مقالات

تقييم سهم «أرامكو» ليس كإدارة إنتاج البترول

يحصل ولى العهد محمد بن سلمان عادة على ما يريد، لذا كان المزاج يوم السبت الماضى فاتراً عندما رفضت مجموعة من البنوك الاستثمارية تلبية رغباته، حيث كان يريد طرح أولى للجمهور يضع تقييم «أرامكو»، أكبر شركة بترول فى العالم، عند 2 تريليون دولار، ولكنهم اعترضوا.
ولا يزال الأمير يدير الدولة، لذا استجاب ياسر الرميان، رئيس مجلس إدارة «أرامكو»، ومدير صندوق الثروة السيادى للمملكة، من خلال تأجيل خطط الطرح العالمى لصالح طرح محلى، وسوف يتم تقييم «أرامكو» على الأرجح عند 1.7 تريليون دولار، ولكن تبددت رؤية الأمير للطرح باعتباره رمزاً لانفتاح المملكة على العالم.
وتعد هذه اللحظة ذات مدلولات ليس فقط للسعودية وولى عهدها وإنما للمستثمرين، فبعد إجهاض الطرح العام لشركة «وى وورك» لتأجير مساحات العمل المشتركة، كانت «أرامكو» مثالاً آخر على رفض المساهمين قبول التقييمات العالية للمالكين، وتمتعت الشركات بإقبال جيد وتسابقت البورصات على إدراج أسهمهم واكتسبوا أسعار جيدة من المؤسسات الاستثمارية فى البداية ولكن المزاج قد تغير.
ولا يزال المصرفيون الذين رفضوا تقديرات الأمير لتقييمات «أرامكو» معجبون بالمهارات الإدارية للشركة التى تم تأسيسها فى 1933 كتابعة لشركة «ستاندرد آند أويل» فى كاليفورنيا، وعندما تعطل الإنتاج بسبب هجمات طائرات بدون طيار فى سبتمبر، تمكنت الشركة من استعادة عملياتها سريعاً.
ولكن هناك ارتباط بين «أرامكو» و«وى وورك» يجرى فى فناء ولى العهد الخلفى، فصندوق الاستثمارات العامة السعودى، الصندوق السيادى للمملكة، استثمر 45 مليار دولار فى صندوق «فيجن» التابع لـ«سوفت بنك» فى 2016، ودعم صندوق «فيجن» بدوره «وى وورك»، ومؤسسها، آدم نيومان، ثم أُجبر «سوفت بنك» على تنظيم حزمة إنقاذ بقيمة 9.5 مليار دولار لـ«وى وورك» بعد فشل طرحها.
وتم توجيه موارد المملكة إلى مجموعات تكنولوجية كبيرة أخرى، فالرميان، الذى وكله ولى العهد كمسئول عن طرح «أرامكو» فى سبتمبر الماضى، هو مدير فى كلٍ من «سوفت بنك» و«أوبر» التى يدعمها «سوفت بنك»، وبالتالى فقد تحمل الصندوق السيادى مخاطر أكبر من هيئة النقد السعودى «البنك المركزى».
وكانت النية وراء هذه الاستثمارات هى تحقيق رؤية الأمير فى 2030 وتقليل اعتماد المملكة على قطاع واحد أو شركة واحدة فى الواقع وأيضاً تنويع الاقتصاد، وفى مرحلة من المراحل، كان من المتوقع أن يجمع الطرح 100 مليار دولار، بدلاً من الـ25 مليار دولار التى على الأرجح سيولدها الإدراج المحلى فى بورصة «تداول»، كما أن بيع %1.5 فقط الشركة هو بمثابة نشاط محلى للتسلية، وليس ثورة عالمية.
ويمكن مسامحة ولى العهد والرميان على اعتقادهم بأن الجميع يجب أن يطيعهم، فالأمير من عائلة ملكية، أما الرميان فلديه مليارات لاستثماراها، وهى مرتبة مالية أقرب للملكية، وتبنى هو وماسايوشى سون، مؤسس بنك «سوفت بنك»، وجهة نظر «موجة الأموال» فى الاستثمار، وهى إذا كنت تقود الطريق بالمليارات، فإن الآخرين مجبرين على مسايرتك.
ورغم إلغاء العروض الترويجية للمستثمرين فى الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا من أجل الطرح، فقد يحدث بالأخير الطرح العالمى، وهذا هو أمل البنوك التى سخرت مواردها للضغط من أجل الحصول على أدوار مربحة فى الطرح، وأقرضت صندوق الثروة السيادى 11 مليار دولار لملء الفجوة التى خلفها التراجع عن الطرح العالمى، وإذا كان إدراج الشركة ناجحاً فى السعودية، فسوف يليه طرح دولى.
وهذا يتطلب أن تعمل بورصة «تداول» بشفافية وأن تسعر سهم «أرامكو» بطريقة يثق بها المستثمرون الأجانب، ولكن اكتشاف السعر المناسب ليس كاكتشاف البترول، لا يمكن هندسته من قبل الحكومات، وتم احتجاز أعضاء من العائلة الحاكمة فى المملكة بفندق ريتز كارلتون بالرياض فى 2017 خلال حملة مكافحة فساد مزعومة، وقيل لبعضهم فيما بعد إنه من واجبهم شراء أسهم فى الطرح.
وكان الوعد الرئيسى وراء طرح «أرامكو» السعودية ليس فقط أنه سوف يطلق الشركة الأكثر قيمة فى العالم، وإنما سيجعل المملكة أكثر ليبرالية وشفافية، وكانت الملصقات المستخدمة فى زيارات ولى العهد الدولية يكتب عليها «إنه يفتح السعودية على العالم» ولكن تبين أن الأمر ليس كذلك فى الحقيقة.

بقلم: جون جابر
كبير المعلقين التجاريين فى “فاينانشيال تايمز”

منطقة إعلانية

منطقة إعلانية

الأكثر مشاهدة

ارتفاع مستويات اقتراض الدول اﻷفريقية يقلق «صندوق النقد»

شجعت الأسعار القياسية للسلع الأساسية وأسعار الفائدة العالمية المنخفضة، الدول...

مخاطر «الهاكرز» والغرامات الكبيرة تنعش التأمين السيبرانى

يمكن أن يكون انتهاك البيانات أمراً مكلفاً للغاية بالنسبة للشركات،...