يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطر الوقوع في أزمة جيوسياسية واقتصادية قد تشبه إلى حد بعيد ما عُرف تاريخيًا بـ أزمة السويس عام 1956، إذا استمر الصراع الحالي مع إيران خلال الأسابيع المقبلة، وفق تحليل نشرته صحيفة ديلي تلجراف البريطانية.
يحذر التحليل من أن واشنطن قد تجد نفسها في مواجهة تداعيات اقتصادية عالمية لم تكن مستعدة لها، خصوصًا مع استمرار إغلاق مضيق هرمز واضطراب إمدادات الطاقة العالمية.
شبح أزمة السويس يعود إلى الواجهة
يستحضر التحليل تجربة أزمة السويس عام 1956، حين تعرضت بريطانيا وفرنسا لواحدة من أسوأ الهزائم السياسية في تاريخهما الحديث رغم تفوقهما العسكري، بعد فشلهما في تقدير التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية للأزمة.
فقد أدى التدخل العسكري حينها إلى هروب رؤوس الأموال وتعرض العملات لضغوط حادة، كما كشف عن تراجع النفوذ الإمبراطوري الأوروبي في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.
يرى الكاتب أن إدارة ترامب قد تكون بصدد تكرار الخطأ ذاته إذا استمر الصراع مع إيران دون خطة واضحة لإدارة تداعياته الاقتصادية العالمية.
صدمة في أسواق الطاقة
تشير تقديرات بنك سوسيتيه جنرال إلى أن الحرب أدت بالفعل إلى تعطّل نحو 17 مليون برميل يوميًا من إمدادات النفط العالمية، أي ما يعادل سدس الاستهلاك العالمي.
كما بدأت تداعيات الأزمة تتسع في أسواق الطاقة مع توقف الإنتاج في عدة دول بالمنطقة:
•العراق خفض إنتاجه بنحو 3 ملايين برميل يوميًا بسبب امتلاء مرافق التخزين
•الكويت بدأت اتخاذ إجراءات مماثلة
•أبوظبي يُتوقع أن تقلص الإنتاج خلال أيام
•السعودية أغلقت عدة حقول نفطية بعد هجمات بطائرات مسيرة
تشير بيانات شركة أرجوس إلى أن نحو 7 ملايين برميل يوميًا من الإنتاج توقفت بالفعل في أنحاء المنطقة.
في هذا السياق، حذر محللون من أن إعادة تشغيل حقول النفط العملاقة بعد توقف طويل قد تكون عملية تقنية معقدة للغاية.
قال جيم بوركهارد، كبير محللي النفط في مؤسسة إس آند بي غلوبال إنرجي، إن استمرار توقف الإنتاج لأكثر من شهر قد يؤدي إلى أضرار دائمة في ضغط الآبار وخطوط التدفق.
احتمال وصول النفط إلى 200 دولار
يرى خبراء الطاقة في شركة وود ماكنزي أن سيناريو وصول أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل خلال عام 2026 لم يعد مستبعدًا إذا استمر الصراع.
كما قد تشهد أسواق الغاز الطبيعي المسال صدمة مماثلة.
فقد توقعت تقديرات بنك سوسيتيه جنرال أن تصل أسعار الغاز في أوروبا إلى نحو 200 يورو لكل ميغاواط ساعة بحلول سبتمبر، مقارنة بنحو 26 يورو فقط قبل أسابيع.
إغلاق مضيق هرمز يربك التجارة العالمية
يمثل إغلاق مضيق هرمز نقطة تحول خطيرة في الأزمة، إذ يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط العالمية.
قال الشيخ نواف الصباح، الرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية، إن شركات الشحن لن تخاطر بعبور الخليج دون ضمانات أمنية واضحة.
وأضاف أن الملاحة عبر المضيق استمرت لأكثر من 80 عامًا دون توقف، لكن المنطقة “دخلت الآن عصرًا جديدًا من الجغرافيا السياسية”.
نقص القدرة العسكرية لتأمين الملاحة
تواجه الولايات المتحدة تحديًا عسكريًا أيضًا في تأمين خطوط الملاحة.
