كتبت – سارة هشام وهدى السهيلي
“منذ بضعة أشهر، كنت أشتري 6 علب زبادي بحوالي 16 جنيهًا، الآن نفس الـ 6 علب وصل سعرها إلى 50 جنيهًا”. هكذا وصفت منى (اسم مستعار) الارتفاع الكبير في أسعار الألبان الذي أصبح عبئًا يوميًا على ميزانية أسرتها.
وتضيف: “لتر اللبن كان بسعر يتراوح بين 28 و38 جنيهًا، والآن أصبح بـ 48 جنيهًا في أقل من سنة”.
وكما يتسلل الغلاء إلى موائد الطعام، يمتد أيضًا إلى أبواب المدارس.
تقول منى إن ابنتها التحقت هذا العام بالصف الأول الابتدائي في إحدى المدارس القومية الحكومية، فدفعت 18.5 ألف جنيه كمصروفات، وما زال عليها 1500 جنيه إضافية ستفرضها الوزارة مع القسط الثاني، ليقترب الإجمالي من 20 ألف جنيه، مقارنة بـ15.3 ألف فقط في العام الماضي، وتؤكد منى أن هذه الزيادة الكبيرة تتكرر كل عام.
ارتفاع مصروفات الاحتياجات اليومية بنسبة 50%
مصاريف الاحتياجات اليومية ارتفعت بنحو 50% منذ بداية العام فقط، هكذا وصف أحمد مسعود، موظف ورب أسرة وأب لـ 3 أطفال. لديه طفلتين لا يتجاوز عمرهما سنتين، أسعار الأدوية والحفاضات شهدت ارتفاع أيضاً.
فيما يخص المصروفات الدراسية لابنته، قال: “ابنتي في مدرسة خاصة، والزيادة هذا العام حوالي 12%، وهذه هي الزيادة الدورية خاصة أن ابنتي دخلت مرحلة جديدة”.
لكن المفارقة أن هذا الشعور المتزايد بالغلاء بين المواطنين يأتي في وقت تُعلن فيه البيانات الرسمية عن تباطؤ وتيرة التضخم.
ووفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، انخفض معدل التضخم السنوي إلى 13.9% في يوليو 2025، مقارنة بـ 14.9% في يونيو.
الأرقام تعكس فقط تباطؤ وتيرة الارتفاع
من جانبه، قال محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو لجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية لمجلس الوزراء، إن المواطن لا يشعر بانخفاض حقيقي وملموس في التضخم لمجرد تراجع المعدل الرسمي المعلن، لأن الأرقام تعكس فقط تباطؤ وتيرة الارتفاع.
وأضاف أن الشعور بانخفاض الأسعار يتطلب استقرارها عند مستويات مقبولة لفترة ممتدة، أو يبدأ بعضها فعليًا في التراجع، وهو ما لا يحدث إلا بعد دورة كاملة من الاستقرار النقدي وتراجع تكاليف الإنتاج والاستيراد.
المبادرات الحكومية توفر انفراجة قصيرة
أضاف فؤاد في حديثه لـ “إيكونومي بلس” أن المبادرات الحكومية لخفض الأسعار قد توفر انفراجة قصيرة الأجل لبعض الشرائح، لكنها لا تغير اتجاه السوق العام لأنها لا تمس جذور المشكلة المتمثلة في ارتفاع تكلفة المواد الخام بالدولار والطاقة والأجور والتمويل.
والزيادات المنتظرة في أسعار الكهرباء والغاز ستُترجم سريعًا إلى ارتفاع جديد في فاتورة الإنتاج والخدمات، مما يضعف أي إحساس بانفراج التضخم حتى لو استمر الاتجاه الإحصائي في التراجع.
أضاف أن المحصلة هي أن التسعير في مصر لم يعد مجرد انعكاس مباشر لسعر الصرف، بل بات مرتبطًا باستراتيجيات الشركات للحفاظ على مستويات ربحية مستقرة أمام المساهمين والأسواق، مما يجعل التضخم حالة مؤسسية متشابكة تتجاوز مجرد حركة الدولار، وتؤخر وصول أثر التراجع الرسمي إلى حياة المواطن اليومية.
تباطؤ التضخم لا يعني انخفاض الأسعار
يقول مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث في شركة عربية أون لاين، إن من الضروري التفريق بين التضخم والانخفاض في التضخم.
وأوضح خلال حديثه لـ”إيكونومي بلس” أن التضخم هو استمرار ارتفاع الأسعار بوتيرة متزايدة، أما الانخفاض في التضخم فيعني أن الأسعار ما زالت ترتفع ولكن بمعدل أقل من السابق، وهو ما تعيشه مصر حاليًا.
وقال: “فكرة أن المواطن يشعر بانخفاض الأسعار لن تحصل في الوقت الحالي، لأن من الطبيعي أن أي سلعة أو عقار ارتفع سعره منذ سنة، من المستحيل أن ينزل مرة أخرى، ولكنه قد يواصل الزيادة بوتيرة أهدأ”.
أضاف شفيع أن عنصر دخول المواطنين يلعب دورًا محوريًا في شعور المواطن بالضغوط، فالأجور لا تنمو بنفس سرعة التضخم، حتى مع الزيادات السنوية سواء في القطاع العام أو الخاص، مما يجعل المواطن غير قادر على مواجهة نفس سلة احتياجاته بالدخل المتاح له.
أكد أن ارتفاع الأسعار يشمل تقريبًا جميع القطاعات، وبالتالي فإن أي زيادة في الرواتب لا تُمكّن المواطن من تغطية نفس النفقات التي كان يغطيها سابقًا.
وشعور المواطن بالتحسن مرهون باستقرار المؤشرات الكلية، مثل التضخم وسعر الصرف.
ويؤكد أن سعر الجنيه أمام الدولار يظل العامل الأكثر تأثيرًا نظرًا لاعتماد مصر على الاستيراد.
وأضاف أن الشعور الحقيقي بخفض الأسعار سيحدث عندما تتحسن قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل ملموس، وانخفاضه إلى مستويات الـ 45 – 44 جنيهًا، وذلك لن يتحقق إلا في ظروف اقتصادية قوية واستدامة في تدفقات العملة الأجنبية.
تحركات حكومية وتجارية لخفض الأسعار
من جانبه، يؤكد أسامة الشاهد، رئيس غرفة الجيزة التجارية، أن هناك تحركات جادة من الحكومة والغرف التجارية لخفض أسعار السلع، موضحًا أن الحكومة اتخذت خطوات عملية لتقليل الغرامات الدولارية على البضائع عبر تسريع الإفراج الجمركي والاعتماد على الرقمنة، وهو ما ساهم في خفض تكلفة السلع.
وأشار الشاهد خلال حديثه لـ”إيكونومي بلس” إلى أن الغرفة عقدت اجتماعات مع الشُّعب النوعية لمختلف القطاعات، وتم الاتفاق مع المنتجين على تقليل أسعار البيع، ومع التجار على خفض هوامش الربح بما ينعكس على المستهلك مباشرة.
وأضاف أن التنسيق مع وزير التموين أسفر عن خفض أسعار نحو 15 سلعة أساسية بنسبة تراوحت بين 5 و 18%، من بينها الأرز والمكرونة والزيوت واللحوم البيضاء والمجمدة والسمن، فضلًا عن تقليص أسعار مئات المنتجات الأخرى بنسب تتراوح بين 4 و6%.
مؤكدًا أن التخفيضات بدأت بالفعل بالظهور في الأسواق، مع إمكانية حدوث مزيد من الانخفاض مع وصول شحنات جديدة بتكاليف أقل.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا