مقالات

التقلبات تمهد الطريق لأسواق طبيعية

بعد التعرض لصدمة مفاجئة الأسبوع الماضى، بتمنى الكثير من المشاركين فى السوق العودة سريعا إلى الهدوء، وهو أمر مفهوم ولكن لن يكون فى صالحهم على المدى البعيد العودة ببساطة إلى الأحوال السوقية غير المعتادة التى هيمنت فى السابق، وبدلا من ذلك، ينبغى أن يأملوا فى نموذج سوقى جديد أقل شذوذا فيما يتعلق بتقلب أسعار الأصول، وحركات التصحيح، وتقييمات بعض فئات الأصول، وقاعدة المستثمرين الأكثر تطرفا.

وسلطت جولة التقلبات الأخيرة فى الأسواق الضوء على هشاشة بعض استراتيجيات ومنتجات الاستثمار، وصاحب الانهيار المفاجئ لأسعار استراتيجيات التقلبات القصيرة شائعة الاستخدام هبوط حاد وعدوى لعدد من المنتجات وفئة الأصول ذات الصلة، ثم صعدت التدفقات الخارجة من الأسهم والأصول الخطيرة الأخرى من قبل مستثمرى التجزئة.

ولا عجب أن العديد من المستثمرين يحنون للعودة إلى الهدوء المريح لعام 2017 ويناير من العام الجارى، ومع ذلك، واستنادا إلى التاريخ، فإن الظروف التى مرت بها الأسواق كانت استثنائية وغريبة بشكل خاص، كما أن السكينة التى سادت قبل التقلبات احتوت على بذور انتهائها.

وكانت الأسهم تسير فى الاتجاه الصعودى فقط حتى نهاية يناير، وسجل «داو جونز» أكثر من 70 مستوى قياسى فى 2017 وحدها، ونظريا كانت كل فئات الأصول ترتفع أسعارها، بغض النظر عن الارتباطات التاريخية، وكانت فكرة التقلبات غير واردة مع تسجيل «فيكس» ستة من أصل سبع أدنى مستويات على الإطلاق العام الماضى.

وفى نفس الوقت، اعتمد مقدمو منتجات التقلبات قصيرة الأجل ومستخدموها على الرومانسية العميقة مع صناديق المؤشرات، وبذلك، أبحر البعض لمناطق أكثر خطرا حيث يكون من الصعب أن تفى المنتجات بوعودها الضمنية والصريحة بالسيولة والأرباح خاصة إذا عادت الأسواق إلى أوضاعها الهيكلية المعتادة والتى لا تكون السيولة فيها وفيرة ومستمرة.

وعزز كل ذلك ثقة المستثمرين المفرطة فى قدرة المشاركين فى السوق «غير التجاريين»، والبنوك المركزية، والمستثمرين من المؤسسات المحملة بالالتزامات (مثل صناديق المعاشات)، على قمع التقلبات بشكل مستمر ودائم، بالإضافة إلى إقبال المستثمرين على شراء الأسهم التى هبطت أسعارها بغض النظر عن سبب هبوط السعر.

وبدلا من الرغبة فى العودة إلى هذه الأجواء، ينبغى أن يأمل المستثمرون فى الانتقال إلى هيكل سوقى جديد ومنظم يتضمن خمسة جوانب واضحة:

الأول أن تكون التقلبات أعلى من 2017، وفى نطاق محدود نسبيا (أى أن تتراوح قراءة مؤشر «فيكس» ما بين 15 إلى 20، وهى حاليا عند 25).

والثانى أن يكون العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات فى نطاق يتراوح ما بين %2.75 و %3.10 من الآن وصاعدا (وهى حاليا عند 2.84).

والثالث أن يكون الفارق فى العائد بين سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات ونظيرتها الألمانية فى نظاق 195 إلى 225 نقطة أساس تقريبا (وهو حاليا عن 210 نقاط أساس).

والرابع أن يعود الارتباط بين الأصول الخطرة والأصول الآمنة إلى علاقته (السلبية) التاريخية.

والخامس أن تلعب أسواق العملات دورا أكبر فى امتصاصها للصدمات.

وخلف الكواليس، سوف يتعامل المشاركون فى السوق بشكل أفضل مع التقلبات والسيولة، ويحصلون على تسعير أفضل للأصول، وهو ما سيضبط أكثر ظاهرة الوعود بسيولة مفرطة من فئات أصول غير سائلة فى الأساس.

وهذه الأحوال لن تكون هادئة ومربحة مثل تلك التى امتدت قبل اضطرابات السوق فى فبراير، ولكنهم سوف يجعلون الأوضاع فى السوق أكثر سلامة، خاصة إذا واصلت الأسس الاقتصادية التحسن ووفرت بالأخير أساس قوى للتقييمات فى السوق.

محمد العريان

رئيس المستشارين فى مجموعة أليانز العالمية

المصدر: وكالة أنباء «بلومبرج»

الأكثر مشاهدة

فاتورة الأزمة الفرنسية

رضخ إيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي للاحتجاجات التي انطلقت في فرنسا...

الشباب العربي يرفض العمل بالزراعة

تعرف على متوسط أعمار العاملين بالزراعة في الدول العربية ونسب...