وفق التحليل، تمتلك واشنطن حاليًا 12 سفينة حربية فقط في الخليج، في حين يتطلب تأمين حركة ناقلات النفط ما لا يقل عن 20 سفينة حربية إضافة إلى كاسحات ألغام أوروبية.
ويرى الكاتب أن هذه الأزمة كشفت حقيقة مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك القدرة العسكرية الكاملة لفرض السيطرة على عدة مناطق استراتيجية في العالم في الوقت نفسه.
دخول الصين على خط الأزمة
من التطورات اللافتة إرسال الصين سفينة الاستخبارات الإلكترونية المتطورة لياووانغ-1 إلى المنطقة برفقة مدمرات حربية.
وفق تقارير عسكرية، تمتلك السفينة أنظمة استشعار متقدمة قادرة على جمع بيانات فورية عن تحركات الطائرات والسفن في ساحة المعركة، ما قد يمنح إيران أفضلية تكتيكية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
الولايات المتحدة ليست محصنة
رغم تأكيد ترامب أن الولايات المتحدة أصبحت قوة كبرى في إنتاج الطاقة، فإن الخبراء يشيرون إلى أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال معرضًا بشدة لصدمات أسعار النفط.
فالنفط سلعة عالمية موحدة السعر، ما يعني أن ارتفاع الأسعار عالميًا سينعكس مباشرة على الاقتصاد الأمريكي.
كما لا تزال الولايات المتحدة تستورد نحو 9 ملايين برميل يوميًا من النفط الثقيل أو المنتجات النفطية لتعويض الفارق بين أنواع النفط التي تنتجها والمستخدمة في مصافيها.
وقد بدأت بالفعل مؤشرات الأزمة تظهر في الأسواق الأمريكية:
•ارتفاع سعر البنزين من 2.90 دولار إلى 3.50 دولار للجالون
•وصول سعر الديزل إلى نحو 4.60 دولار
•ارتفاع كبير في أسعار وقود الطائرات
تهديد سياسي مباشر لترامب
يرى التحليل أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يفرض ضغوطًا اقتصادية هائلة على الولايات المتحدة، خاصة في ظل اقتصاد يعاني بالفعل من تفاوت كبير في الداخل وضغوط معيشية على الطبقات المتوسطة.
ويحذر الكاتب من أن وصول أسعار النفط إلى 150 دولارًا للبرميل قد يضعف القاعدة الانتخابية لترامب، بينما قد يؤدي تجاوز 200 دولار إلى أزمة سياسية تهدد مستقبله في البيت الأبيض.
عالم أكثر اعتمادًا على الخليج
يشير التحليل أيضًا إلى أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر اعتمادًا على الخليج مقارنة بعقود سابقة.
فإلى جانب النفط والغاز، أصبحت المنطقة مصدرًا رئيسيًا لعدة مواد أساسية للاقتصاد العالمي، منها:
•نحو 30% من إنتاج اليوريا عالميًا
•20% من الأسمدة المستخدمة في الزراعة الأمريكية
•ثُمن إنتاج البولي بروبيلين والإيثيلين عالميًا
•نحو عُشر إنتاج الألومنيوم في العالم
ما يعني أن أي اضطراب طويل في المنطقة قد يؤدي إلى صدمة واسعة في سلاسل الإمداد العالمية، شبيهة بتلك التي شهدها العالم خلال جائحة كورونا.
رهان على نهاية سريعة للحرب
تتوقع الأسواق أن يسعى ترامب إلى إعلان النصر سريعًا لتجنب تفاقم أزمة الطاقة العالمية.
لكن الحرس الثوري الإيراني أكد في بيان حديث أن طهران هي من سيحدد نهاية الحرب، ما يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق.
في ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيتراجع ترامب لتجنب أزمة اقتصادية عالمية، أم سيدفعه منطق التصعيد إلى إطالة أمد الصراع؟
الإجابة قد تحدد ليس فقط مستقبل هذه الحرب، بل أيضًا مستقبل الاقتصاد العالمي.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا