رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
أخبار

من “الأحلام المطلقة” إلى “الواقعية الصلبة”.. السعودية تعيد رسم خريطة تريليونات الرؤية

السعودية

في أروقة دافوس الباردة الأسبوع الماضي، لم يكن وزير المالية السعودي محمد الجدعان يتحدث بلغة الأرقام المجردة فحسب، بل كان يصوغ شعاراً جديداً للمرحلة المقبلة من الاقتصاد السعودي عبارة “الأثر الأمثل بالتكلفة المناسبة” لم تكن مجرد تصريح عابر، بل كانت إعلان تدشين لحقبة “الواقعية الاقتصادية” التي بدأت تفرض سطوتها على أضخم ورشة بناء عرفها التاريخ الحديث.

اليوم، وفي أول شهور عام 2026، يبدو أن المملكة قد قررت الضغط على مكابح الطموح الجامح قليلاً، ليس للتوقف، بل لإعادة ضبط المسار. القصة لم تعد تتعلق بـ “ماذا يمكننا أن نبني؟” بل “ما الذي يجب أن نبنيه الآن؟”.

بداية “الحساب” للمشاريع الكبرى

بعد أشهر من التلميحات الخجولة، بدأت الجرافات والقرارات الإدارية تتحرك بتناغم جديد يعكس توجهاً صارماً نحو التقشف الذكي. التقرير الأخير الذي نشرته “بلومبرج” يكشف الستار عن مراجعات شاملة تجري خلف الكواليس لأيقونات “رؤية 2030”: نيوم، المربع الجديد، ومشاريع جدة العملاقة.

البداية كانت من الحدث الذي أثار جدلاً لوجستياً واسعاً: دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029. حلم التزلج على الجليد في قلب الصحراء السعودية اصطدم بصخرة الواقع المتمثلة في التكاليف الباهظة والتحديات الهندسية المعقدة، مما أدى إلى قرارات بتأجيلات جوهرية.

لكن الأمر لم يتوقف عند الرياضة. ففي نيوم، “جوهرة التاج” للمشاريع السعودية، يخضع مشروع “ذا لاين” (The Line) لمراجعة دقيقة. التصور الأولي لمدينة خطية تمتد لـ 170 كيلومتراً بأسطح عاكسة، والذي كان يشمل ملعباً معلقاً لكأس العالم على ارتفاع 350 متراً، يواجه الآن مشرط التعديل. المعلومات تشير إلى أن النتيجة النهائية ستكون

مشروعاً أصغر حجماً وأكثر قابلية للتنفيذ، وربما بدون الملعب المعلق الذي كان ضرباً من الخيال الهندسي.

الرياض وجدة.. ومقصلة الأولويات

في العاصمة الرياض، التي تستعد لتكون واجهة العالم في إكسبو 2030، لم يسلم مشروع “المكعب” في “المربع الجديد” من إعادة التقييم. المبنى الذي صُمم ليتسع لـ 20 مبنى بحجم “إمباير ستيت”، يواجه تساؤلات حول جدواه الفورية. المطورون طُلب منهم تقديم خطط “واقعية” لما يمكن إنجازه في السنوات القليلة المقبلة، مع احتمالية التخلي عن بناء ملعب جديد مخصص لكأس العالم 2034 ضمن المشروع، والاكتفاء بما هو ضروري ومجدي تجارياً.

الحال نفسه ينطبق على جدة، حيث تخضع مشاريع مثل “ساحل القدية” لمراجعات قد تطيح بخطط بناء ملاعب جديدة، في حين يبدو أن “ملعب الأمير محمد بن سلمان” في القدية بالرياض هو الناجي الوحيد الذي يمضي قدماً، بصفته ركيزة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.

لماذا الآن؟

لم تأتِ هذه القرارات من فراغ، فالمشهد الاقتصادي في 2026 يختلف جذرياً عما كان عليه لحظة إطلاق الرؤية في 2016، هناك ثلاثة محركات رئيسية فرضت هذه “الواقعية الجديدة”:

1. أسواق النفط المتقلبة: مع بقاء أسعار النفط عند مستويات لا تمنح رفاهية الإنفاق المفتوح، أصبحت الميزانية السعودية بحاجة لترشيد صارم يوجه كل دولار نحو المشاريع ذات العائد الاستثماري الواضح.

