الأساسية عند مستوى الصفر أو بالقرب من ذلك لكن دون تأثير يذكر.
وبالنسبة لمنطقة اليورو وبريطانيا واليابان التى وسعت ميزانياتها العمومية إلى ما يتجاوز 15 تريليون دولار أى حوالى %35 من إجمالى الناتج المحلى العالمى مجتمعة لم تلجأ إلى طبع النقود مثل الولايات المتحدة، لكنها أيضاً لم تنجح فى الهبوط بمعدلات البطالة.
وبحسب صندوق النقد الدولى فإن من بين أعضائه يوجد 41 دولة تستهدف سياسة نقدية تعزز التضخم، بالإضافة إلى منطقة العملة الموحدة فى أوروبا والولايات المتحدة ومن بين هؤلاء يوجد 28 دولة لم تحقق أهداف التضخم فى 2019.
وتشير المجلة البريطانية إلى أن %91 من دول العالم لديها سياسة تستهدف التضخم بالرفع أو التخفيض ويشمل ذلك جميع الاقتصادات المتقدمة، لكن أيسلندا هى الاستثناء الوحيد بينما تشارك أكثر من نصف الأسواق الناشئة الدول الغنية فى هذه السياسة.
ويعكس هذا التحول فى مشهد التضخم كل من النجاحات والإخفاقات فى السياسة الاقتصادية، حيث أدى ظهور البنوك المركزية التى تستهدف التضخم منذ التسعينيات إلى تحصين الاقتصادات تدريجياً ضد الأسعار الجامحة، لكن يبدو أن صانعى السياسة إما غير راغبين أو غير قادرين على إيقاف التضخم أو رفعه وفقاً لأهدافهم.
وظهر فريق من الأكاديمين يقول بأن توقعات التضخم الراسخة والتغير التكنولوجى وتدفق السلع ورأس المال عبر الحدود قد تآمروا لجعل التضخم مؤشراً اقتصادياً أقل جدوى وأقل مرونة لذلك تجد البنوك المركزية نفسها فى موقف صعب.
وفى الوقت نفسه، فإن القيود المفروضة على السياسة النقدية تعنى أن خطر تراجع التضخم يلوح فى الأفق أكبر من مخاطر ارتفاع الأسعار المفرط، مما يستدعى أن يعمل محافظو البنوك المركزية والسياسيون على إيجاد طرق لتكييف السياسة الاقتصادية مع هذا العالم الجديد.

