ملفات

توشيبا.. نهاية نموذج نجاح اليابان في القرن العشرين

الشركة تخضع لضغوط المقرضين وتبيع أفضل أصولها ” الرقائق الالكترونية”

18مليار دولار قيمة الصفقة وتوشيبا تحتفظ بـ%40 من الأسهم

التلاعب بالحسابات وصمة عار في جبين أيقونة اليابان

رحيل 50 ألف موظف منذ 2015 وخسائر النشاط النووي 4.5 مليار دولار

 

يبدو أن العملاق الياباني شركة توشيبالم تتعلم شيئاً من أزمة نشأت مباشرة من ثقافة عدم الشفافية، وهو ما تبين من الرد الحاد الذي تلقاه أحد كبار المحللين فى اليابان على سؤاله حول خطط بيع أحد أصولها اﻷساسية،

فالشركة التي ردت بأنها لا تبلغ هذه المعلومات بشكل استباقى، تشير إلى طبيعة الإحجام عن إصلاح أسلوب العمل فى الخفاء، ليس فقط لمزيد من الشفافية، لكن لوقف الأعمال المنافية للشرف، بحسب تعبير صحيفة فاينانشيال تايمز، التي وصفت هذه الأعمال بأنها بدأت بالتلاعب بالحاسبات إلى إفلاس نشاطها النووى فى الولايات المتحدة الذى كبَّد أسهم الشركة نحو 4.5 مليار دولار، وتفاقم الأزمات والاشتباك مع مدققى الحسابات، وحرق أفضل أصولها بالبيع البخس، بعد رحيل 50 ألف موظف منذ منتصف عام 2015.

وبالنسبة لمن ينظرون إلى اليابان ككتلة مقاومة للتغيير عبر النمط المحافظ والسرية، فإن توشيبا أفضل برهان على ذلك.

وتعتزم توشيبا بيع درة تاج أعمالها، وهى مصنع رقائق الذاكرة بنحو 18 مليار دولار مع الاحتفاظ بحصة 40.2% دون أن تفسر للسوق سبب هذه الخطوة.

أعلنت شركة توشيبا منذ عام، أنها كانت تدير أعمالها فى مجال صناعة رقائق الذاكرة «ناند»، استعداداً لعملية البيع، وهو قرار ساعد على درء أكبر أزمة للشركات فى التاريخ اليابانى، وتم الاتفاق على صفقة لبيعها إلى تحالف بقيادة «باين كابيتال» فى سبتمبر الماضى.

ولكن فى حين تم تجنب الأسوأ، فإنه منذ الإعلان عن خطط البيع، لم يفعل مسئولو الشركة شيئاً يذكر لبث الثقة بأن «توشيبا» يمكن أن تحل المسائل العميقة التى أثارتها تجربتها فى صراعها مع الموت، حتى إن بعض المساهمين يعتقدون أن بيع مصنع الرقائق الذى ينتظر الموافقة على عقده من قِبل الهيئات التنظيمية هو عمل ناجم عن حالة من الذعر لدى الإدارة سيلحق بـ«توشيباً» أضراراً بشكل لا يمكن إصلاحه على المدى الطويل.

وتقول صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية، إن وصلة الوعظ الرديئة التى حصل عليها ذلك المحلل الاقتصادى

وأشار رفض الإجابة إلى أن هناك زخماً ضئيلاً للتغيير فى أروقة الإدارة الحالية. ويقول المصرفيون والمحامون والمحاسبون وغيرهم من المشاركين بشكل وثيق فى عملية بيع الأصول، إن أزمة توشيبا صورة مصغرة من اليابان.

وتعانى اليابان من أسلوب إدارة موظفى عمل لأجل «راتب»، وهى ثقافة شائعة وأدت إلى تدخلات حكومية خاطئة، واختلال وظيفى وتطبيق حلول غير مناسبة للعصر، ويمكن اعتبار مستقبل «توشيبا» اختباراً لعملية إنقاذ القطاع الصناعى اليابانى دون إصلاح جذرى على حد وصف الصحيفة.

ووسط هذه الفوضى، كانت هناك إيجابيات، أهمها رفض أكبر المقرضين لـ«توشيبا» مثل ميزوهو وسوميتومو ميتسوى تمويلها، والضغط عليها لبيع أفضل أصولها، وهذا يمكن أن يفسر على أنه نهاية حقبة تمويل البنوك للشركات السيئة.

ومع ذلك، ففى حين أن «توشيبا» نجت من التهديد المباشر، يلاحظ البعض الآخر مدى استمرار ضعفها، ويخشى أن الشعور بالإفلات من الكارثة سيؤدى إلى الرضا عن النفس، وتوقف الإصلاحات، كما أن تصرفاتها لم تقتل قدراً كبيراً من الشك بشأن قدرتها على الاستمرار.

وبحسب الرأى الرسمى لمدقق حساباتها فى برايس ووترهاوس كوبرز، فإن الضوابط الداخلية لـ«توشيبا» كانت غير كافية، وإن تقاريرها المالية لا تزال تعتمد على الشركة فى تحريرها. وفى ضربة رمزية، تلاشى تأثيرها مرة واحدة فى الطبقات العليا، فقد خسرت الشركة رئاسة مؤسسة كيدانرن (اتحاد الاعمال اليابانى)، أكبر لوبى للشركات اليابانية وذهبت لمنافستها الرئيسية هيتاشى.

وبحسب الخبراء، فإن الشركة لا تزال فى وضع الأزمة، وليس هذا هو وقت التفكير فى «توشيبا» كشركة تمر بظروف عادية، ويؤيد «كوتا إزاوا»، المحلل فى سيتى جروب هذا الرأى.

عندما أعلنت «توشيبا» نيتها، فى يناير الماضى، لبيع مصنع رقائق الذاكرة كان الأمر كاشفاً بأنه بيع بالإكراه، فالحالة الكارثية والضغوط التى تتدفق من المقرضين الرئيسيين والمستثمرين والحكومة أجبرتاها على ذلك.

مشاكل توشيبا

ونظراً إلى أهمية بقاء «توشيبا»، لا سيما فى ضوء دورها فى وقف تشغيل محطة فوكوشيما النووية المنكوبة، فإن رئيس الوزراء، شينزو آبى أصبح متورطاً مباشرة فى خطط الإصلاح، لأنه رأى أن إنقاذها قضية وطنية، ونقلت الصحيفة عن شخص قريب من مجلس إدارة «توشيبا»، أنه بذل جهداً لإقناع وزارة التجارة باعتماد الصفقة.

واتجه المديرون التنفيذيون بشكل صارخ إلى بيع الأصول الأكثر قيمة بعد عمليات التخليص واسعة النطاق من أنشطة «توشيبا» النووية فى الولايات المتحدة، كما كشفت فى ديسمبر عام 2016.

وسقطت الشركة فى عمق تراجع الأسهم بشدة مع فرض قيود على قدرتها على جمع التمويل بعد فضيحة الشركة المحاسبية فى عام 2015، ما جعل على ما يبدو صفقة البيع الخيار الوحيد القابل للتطبيق لتجنب النهاية الكارثية.

ومع مغادرة كبار المهندسين بمعدل 15 مهندساً شهرياً، وفقاً لما ذكره أحد المسئولين التنفيذيين فى قطاع الرقائق، كان هناك شعور إضافى بالإلحاح على خطوة البيع.

وعلى مدى الاثنى عشر شهراً التى تلت ذلك، ومع مرور الوقت وقرب الموعد النهائى المحدد فى مارس 2018، أخذت الصفقة ببطء تتشابك مع جهات الأعمال والسياسة والقانون والعاطفة، أيضاً، ليصبح بيع أحد أصولها فرصة غير عادية فى قطاع الرقائق المطمئن.

وبدأت مجموعة من الاتحادات التى تتغير باستمرار من أعضاء مثل عمالقة التكنولوجيا الأمريكية «أبل» و«ديل» و«بروسوم»، وكذلك الشركات المصنعة الآسيوية مثل «فوكسكون» وحاملى أسهم رئيسيين فى «كيه كيه ار» و«سيلفر ليك»، جميعاً أخذ موقف الاستعداد.

ومن الأمور المهمة، أيضاً، مؤسسة شبكة الابتكار فى اليابان وبنك اليابان للتنمية المؤسسات المدعومة من الدولة التى كانت تقوم فى آن واحد بإجراء النقاش مع وزارة التجارة لمقاومة الضغوط الحكومية، لتكون جزءاً من صفقة سيئة، كما أنها كانت تأمل فى الحصول على حصة فى شركة الرقائق إذا حافظت «توشيبا» على أصولها.

وعندما تم الاتفاق أخيراً على صفقة مع تحالف «باين» الذى يضم عملاق صناعة الرقائق الكورية الجنوبية «إس كيه هاينكس» فى سبتمبر، فشلت هذه الهيئات المدعومة من الدولة فى الالتزام بمبلغ ملموس للاستثمار فى مصنع الرقائق وتحديد دور دقيق لها فى عملية الإدارة.

وانتقد الخبراء وجود قيود على حركة المنظمات الحكومية للتدخل فى شركة تكنولوجية وسط تغييرات جذرية، وقد عززت قضية «توشيبا» الحاجة إلى التخلى عن الخوف الذى لا لزوم له تجاه رأس المال الأجنبى والحنين لنموذج النجاح لليابان الذى هيمن فى القرن العشرين.

وقد أدت خطط البيع بالإضافة إلى إصدار «توشيبا» أسهماً بنحو 5.4 مليار دولار فى ديسمبر 2017 إلى تخوف المستثمرين من الشطب من البورصة أو الإفلاس. لكنَّ المحللين يقولون إن بيع الأسهم المثير للجدل الذى ينظمه بنك جولدمان ساكس وينتقده المساهمون الحاليون؛ بسبب انعدام الشفافية قد يدفع المديرين إلى التراجع عن الإصلاحات العنيفة لضمان نجاة الشركة على المدى الطويل.

ومن المتوقع أن يسجل بيع الأسهم، إلى جانب بعض عمليات الشطب الضريبية المصاحبة، فجوة تقدر بنحو 750 مليار ين يابانى (6.9 مليار دولار أمريكى) فى حقوق المساهمين فى «توشيبا»؛ بسبب عمليات إنهاء الخدمة فى شركة ويستنجهاوس، التابعة لها فى الولايات المتحدة الأمريكية، والتى تم بيعها، كما أن ميزانيتها العمومية لا تزال ضعيفة، ودون البيع لمصنع رقائق الذاكرة الثمين فإنَّ توشيبا لن يكون لديها المال الكافى للاستثمار فى النمو بحسب المحللين. وحتى لو مرت صفقة الرقائق، فإن ما تبقى منه هو مجرد ظل «توشيبا».

ففى غياب شركاتها النووية وصناعة رقائق الذاكرة سوف يكون جوهر توشيبا قسم البنية التحتية الاجتماعية مثل المصاعد، ومكيفات الهواء والسلالم المتحركة. وفى حين أن هذه الشركات قد تكون مستقرة، فإن هوامش ربحها التشغيلى فى الأرقام الفردية منخفضة، مقابل هامش ربح قدره %21 سجله قسم رقائق الذاكرة «ناند» فى الفترة 2016-2017، السنة المالية الأخيرة.

ويقدر السيد إزاوا، أن الشركات المتبقية فى «توشيبا» ستحقق أرباحاً تشغيلية تصل إلى 100 مليار ين فقط فى 2018-1919، أى أقل من 419 مليار ين يابانى أرباحاً متوقعة لشركة رقائق الذاكرة حققتها فى ربع واحد من السنة المالى 2017-2018.

ومع خطر الشطب الفورى من البورصة، يرى بعض المساهمين فى «توشيبا»، أن الشركة ينبغى عليها النظر فى الطرح العام لمصنع رقائق الذاكرة بدلاً من بيعه إلى كونسورتيوم تقوده شركة «باين» بسعر يشكو بعض المستثمرين من أنه متدنٍ جداً.

وقال أرجايل ستريت ماناجيمنت، وهو صندوق تحوط مقره هونج كونج، ومساهم فى توشيبا، فى رسالة بعث بها إلى مجلس إدارة الشركة فى ديسمبر الماضى، أن الصفقة تخفض قيمة الأعمال بشكل كبير، وتعكس الوضع الصعب الذى كانت فيه «توشيبا» فى ذلك الوقت.

سوق الرقائق الإلكترونية

وقال المحللون، أيضاً، إن الاكتتاب العام سيسمح لشركة توشيبا بالاحتفاظ بالسيطرة على أعمال الرقائق، فى حين أن لديها القدرة على جمع تمويل بأكثر من 18 مليار دولار أمريكى.

ولم يتم بعد الموافقة على عملية البيع من قبل جميع الهيئات التنظيمية الرئيسية، مع قلق خاص بشأن ما إذا كانت الجهة التنظيمية الصينية ستكمل قرارها بحلول نهاية مارس. وإذا لم تتم تسوية الصفقة بحلول ذلك الوقت، يمكن لـ«توشيبا» استكشاف خيارات أخرى.

ويقول المحللون، إن استمرار حالة عدم اليقين بشأن أعمال الرقائق يعكس الافتقار إلى قيادة قوية يمكن أن توجه المجموعة دون التدخل من المقرضين والمسئولين الحكوميين.

قال هيساشى مورياما، المحلل فى «جى بى مورجان»، فى طوكيو، إنه بالنسبة لـ«توشيبا»، فمن الأفضل الاحتفاظ بشركة رقائق الذاكرة. ولكن السؤال هو ما إذا كانت هناك إدارة داخل الشركة يمكن أن تتخذ مثل هذا القرار بالاستثمار فى المستقبل، فعلى مدار العامين الماضيين، ركزت إدارة «توشيبا»، فقط، على ما هو ضرورى للبقاء على قيد الحياة؛ حتى تتمكن من تجنب الإفلاس والحفاظ على أسهم الشركة المدرجة فى البورصة دون حلول مبتكرة.

ولفتت صحيفة فاينانشيال تايمز إلى أنه عندما أصيبت «توشيبا» بالركود فى منتصف الستينيات من القرن الماضى تحولت إلى الخارج؛ حيث تولى توشيو دوكو، الرئيس الماهر لصناعة الآلات الثقيلة (إى إتش أى) القيادة للمساعدة فى تعديل الأوضاع. ولكن لأكثر من نصف قرن فى وقت لاحق ظهر عدد قليل فى مجتمع الأعمال على استعداد لقيادة تكتل مضطرب بشكل عميق يدار بعقلية لا تزال عالقة فى أيام مجدها والأعمال النووية المحلية التى سوف تستمر فى التأثر بشدة بسياسة الحكومة.

ورغم أن الأزمة باتت جزءاً من الماضى، فإنَّ توشيبا تواجه الآن تراجعاً طويل الأمد، وعليها الدخول فى استثمارات عنيفة واللجوء لعمليات الاندماج والاستحواذ مثل الشركات الأخرى التى ترفض قبول هذا السقوط، ولكن هذه الجهود يمكن أن تعمل فقط إذا كان هناك قيادة قوية يمكن أن تجمع الموظفين للقتال من أجل النمو.

الأكثر مشاهدة

فاتورة الأزمة الفرنسية

رضخ إيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي للاحتجاجات التي انطلقت في فرنسا...

الشباب العربي يرفض العمل بالزراعة

تعرف على متوسط أعمار العاملين بالزراعة في الدول العربية ونسب...