2. بيئة الإقراض العالمية: ارتفاع تكاليف التمويل عالمياً جعل الاقتراض لتمويل مشاريع طويلة الأجل أمراً مكلفاً، مما دفع صندوق الاستثمارات العامة (PIF) للبحث عن بدائل تمويلية أكثر استدامة.

3. مخاطر “الإنهاك الاقتصادي”: كما أشار صندوق النقد الدولي في ديسمبر الماضي، فإن ضخ تريليونات الدولارات دفعة واحدة في الاقتصاد المحلي يهدد بظاهرة “الإحماء” (Overheating)، حيث ترتفع الأسعار وتتعطل سلاسل الإمداد. لذا، فإن التباطؤ المدروس يعتبر “صمام أمان” للاقتصاد الكلي.

استراتيجية “المواعيد الثابتة”

في غرفة العمليات الحكومية، هناك قاعدة جديدة تحكم الإنفاق: “هل هذا المشروع مرتبط بموعد نهائي غير قابل للتغيير؟”.

المشاريع المرتبطة بـ “إكسبو 2030″ و”كأس العالم 2034” تحظى بالأولوية القصوى، ولكن حتى هذه المشاريع لم تسلم من الترشيد. السؤال الذي يطرحه المسؤولون الآن بجرأة: “هل نحتاج حقاً لبناء 8 ملاعب جديدة من الصفر؟”.

الإجابة التي تلوح في الأفق هي “لا”. التوجه الجديد يميل نحو تجديد الملاعب القائمة، وهو نهج اتبعته دول كبرى مثل روسيا في 2018 وقطر في 2022، لضمان عدم إهدار الموارد على منشآت قد تتحول إلى “أفيال بيضاء” مهجورة بعد انتهاء البطولات.

دور القطاع الخاص.. الشريك المنقذ

أمام هذا المشهد، يعيد صندوق الاستثمارات العامة (PIF) تشكيل دوره. لم يعد الصندوق يرغب في أن يكون “الممول الوحيد” للحلم. هناك تحرك مكثف لمغازلة العائلات التجارية الكبرى في المملكة والقطاع الخاص لتحمل جزء من العبء.

الحكومة تفتح الأبواب على مصراعيها: إصلاحات في السوق العقارية، وتسهيلات في أسواق المال لجذب المستثمرين الأجانب. ويبدو أن هذه الاستراتيجية تؤتي ثمارها، حيث سجل مؤشر الأسهم السعودي ارتفاعاً بنسبة 9% منذ بداية 2026، معوضاً الأداء الباهت لعام 2025. الرسالة واضحة: المشاريع التي تجذب “الكاش” الأجنبي وشراكات القطاع الخاص (مثل الذكاء الاصطناعي، السياحة، والتمويل) ستبقى وتتوسع، أما المشاريع التي تعتمد كلياً على الإنفاق الحكومي دون عائد قريب، فستوضع في الثلاجة.

شهادات الثقة الدولية

المثير للاهتمام أن هذا التراجع عن بعض الطموحات لم يُقابل بخيبة أمل دولية، بل بترحيب من المؤسسات المالية الكبرى. المحللون في “جولدمان ساكس” و”بنك أوف أمريكا” و”أكسفورد إيكونوميكس” أجمعوا على أن ما يحدث هو علامة “نضج”.

رزان ناصر، محللة الديون السيادية في “تي رو برايس”، وصفت التغييرات بأنها “تأكيد مرحب به”، مشيرة إلى أن الخطط الأصلية وضعت في زمن كانت فيه الظروف مختلفة تماماً (فائدة صفرية ونفط مرتفع). وتضيف: “الواقعية أمر ضروري”.

تصحيح مسار أم تراجع؟

ما يحدث في السعودية اليوم ليس إلغاءً للحلم، بل هو تهذيب له. إنه الانتقال من مرحلة “العصف الذهني” الوطني، حيث كل شيء ممكن، إلى مرحلة “دراسة الجدوى” الصارمة.

قد تختفي بعض المكعبات العملاقة، وقد تقصر المسافات في المدن المليونية، وقد لا نرى التزلج على رمال الصحراء قريباً، لكن ما سيتبقى هو اقتصاد أكثر متانة، ومشاريع ذات جدوى حقيقية تخدم الأهداف الوطنية وتخلق وظائف فعلية، بعيداً عن بريق التصاميم الهندسية التي قد لا ترى النور.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

مصر تدرس تطبيق التجربة التركية في إنشاء المدن الطبية

ناقشت مصر وتركيا فرص الشراكة في مجال إنشاء المدن الطبية...

منطقة إعلانية