ملفات

غاز البحر المتوسط.. فرص وتحديات عالمية وإقليمية

البحر المتوسط

منذ اكتشاف أول بئر للغاز في منطقة حوض البحر المتوسط عام 1969 في مصر، بدأت أنظار دول المنطقة تتجه إلى الحوض للبحث والتنقيب عن الغاز الطبيعي في الأعماق وعلى المستويات الضحلة، داخل نطاق حدود المياه الإقليمية الخاصة بكل دولة، الأمر الذي شكل منافسة كبيرة بين هذه الدول، من أجل الحصول على النصيب الأكبر من الغاز، وفقا لما ذكرته الشركة المصرية القابضة للغاز الطبيعي.

ومع الإعلان عن عدة اكتشافات في البحر المتوسط، بجهود ذاتية من دول المنطقة، وباحتياطات كبيرة، لم يقتصر الصراع على الدول المطلة على المتوسط الأبيض فقط، بل امتد إلى ما هو أبعد من ذلك، فدخلت في المنافسة روسيا والولايات المتحدة، فاستخدمت الأخيرة سياسة ذكية لتعزز من تواجدها في مياه البحر المتوسط، وذلك عبر نشر شركاتها العملاقة المتخصصة في أعمال الاستكشاف والتنقيب على السواحل، الأمر الذي دفع العديد من دول الحوض إلى الاستعانة بخبراتها وأدواتها المتقدمة، وهو ما نتج عنه دخول الولايات المتحدة في ميدان المنافسة بشكل رئيسي.

قلق روسي من تواجد أمريكا بالمنطقة

وذكر موقع (Geopolitical Monitor)، أن التواجد الأمريكي في المنطقة، تسبب في قلق كبير لدى المنتج الأكبر للغاز عالميا (موسكو)، فكان ولابد أن تبحث عن طريقة لتدخل بها إلى ميدان السباق، خوفا على مصالحها الاقتصادية، وسعيا إلى تعزيز نفوذها، فلجأت إلى توقيع عدة اتفاقيات مع دول الشرق الأوسط مثل مصر وإيران والعراق وغيرها من الدول، من خلال شركة (روسنفت)، وهي إحدى شركات النفط العملاقة المملوكة للحكومة الروسية.

التواجد الأمريكي – الروسي في منطقة البحر المتوسط، تسبب في خلق تحالفات وتكوين صراعات إقليمية، فكان التحالف الأبرز، الثلاثي مصر وقبرص واليونان، حيث أكد قادته في أكثر من مناسبة، مواصلتهم تعزيز مجالات التعاون المشترك، خاصة في مجال الطاقة والتنقيب عن الغاز الطبيعي في البحر المتوسط، والذي تقدر احتياطاته من الغاز بنحو 122 تريليون متر مكعب، بالإضافة إلى 107 مليارات برميل من النفط.

آمال التحالف، تصادمت بأطماع دول أخرى في المنطقة، الأمر الذي أدى إلى احتدام المنافسة والخلافات على مصادر الغاز، خاصة بين إسرائيل ولبنان، وبين مصر واليونان وتركيا.

حقل ظهر الأكبر إقليميا

في 30 من شهر أغسطس عام 2015، أعلنت شركة (إيني) الإيطالية، عن اكتشافها حقل ظهر العملاق، على بعد 190 كيلومترا من سواحل مدينة بورسعيد المصرية، وبعمق يتجاوز 4000 آلاف متر تحت سطح البحر، وتقدر احتياطات حقل ظهر بنحو 30 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، ليكون واحدا من أهم مشروعات تنمية حقول الغاز الطبيعي، وأكبر كشف غازي يقع في البحر المتوسط، وفقا لتصنيفات الشركات العالمية العاملة في المجال.

وبعد أن أوقفت مصر استيراد الغاز الطبيعي في شهر سبتمبر عام 2018، أعلن وزير البترول، طارق الملا، عن أن مصر حققت الاكتفاء الذاتي من الغاز، بعد ارتفاع إنتاج حقل ظهر بنحو ستة أضعاف.

وفي شهر يوليه الماضي، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال فعاليات المؤتمر الوطني السابع للشباب بالعاصمة الإدارية، عن اكتشاف نحو 82 اكتشافا غازيا، وهو ما يعزز من مكانة مصر على الخريطة العالمية للغاز الطبيعي.

