في يوم عاصف من أيام أبريل، استيقظ العالم على واحدة من أعنف موجات الانهيار في الأسواق المالية منذ جائحة كورونا. مؤشرات الأسهم الأمريكية الكبرى هوت بنسبة 6%، وخسر المستثمرون أكثر من 5 تريليونات دولار خلال ساعات قليلة. هذه الخسارة الفادحة لم تكن مجرد رقم على الشاشات، بل مؤشر قوي على أزمة أكبر تلوح في الأفق: ركود اقتصادي عالمي جديد.
السبب؟ قرارات مفاجئة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن من حديقة البيت الأبيض فرض رسوم جمركية على أكثر من 60 دولة، من بينها الصين والاتحاد الأوروبي. هذه الخطوة، التي وصفها بعض المحللين بـ”الضربة المتهورة”، أشعلت فتيل حرب تجارية عالمية قد تعيد ترتيب الاقتصاد العالمي بأكمله.
رد الصين لم يتأخر، إذ أعلنت عن إجراءات انتقامية مماثلة خلال أقل من 48 ساعة. ومع هذا التصعيد، دخلت الأسواق في دوامة من الذعر، وبدأ المستثمرون يهربون من الأسهم نحو أدوات استثمارية أكثر أمانًا كالسندات الحكومية والذهب، في مشهد يذكّر بما حدث في بدايات جائحة كورونا عام 2020.
رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، جيروم باول، زاد من حدة القلق عندما أشار إلى أن السياسة التجارية الجديدة قد تُضعف النمو وتزيد التضخم في آنٍ واحد. هذا ما يعرفه الاقتصاديون بـ”الركود التضخمي” وهو من أصعب الأزمات الاقتصادية من حيث المعالجة، لأنه يحد من قدرة البنوك المركزية على التدخل.
الأسواق لم تهتم بالتقارير الإيجابية التي صدرت عن سوق العمل الأمريكي، والتي أظهرت زيادة غير متوقعة في الوظائف. فالخوف أصبح أكبر من الأرقام اللحظية، والمستثمرون ينظرون إلى الصورة الأكبر التي تتشكل بسرعة وبخطورة غير مسبوقة.
من جهتها، بدأت الشركات الكبرى في إعادة تقييم خططها الاستثمارية، وبدأت التوقعات تشير إلى تباطؤ شديد في الإنفاق الاستهلاكي العالمي، وهو ما سيؤثر على قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا والطاقة والنقل. أسعار النفط بدأت في التراجع مع توقعات بانخفاض الطلب العالمي، مما يؤكد أن الأزمة لا تقتصر على البورصات فقط.
الصورة العامة توحي بأن العالم على مشارف أزمة اقتصادية عميقة قد تتجاوز في آثارها ما حدث خلال الجائحة. فالتوترات السياسية والتجارية، coupled with an already fragile recovery post-Covid, تُشكل خليطًا خطيرًا قد يؤدي إلى تراجع حاد في النمو العالمي.
في أوروبا، بدأت الحكومات في عقد اجتماعات طارئة لمتابعة التطورات، وسط مخاوف من أن الرسوم الجمركية الأمريكية ستقود إلى ردود فعل متسلسلة تضر بالتجارة العالمية. أما في آسيا، فقد أعربت عدة دول عن قلقها من تصاعد التوتر بين واشنطن وبكين، وهو ما قد يعرقل سلاسل التوريد العالمية مرة أخرى.
كل هذه التطورات تحدث في وقت لا تزال فيه الاقتصادات تحاول النهوض من آثار الجائحة. واليوم، يواجه العالم تهديدًا جديدًا، وهذه المرة ليس بسبب فيروس، بل بسبب قرارات سياسية قد تعصف بما تبقى من استقرار اقتصادي عالمي.
ومع غياب مؤشرات على التراجع أو التهدئة، يبدو أن الأشهر القادمة ستكون حاسمة في تحديد ملامح المرحلة المقبلة من الاقتصاد العالمي. فهل يتدارك القادة السياسيون الأمر قبل فوات الأوان، أم أننا فعلاً على أعتاب أزمة لا تقل قسوة عن 2008؟
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا