تتجه الحكومة المصرية إلى إسناد إدارة وتشغيل عدد كبير من المشروعات الصحية للقطاع الخاص، في خطوة تمثل تحولاً واضحاً في فلسفة إدارة المنظومة الصحية. وتشمل القائمة مستشفيات كبرى مثل مستشفى الشيخ زايد التخصصي ومستشفى العلمين الجديدة ومستشفى الجلالة الذي يجري تحويله إلى منتجع سياحي علاجي، إضافة إلى مستشفى العجوزة المطل على النيل، إلى جانب مشروعات موزعة على عدد من المحافظات.
هذا التوجه يعكس انتقالاً تدريجياً من نموذج يعتمد على قيام الدولة بالإنشاء والإدارة معاً، إلى نموذج تفصل فيه بين الملكية والإدارة، فتبقى الأصول في حوزة الدولة بينما تتولى جهات خاصة التشغيل والتطوير. ويأتي ذلك في ظل ارتفاع ملحوظ في مخصصات الصحة خلال السنوات الأخيرة، مقابل استمرار ضغط خدمة الدين العام على الموازنة، وهو ما يدفع صانع القرار إلى البحث عن أدوات تمويل وتشغيل بديلة لا تضيف أعباء جديدة.
التحول السريع في عدد المشروعات المطروحة يعكس إرادة سياسية واضحة لتغيير قواعد اللعبة، لكنه يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول جاهزية البيئة التنظيمية. فالشراكة في قطاع حساس كالصحة لا تختزل في توقيع عقود، بل تتطلب إطاراً قانونياً دقيقاً يحدد المسؤوليات، ويضمن حقوق المرضى، ويضع معايير صارمة للجودة، إلى جانب أجهزة رقابية قادرة على المتابعة والمساءلة. كما تظل مسألة قدرة القطاع الخاص المحلي على استيعاب هذا الحجم من المشروعات في فترة زمنية قصيرة محل اختبار حقيقي.
من الناحية الاقتصادية، يبرز تنوع آليات الطرح بين حق الانتفاع والبيع كإشارة إلى مرونة في التفكير. حق الانتفاع يسمح للدولة بالاحتفاظ بملكية الأصول الاستراتيجية مع منح حرية الإدارة لفترة محددة، بينما يوفر البيع سيولة فورية لكنه يخرج الأصل من حيازة الدولة على المدى الطويل. القرار بين الخيارين لا ينبغي أن يكون مالياً فقط، بل استراتيجياً يرتبط بطبيعة كل أصل وأهميته الخدمية والمجتمعية.
زيادة الإنفاق الصحي خلال الأعوام الماضية تبدو إيجابية في ظاهرها، لكنها لا تعني تلقائياً تحسناً متناسباً في جودة الخدمة. جزء معتبر من الموارد يذهب لتغطية التزامات مالية قائمة، ما يقلص المساحة المتاحة للتطوير الفعلي. هنا يظهر المنطق الاقتصادي للتحول: بدلاً من الاقتراض لتمويل منشآت جديدة، يتم استقطاب استثمارات خاصة لتحسين الأصول القائمة ورفع كفاءتها التشغيلية.
أحد أبرز أبعاد هذا التحول يتمثل في الرهان على السياحة العلاجية. تحويل مستشفى الجلالة إلى منتجع سياحي علاجي يشير إلى رؤية تتجاوز السوق المحلي. فمصر تمتلك موقعاً جغرافياً متميزاً، وكوادر طبية ذات خبرة، وتكلفة علاج تنافسية مقارنة بعدد من الدول الإقليمية. إذا أُدير الملف باحتراف، يمكن أن يتحول إلى مصدر مهم للعملة الصعبة، وأن يسهم في رفع مستوى الخدمات لمعايير دولية، بما ينعكس إيجاباً على المواطن المحلي أيضاً.
الحوافز المطروحة لجذب المستثمرين تبدو موجهة نحو استقطاب استثمارات نوعية، لا مجرد رؤوس أموال قصيرة الأجل. الربط بين الحوافز وحجم التمويل، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص العمل، وتحقيق الاستدامة، يعكس رغبة في توجيه الاستثمار نحو تعميق الصناعة الصحية محلياً وتقليل فجوات التكنولوجيا. غير أن نجاح هذا التوجه يتوقف على وضوح المعايير وشفافية التقييم.
كما أن تسريع الإجراءات عبر ما يُعرف بالرخصة الذهبية يحمل في طياته جانبين متناقضين. فمن جهة، يسهم في تقليل البيروقراطية ويبعث برسالة إيجابية للمستثمرين. ومن جهة أخرى، يفرض تحدياً يتعلق بالحفاظ على المعايير الفنية والبيئية وعدم التضحية بالجودة مقابل السرعة. التوازن هنا دقيق، ويتطلب مؤسسات رقابية قوية لا تقل كفاءة عن الكيانات الاستثمارية نفسها.
على المدى القريب، من المتوقع أن يشهد القطاع الصحي تدفقات استثمارية موجهة لتجديد مستشفيات قائمة وتحسين بنيتها التحتية، مع تحسن نسبي في جودة بعض الخدمات. وعلى المدى المتوسط، قد تظهر كيانات متخصصة في إدارة المستشفيات، ويتحول التركيز من البناء إلى تحسين التشغيل والكفاءة. أما على المدى الأطول، فقد نشهد إعادة صياغة شاملة لدور الدولة في الصحة، بحيث تتحول من مقدم مباشر للخدمة إلى منظم ومراقب يضع القواعد ويضمن العدالة في الإتاحة.
ورغم الفرص الواعدة، تظل هناك تحديات حقيقية. قدرة القطاع الخاص على التوسع دون إرهاق مالي، وضبط تسعير الخدمات بما لا يرهق المرضى، وحماية حقوق العاملين في المؤسسات المنقولة، والحفاظ على الجودة بعد انتهاء فترات الحوافز، كلها ملفات تحتاج إلى إدارة دقيقة.
ما يحدث اليوم ليس خصخصة تقليدية بقدر ما هو إعادة تعريف لدور الدولة في قطاع حيوي. الدولة تحتفظ بالأصول، لكنها تسعى إلى الاستفادة من كفاءة الإدارة الخاصة. الرهان الاقتصادي يقوم على أن تحسين التشغيل يمكن أن يتحقق دون زيادة الدين العام، وأن الجودة يمكن أن ترتفع إذا اقترنت الحوافز برقابة فعالة.
يبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل ستظل الصحة حقاً مضموناً، أم تتحول تدريجياً إلى خدمة تحكمها اعتبارات السوق؟ الإجابة لن تحددها العقود ولا الأرقام، بل ستحددها قوة الإطار التنظيمي، ودرجة الشفافية، وقدرة الدولة على حماية البعد الاجتماعي للمنظومة. إنها لحظة مفصلية في تاريخ القطاع الصحي المصري، ونجاحها سيُقاس بمدى تحسن الخدمة للمواطن العادي، لا بحجم الاستثمارات المعلنة.
نظرًا لأهمية القرار وتشعب تأثيراته، سنخصص مقالًا مستقلًا لتحليل انعكاساته التفصيلية على المستويات الثلاث لمقدمي الخدمة الطبية (الكبير، المتوسط، والصغير)، وكذلك على فئات المستثمرين المحليين والأجانب، إضافة إلى تأثيره المتوقع على صناديق الاستثمار ودورها في تشكيل المرحلة الجديدة من تشغيل الأصول الصحية في مصر.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا
