رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
أخبار

رسوم البليت.. رحلة 7 سنوات غيّرت ملامح صناعة الصلب في مصر

مصانع درفلة

أعادت الحكومة المصرية فتح ملف رسوم الحماية ضد واردات خام البليت، في خطوة تعكس محاولة جديدة لضبط إيقاع سوق الحديد محليًا، لكنها في الوقت نفسه تعيد إحياء جدل قديم لم يُحسم منذ سنوات حول جدوى هذه الرسوم للصناعة المحلية.

خام البليت هو منتج معدني نصف نهائي يُستخدم كأساس في صناعة الحديد، خاصة في تصنيع حديد التسليح المستخدم على نطاق واسع في مشروعات البناء.

بعد تجربة أولى امتدت بين 2017 و2021 وتركت آثارًا متباينة على هيكل الصناعة، تعود الرسوم الوقائية اليوم بصيغة متناقصة حتى 2028، مدفوعة بضغوط المصانع المتكاملة – التي تنتج البليت – الساعية لحماية إنتاجها المحلي، في مقابل مخاوف متصاعدة لدى مصانع الدرفلة التي تعتمد كليًا على استيراد البليت.

القرار الجديد لا يأتي في فراغ بل يتقاطع مع متغيرات أكثر تعقيدًا، تشمل اختلالات سابقة في السوق ومحاولات تقنين إنتاج غير رسمي، إلى جانب ضغوط تكلفة مستجدة على رأسها ارتفاع أسعار الغاز وسعر الصرف.

بينما تراهن الحكومة على تقليل فاتورة الواردات وتعزيز الإنتاج المحلي، تظل التساؤلات قائمة حول كلفة هذه السياسات على المنافسة، ومدى قدرتها على تحقيق توازن مستدام داخل واحدة من أكثر الصناعات الاستراتيجية حساسية في الاقتصاد المصري.

حماية للصناعة أم إعادة إنتاج الأزمة؟

ظهرت الرسوم الوقائية الحكومية على واردات مصر من البليت للمرة الأولى في عام 2017، عندما طبقتها وزارة الصناعة – المسؤولة عن ملف مكافحة الدعم والإغراق وقتها – لمدة 3 سنوات متناقصة، بدأت بـ13% على سعر الطن المستورد، وانتهت بـ10%، قبل أن تتوقف في نوفمبر 2021 لمدة أربع سنوات كاملة.

في سبتمبر الماضي، أعادت الحكومة العمل بالرسوم الوقائية مرة أخرى بنسبة 16.5%، وبصورة مؤقتة لمدة 200 يوم، وذلك لحين الانتهاء من تحقيقات الإغراق التي تقدمت بها 3 شركات من الدورة المتكاملة، شكت فيها من عدم قدرتها على المنافسة أمام المنتج المستورد.

بحسب حديث مصدر في قطاع الصلب مع “إيكونومي بلس”، “وزارة الاستثمار – المسؤولة حاليًا عن ملف مكافحة الدعم والإغراق – مددت العمل بالرسوم لثلاث سنوات تشمل فترة التحقيقات وبنسب متناقصة أيضًا، وفقًا لتوصية قطاع المعالجات التجارية الذي رفع تقريره الاستشاري إلى الوزير محمد فريد، وأبلغ به منظمة التجارة العالمية قبل نحو أسبوعين”.

قررت الوزارة فرض رسوم وقائية على واردات البليت بشكل تدريجي متناقص على مدار ثلاث سنوات تنتهي في 2028، على أن تكون خلال السنة الأولى (من 2 أبريل 2026 إلى 13 سبتمبر 2026) بنسبة 13.12%، بحد أدنى 70 دولارًا للطن.

وفي السنة الثانية (من 14 سبتمبر 2026 إلى 13 سبتمبر 2027) تنخفض الرسوم إلى 12%، بحد أدنى 64 دولارًا للطن، لتصل في السنة الثالثة (من 14 سبتمبر 2027 إلى 13 سبتمبر 2028) إلى 11%، بحد أدنى 59 دولارًا للطن.

الرابحون والخاسرون

تمثل عودة الرسوم الحمائية تجربة مثيرة للجدل في صناعة الحديد والصلب المصرية، خاصة أن جزءًا من الصناعة لا يزال يعتمد على الاستيراد بشكل شبه كامل.

يعمل في مصر نحو 27 مصنع حديد وصلب، منها 3 مصانع تعمل بنظام الدورة المتكاملة، ومصنعان بنظام الدورة نصف المتكاملة، بينما تعتمد بقية المصانع على البليت المستورد، بحصة سوقية تتراوح بين 15% و20% كحد أقصى.

المصانع المتكاملة ونصف المتكاملة ستكون أبرز المستفيدين من الرسوم الجديدة، نظرًا لقيامها بتصنيع البليت.

تنتج مصر نحو 10 ملايين طن سنويًا من البليت (المرخص) عبر 5 مصانع، ومن المتوقع أن ترتفع هذه الكميات إلى 13 مليون طن مع إضافة طاقات إنتاجية جديدة.

لكن الاستهلاك المحلي الفعلي يقل عن هذه المستويات، ويبلغ نحو 7 ملايين طن سنويًا في المتوسط.

في المقابل، ستكون مصانع الدرفلة – وعددها 22 مصنعًا – الأكثر تضررًا، لاعتمادها شبه الكامل على استيراد البليت، ومن أبرزها مصانع العشري والجارحي، اللتان تستحوذان على نحو 60% من قدرات مصانع الدرفلة الصغيرة.

“استمرار الرسوم قد يُخرج مصانع الدرفلة من المنافسة، ونسعى للتواصل مع الحكومة لتخفيف آثارها”، قال رئيس شركة العشري للصلب، أيمن العشري.

وفق رئيس شركة المدينة للصلب، طارق عبد العظيم، “لابد من إلغاء رسوم الإغراق على البليت فهي تساهم في رفع الأسعار وزيادة حالة الركود”.

بين الحماية والاحتكار

تتبنى معظم دول العالم سياسات لحماية صناعاتها المحلية خاصة في قطاع الصلب، لكن التحدي يكمن في تحقيق التوازن، إذ إن خروج المصانع الصغيرة قد يؤدي إلى تركّز السوق في أيدي عدد محدود من المنتجين.

مصانع الدرفلة تمثل العدد الأكبر، لكنها لا تستحوذ سوى على نحو 20% من القدرات الإنتاجية، وهو ما يدعم وجود قدر من المنافسة، في ظل هيمنة المصانع الكبرى على تسعير السوق.

أزمة أكبر في الأفق

إلغاء الرسوم في 2021 جاء ضمن مراجعة أوسع لمعالجة التشوهات الجمركية، لكن إعادة فرضها قد تعيد نفس المشكلات.

خلال التجربة الأولى، ظهرت أفران صهر غير مرخصة لإنتاج البليت من الخردة، بمواصفات فنية ضعيفة، ما أدى إلى تشوهات في السوق.

قبل 2019، كانت مصر تستورد بين 3.5 و4 ملايين طن من البليت سنويًا، لكن الرسوم خفضت الاستيراد بشكل حاد، ومع إلغائها لاحقًا لم تعد الواردات إلى مستوياتها السابقة، ما فتح المجال للإنتاج غير الرسمي.

تقنين أوضاع الأفران المخالفة

في 2024، بدأت وزارة الصناعة خطوات لتقنين أوضاع مصانع غير مرخصة، واشترطت حدًا أدنى للإنتاج، قبل أن تخفضه لاحقًا، ما أسفر عن تقنين أوضاع نحو 16 مصنعًا فقط، رغم أن العدد الفعلي أكبر بكثير.

الغاز عقبة جديدة

مع تصاعد التوترات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، تواجه صناعة الصلب تحديًا جديدًا يتمثل في تكلفة الغاز الطبيعي.

تحتاج مصانع الدورة المتكاملة إلى نحو 13 مليون وحدة حرارية لكل طن، مقابل مليوني وحدة فقط لعمليات الدرفلة، ما يخلق فجوة في التكلفة بين المنتجين.

أي زيادة محتملة في أسعار الغاز ستنعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج وأسعار الحديد.

أسعار الحديد حاليًا

تتراوح أسعار الحديد من أرض المصنع بين 36 و37 ألف جنيه للطن في المتوسط.

تترقب الأسواق تسعير أبريل، وسط توقعات بالتثبيت أو الزيادة، في ظل ارتفاع سعر الدولار إلى نحو 55 جنيهًا، مقارنة بـ46.5 جنيه قبل التوترات الأخيرة.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

مصر تضيف 4 آبار غاز جديدة بإنتاج 120 مليون قدم مكعب يوميًا

أضافت وزارة البترول والثروة المعدنية 4 آبار جديدة لإنتاج الغاز...

منطقة إعلانية