مقالات

مخاطر محتملة للتشديد المتزامن للسياسة النقدية

لا توجد أى دولة أو منطقة تمر بآليات نمو قوية بما يكفى وممتدة على المدى المتوسط بما يسمح باستيعابها الارتفاع المستمر فى عملاتها

صدرت تفاصيل اجتماعى مجلس الاحتياطى الفيدرالى، والبنك المركزى الأوروبى، فى يناير، بفاصل زمنى يقل عن 24 ساعة، مما قدم فرصة هائلة للمقارنة بينهما.

وكلا البنكين المركزيين، يسلط الضوء على التفاؤل الاقتصادى ويحدد التحديات المشتركة. ولكنهما يشيران إلى مخاطر مختلفة.

كما أنها يثبتان أن صناع السياسة يتجنبان خطورة يمكن أن تجذب مزيدا من الانتباه خلال الأشهر المقبلة.

وتبنى البنكان المركزيان ذوى الأهمية النظامية، توقعات اقتصادية أكثر إشراقا. ويحق لهما ذلك، وعززا فكرة التحسن المتزامن فى النمو العالمى وقلصا مخاوف الانكماش.. وهذا بدوره رفع فرص إنهاء السنوات العديدة للنمو شديد الانخفاض وعدم الشمولى بالقدر الكافى.

ورفع أعضاء لجنة السوق المفتوح فى «الاحتياطى الفيدرالى» توقعاتهم للنمو، متعللين بالأحوال الاقتصادية المواتية، والتشريع الضريبى الجديد، وتحسن آفاق النمو العالمى، وهو ما قاد المكاسب فى الإنفاق الأسرى والتجارى، وبالتالى أظهر الزخم الاقتصادى الكامن.

ويعزز هذا التحليل الكلى، الرسالة التى يتلقاها المصرفان المركزيان من الشركات، وخصوصا التصنيعية منها، والتى حددت الخفض الضريبى والتحسن الملحوظ فى آفاق النمو العالمى كأسباب لزيادة الطلبيات والخطط لتوسيع استثماراتها وقدرتها الإنتاجية.

وتسلط آفاق النمو الأكثر إشراقا، الضوء على الأسئلة التى لا تزال عالقة بشأن التباطؤ فى سوق العمالة واستجابة الأجور.

ورغم تراجع معدل البطالة الأساسى لمستوى منخفض تاريخيا «عند %4.1 فى يناير»، لاتزال هناك تساؤلات بشأن مدى التباطؤ المتبقى فى سوق العمالة.

ويبدو بعض أعضاء لجنة السوق المفتوح أقل تفاؤلا بشأن الزيادة المتوقعة فى معدل مشاركة العمالة، متوقعين نموا أسرع فى الأجور.

ويتوقع آخرون أن تبقى الزيادة فى الأجور متواضعة، خصوصا إذا ظلت الإنتاجية منخفضة. وتساهم كل هذه العوامل فى التقييم الأوسع للبنك المركزى للتهديدات المقبلة.

ورغم أن المخاطر التى تواجه الأسس الاقتصادية متوازنة حتى الآن، يشير المسئولون فى «الفيدرالى» إلى أمرين يمكن ربطهما بالاختلالات فى الأسواق المالية، الأول تقييمات الأصول المرتفعة، والثانى الاستخدام المتزايد للديون، وهو الأكثر أهمية لأنه ينطبق أيضا على المؤسسات غير المالية، والتى على عكس النظام المصرفى، لا تخضع للإشراف المباشر للبنك المركزى.

ويبقى لنا أن نرى كيف سيتطور تفكير «الفيدرالى» بشان هذين الأمرين منذ اجتماع السياسة فى يناير، خصوصا بعد الارتفاع المفاجئ فى تقلبات الأسواق بداية الشهر الحالى.

وسيتعين على صناع السياسة تحديد ما إذا كان ارتفاع قراءة مؤشر «فيكس» للتقلبات وصعود عائدات السندات، سيمران دون إشعال المخاوف بشأن بعض المنتجات الأكثر خطورة التى تبنتها بالفعل بعض المجالات فى القطاع غير المصرفى.

وعلى الجانب الآخر من الأطلنطى، رحب المجلس الحاكم فى البنك المركزى الأوروبى، مثله فى ذلك مثل لجنة السوق المفتوح الفيدرالية، بتحسن الآفاق الاقتصادية خلال مناقشاته السياسية الشهر الماضى.

وقيم البنك، التوسع الاقتصادى على أنه «قوى وواسع النطاق».

ومثل الولايات المتحدة، يدفع الاستهلاك الخاص واستثمار الشركات النمو الأوروبى، ومع ذلك يختلف تقييم المركزى الأوروبى للمخاطر عن تقييم «الفيدرالى» فى جانبين هامين.. الأول أن «المركزى الأوروبى» يبدو أقل قلقا بشأن أسعار الأصول المرتفعة، وهو ما يشير إلى أنه لم يتخط مبدأ أن «الأدوات السياسية الاحترازية الكلية ينظر إليها على أنها خط الدفاع الأول فى مواجهة المخاطر المالية المحتملة».

والاختلاف الثانى والأكبر، هو حجم النقاش والمساحة المخصصة فى تفاصيل المحاضر للتحركات الأخيرة فى أسعار الصرف الأحنبى، والتى تمثل بالنسبة للمركزى الأوروبى «مصدرا لعدم اليقين الذى ينبغى مراقبته مع الأخذ فى الاعتبار تداعيتها على آفاق النمو على المدى المتوسط».

وبصيغة واضحة غير معتادة، أشار الفيدرالى إلى ارتفاع اليورو أمام الدولار، وانتقد الولايات المتحدة من خلال التأكيد على سياسة أسعار الصرف فى مجموعة السبعة ومجموعة العشرين والتى تنص على الالتزام بأسعار الصرف التى تحددها الأسواق، والامتناع عن أى استهداف لها لأغراض تنافسية.

وفى سياق ارتفاع قيمة اليورو التى تهدد بتعقيد التقدم تجاه تحقيق مستوى التضخم المستهدف، بالإضافة إلى تشكيله رياحا معاكسة للنمو، أشار البنك المركزى إلى ما وصفه بعوارض «البطاطا الساخنة»، وهى أنه لا توجد أى دولة أو منطقة تمر بآليات نمو قوية بما يكفى وممتدة على المدى المتوسط بما يسمح باستيعابها الارتفاع المستمر فى عملاتها..

وتقود كل هذه العوامل إلى مخاطرة سياسية عالمية أخرى، والتى يبدو أنها لا تجذب انتباها كافيا حتى الآن، وهى تزايد احتمالية تقليص العديد من البنوك المركزية المحفزات النقدية فى نفس الوقت فى الأرباع المقبلة.

والأمر لا يتعلق فقط بشعور الفيدرالي، على نحو صحيح، بثقة أكبر بشأن رفعه لأسعار الفائدة الأساسية ثلاث مرات فى 2018، ولا بشأن دراسة المركزى الأوروبى للتخلص من المحفزات النقدية بوتيرة أسرع من تلك المتوقعة منذ أشهر قليلة، وإنما أيضا ستركز المناقشات السياسية فى البنوك المركزية الأخرى، ومنها المركزى اليابانى والصينى، على تقليص قدر كبير من المحفزات النقدية.

وبقدر ما سيكون التحول الجماعى فى السياسة النقدية متزامنا وليس متلاحقا، يبقى أن نرى كيف سيستجيب النظام المالى العالمى ككل بعد سنوات من اعتياده على قمع البنوك المركزية للتقلبات من خلال استخدام أدوات غير تقليدية.

 

بقلم / محمد العريان

رئيس المستشارين فى مجموعة أليانز العالمية

 

الأكثر مشاهدة

كرة القدم أرادت أن “تحيا الجزائر”

12 محاولة قامت بها السنغال على مرمى رايس مبولحي حارس...

لماذا لا تستطيع الصين تعزيز نموها الاقتصادى؟

تظهر أرقام الناتج المحلى الإجمالى الجديدة فى الصين، أن ثانى...