دول الانكماش
ويسود دول الانكماش تضخم منخفض واضح على المدى الطويل وعلى المدى القصير، ويمثل المدى الطويل تتويجاً لاتجاه عمره عقود من التراجع بعد أن غزا العالم الغنى معدل الأسعار الجامح بحلول أواخر التسعينيات، حيث جعلت الحكومات البنوك المركزية مستقلة ومنحتها أهداف تضخم لا تقل عنها ولا تزيد إلا قليلاً.
وفى مطلع الالفية الجديدة وحتى أوائل عام 2010، حافظت الطفرات فى أسعار السلع الأساسية على ارتفاع الأسعار بشكل جيد، ولكن منذ انهيار سعر النفط عام 2014، كان التضخم فوق %2 مسألة نادرة، وفى الأسواق الناشئة سجل التضخم معدلات أعلى لكن اتجاه التغيير هو نفسه.
التضخم والبطالة
على المدى القصير، يعتبر التضخم المنخفض لافتاً بشكل خاص، لأنه يبدو أنه يتحدى «منحنى فيليبس”، وهى العلاقة العكسية المفترضة بين التضخم والبطالة فكلما قل الثانى ارتفع الأول حيث يعنى الحصول على الوظيفة مزيداً من الإنفاق وبالتالى زيادة الطلب وارتفاع السعر.
ونجحت ثلث بلدان «منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية – نادى الدول الغنية» فى توفير وظائف لنسبة قياسية لمن هم فى سن 15 إلى 64 عاماً ووفقاً للنماذج التى تم تدريسها فى دورات الاقتصاد، والتى تستخدمها البنوك المركزية، كان من المفترض أن يؤدى ازدهار الوظائف بهذا الحجم إلى ارتفاع الأسعار والأجور، لكن المفاجأة بالنسبة للجزء الاكبر أن ذلك لم يحدث.
ويبدو أن محافظى البنوك المركزية وقعوا فى فخ غامض، فلقد وعدوا لسنوات بأن نمو الوظائف سيصل لمستواه القياسى قريباً وأن التضخم سيرتفع لكن ثبت مراراً أنهم مخطئون وهم يدركون ذلك.
وفى فبراير 2016، وصف ماريو دراجى، الرئيس المنتهية ولايته للبنك المركزى الأوروبى (ECB)، ما إذا كان يمكن تحقيق أهداف التضخم على أنها «السؤال الأساسى الذى يواجه جميع البنوك المركزية الكبرى”، وحذر مارك كارنى محافظ بنك إنجلترا مؤخراً من إجماع أن السياسة الاقتصادية الحالية لا يمكن الدفاع عنها.
وفى شهر مارس من هذا العام، قال جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى إن التضخم العالمى المنخفض كان أحد التحديات الرئيسية فى العصر الحالى.
وشجع فشل بنك الاحتياطى الفيدرالى فى الوصول إلى هدف التضخم، الرئيس دونالد ترامب على مهاجمته لأن باول تباطأ عام 2018 فى رفع أسعار الفائدة لتفادى خطر تضخم لم يتحقق بعد.
وكان مرض السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضى ارتفاع معدلات التضخم والبطالة، لكن كلاهما الآن منخفض، مما قد يبدو وكأنه سبب للاحتفال إلا أنه بالتأكيد التضخم أقل من الهدف هو مشكلة أكبر من الأسعار الجامحة، ويمكن تفسير عدم الاحتفال بأنه مثل فرصة ضائعة فقد كان من الممكن أن تكون السياسة النقدية أكثر مرونة، وبالتالى النمو بشكل أسرع دون تزايد ضغوط الأسعار.
ثانياً تفقد البنوك المركزية التى لم تحقق أهداف التضخم الخاصة بها مصداقيتها تدريجياً وتصبح فى مرمى هجوم السياسيين مما يهدد استقلاليتها «كما فعل ترامب».
وتشير توقعات الأسواق الأوروبية للتضخم على المدى الطويل إلى الانخفاض لما يزيد قليلاً عن مستوى %1، وهو أقل مما كانت عليه عندما بدأ البنك المركزى الأوروبى برنامج التيسير الكمى أوائل عام 2015.
وعندما تكون أهداف التضخم غير ذات مصداقية فمن المرجح أن يكشف المستقبل عن مفاجآت مكلفة، ويؤدى التضخم المنخفض بشكل غير متوقع إلى تحقيق ربح للمقرضين والمعاناة للمقترضين، لأن الديون لا تتقلص بالسرعة الحقيقية كما كان متوقعاً عند الإتفاق على القروض.

البنوك المركزية
والأهم من ذلك، أن انخفاض التضخم يمكن أن يتجذر أكثر وأكثر، فبينما يرتفع معدل الفائدة الحقيقى ويضعف الطلب يتجه معدل التضخم نحو الانخفاض أكثر.
ولن تكون هذه مشكلة إذا تمكنت البنوك المركزية من خفض سعر الفائدة الاسمى بشكل أكبر لمحاربة الركود المتراجع، لكن مساحة المناورة محدودة وليس لديها مجال كبير للقيام بذلك. وفى أوروبا واليابان أسعار الفائدة الاسمية بالفعل أقل من الصفر وتقترب من القاع أيضاً فى بريطانيا لكنها أعلى قليلاً جداً فى الولايات المتحدة.

لماذا وصل التضخم إلى هذه النقطة الغريبة وغير المستقرة؟
قد يجادل البعض بأن التضخم ينخفض لأن الحكومات فقدت القدرة على زيادة الأسعار، هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً فإذا كان الأمر كذلك، فيمكنهم خفض الضرائب إلى الصفر، وزيادة الإنفاق، وطباعة النقود لتمويل العجز الناجم عن ذلك ولن يشاهدوا أبداً هبوطاً تضخمياً.
وسوف يستجيب التضخم فى نهاية المطاف فصانع السياسة لديه القدرة على التحكم فى أسعار الفائدة والمطابع ويمكن للحكومات دائماً تصحيح موقف عملاتها كما ينعكس ذلك فى ارتفاع التضخم بالأرجنتين وتركيا.
وقد يشير هذا إلى أن التضخم دون المستوى المستهدف يعكس فقط فشل الإدارة فى تبنى سياسة طموحة لكن هذا ليس صحيحاً أيضاً فقد أصبح التضخم أكثر صعوبة لأن الاقتصاديات تغيرت بطرق لم يتم فهمها بشكل كامل حتى الآن.
ويجب ألا تصبح السياسة النقدية أكثر طموحًا فحسب، بل يجب أن تتكيف أيضاً مع الاعتماد بدرجة أقل على النماذج الفاشلة والاعتماد على نظرة طويلة الأجل تاخذ فى الاعتبار التطورات السريعة بكل شئ.
وبينما تعوق معدلات الفائدة المنخفضة قدرة البنوك المركزية على المناورة فإن مكافحة التضخم المنخفض تعود بشكل متزايد إلى السياسة المالية، حيث ترتكز قضية الإصلاح أولاً على فهم للأماكن التى أخطأت فيها النماذج الاقتصادية التقدير.

تغيرات السوق
يمكن للارتفاعات السعرية المثالية أن تجعل استهداف التضخم أمراً صعباً، ففى فبراير 2017 بدأت شركة «فيرزون» للهاتف المحمول الأمريكية فى تقديم اتصالات الهاتف المحمول التى لا تضع قيوداً على استخدامات البيانات، وقال الإعلان «مغامرات غير محدودة، ضحك غير محدود، اتصالات غير محدودة”، وربما كان عليهم أن يضيفوا «ويل غير محدود لمحافظى البنوك المركزية».
وتراجعت فئة التضخم التى تتميز بها خطط الهواتف المحمولة، مما أدى إلى انخفاض إجمالى التضخم الأساسى بنحو 0.2 نقطة مئوية فى وقت كان من المتوقع أن يرتفع فيه.
وعلى مدار أفضل جزء من العام، أصبح تراجع التضخم فى «فيرزون» عاملاً حاسماً فى اتصالات البنوك المركزية، حيث وعدوا الأسواق المالية بأن هذا التأثير سوف يتلاشى قريباً.
والتغييرات التى تطرأ على الأسعار تلحق الضرر باستمرار بمحاولات محافظى البنوك المركزية استهداف التضخم.
وفى أوائل عام 2019، قام الإحصائيون الألمان بتحسين رصدهم لكيفية تباين أسعار العطلات مع الفصول، ولسوء الحظ، استحوذ هذا التقلب على المؤشر ففى مايو، انخفضت الأسعار بنسبة %9 عن العام السابق وفى يونيو كان أعلى بنسبة %6.
وتشكل العطلات السياحية ما يقرب من %3 من استهلاك الأسر الألمانية، مما يمنحهم الوزن الكافى لإحداث تقلبات فى التضخم الإجمال، ولأن ألمانيا تمثل حوالى ثلث سلة التضخم فى منطقة اليورو بأكملها ، فإن الحركات كبيرة بما يكفى لتظهر على المستوى القارى تماماً مثل حركة السياح أنفسهم.
وتعد أسعار البصل فى الهند جزءاً مهماً من وصفة التضخم لكنه بات يشبه جنون الطماطم فى تقلباتها غير المتوقعة، فالخضروات أساسية فى النظام الغذائى الهندى، وعندما ترتفع الأسعار، لا تجلب الدموع لعيون المستهلكين فحسب، بل يمكن أن تؤدى إلى تراجع الأسواق المالية.
ويتبارى السياسيون فى إيجاد الحلول خوفاً من غضب الناخبين، وفى عام 2013، تسبب ارتفاع أسعار البصل الهندى بالجملة بنسبة %370 فى ارتفاع التضخم وأدى نقص المعروض المستمر برئيس الوزراء ناريندرا مودى إلى تشديد الرقابة على الصادرات فى العام التالى.
ويعتبر لحم الخنزير فى الصين هو الأهم، حيث تستهلك الدولة كمية لحم خنزير تعادل ما يستهلكه بقية العالم مجتمعة ولسوء الحظ، قضت مؤخراً حشرة الخنازير الأفريقية على ثلث الخنازير فى الصين على الأقل.
ودفع هذا التضخم لحم الخنزير إلى أعلى من %47 خلال أغسطس فى سوق متقلبة بالفعل، مما ساهم بنحو نصف نقطة مئوية فى التضخم الرئيسى.
وفى محاولة للحد من ضغوط الأسعار، ضخت الصين اللحوم من احتياطيات لحوم الخنزير المجمدة، وهى آلية طوارئ أنشئت فى السبعينيات على غرار العديد من الدول التى لديها احتياطيات بترولية لنفس السبب.
وتوجد صور أبسط لتقلبات الأسعار فهذه ليست الطريقة الوحيدة التى يرتفع بها السعر المثير للقلق للاقتصاديين فى العالم حيث يعانى الموظفون فى صندوق النقد الدولى من معدل تضخم حاد فى أسعار المواد الغذائية فى المطعم الخاص بهم!

الأكثر مشاهدة

أوبك+ تقرر زيادة إنتاج النفط ب 500 ألف برميل يوميا اعتبارا من يناير

قررت الدول الأعضاء في مجموعة أوبك+ ضخ 500 ألف برميل...

خاص.. السفير الفرنسي: استثمارتنا 6 مليارات يورو في مصر

قال ستيفان روماتيه السفير الفرنسي في مصر، إن حجم الاستثمارات...

منطقة إعلانية