وينافس “ظهر” عدة حقول في المنطقة منها، حقل (ليفياثان) أكبر حقل غاز في إسرائيل، حيث تقدر احتياطاته بنحو 18 تريليون قدم مكعب، وحقل (تامار) الذي تقدر احتياطاته بنحو 10 تريليون قدم مكعب، وحقل (تانين) بنحو 2.1 تريليون قدم مكعب، وكلاهما في إسرائيل، بينما تمتلك قبرص حقل (أفروديت) الذي تقدر احتياطاته بنحو 8 تريليونات قدم مكعب.

مصر مركز إقليمي للطاقة

وقالت صحيفة (enterprise)، إن الاكتشافات الغازية في مصر، عززت من دورها في أن تصبح مركزا إقليميا لتداول وتجارة الطاقة، هذا بالإضافة إلى استعادة دورها الريادي في التعاون الإقليمي والعالمي، من خلال تنفيذ مشروعها القومي عبر 3 محاور رئيسية.

وتتضمن المحاور إصدار التشريعات الداعمة للاستثمار في مجالات الغاز والبترول، والتوسع في الأنشطة الاستكشافية، وتوقيع اتفاقيات الجديدة في قطاع البحث والاستكشاف والإنتاج.

وبعد بدء إنتاج الغاز من حقل ظهر، تحولت مصر خلال عامين من بلد مستورد للغاز، إلى بلد مصدر له، حيث يزيد حجم صادراتها اليومية عن مليار قدم مكعب، ومن المتوقع ارتفاع هذه الأرقام بنهاية العام الجاري.

جميع التوقعات تشير إلى أن مصر ستطبح أحد أهم منتجي ومصدري الغاز في العالم، خلال مدة لا تتجاوز 10 أعوام، وذلك بفضل الحقول المكتشفة مؤخرا، والتي ستدعم صادرات مصر الغازية، حيث وقعت مصر اتفاقية لتصدير نحو 70 مليار مكعب من الغاز الإسرائيلي عن طريق محطاتها، كما وقعت عدة اتفاقيات مشابه مع قبرص واليونان، يضاف إلى ذلك، أن مصر تمتلك أكبر محطتين في المنطقة لتسييل الغاز وتصديره من المتوسط البيض إلى أوروبا والعالم.

سباق أمريكي روسي نحو أسواق أوروبا

أصبحت الولايات المتحدة، واحدة من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال، خاصة في ظل ما يشهده العالم من ثورة هائلة في الغاز الصخري، والتي ستلعب دورا مهما في تأمين إمدادات الطاقة لدول الاتحاد الأوروبي.

وذكرت وكالة (Reuters)، أنه في الآونة الأخيرة، بدأت الإدارة الحالية للبيت الأبيض، استخدام صادرات الطاقة الأميركية، وخاصة الغاز الطبيعي المسال، لتوسيع قاعدة عملائها في كل مكان.

وأضافت، في مطلع شهر سبتمبر الماضي، بدأت الولايات المتحدة خوض سلسلة من المفاوضات مع الدول الأوروبية، والتي تشهد حاليا وضعا اقتصاديا معقدا، بهدف إعادة تسعير الغاز الأمريكي، ليصبح أكثر تنافسية مع الغاز الروسي، الذي تعتمد عليه أوروبا، حيث توفر روسيا نحو 40% من إجمالي استهلاك الاتحاد الأوروبي، وتستخدم 11 دولة أوروبية الغاز الروسي بنسب كبيرة، من بينها ألمانيا، التي تعوّل على صادرات الغاز الروسي بنسبة تصل إلى 75%، وهو ما يشكل خطرا لمنطقة اليورو، وذلك بسبب التقلبات التي تشهدها الأسعار بشكل متكرر، وفقا للأهواء الروسية.

المفاوضات بدأت بعد أن أعلن وزير الطاقة الأمريكي، ريك بيري، أن مسألة الغاز المسال تعد أولوية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفرصة تجارية ضخمة للبلاد.

وفي الوقت ذاته، أعلن الجانب الروسي، أن صادرات الولايات المتحدة من الغاز المسال إلى أوروبا، ستكون المنافس الأقوى لبلاده خلال الفترة المقبلة.

ووفقا لوزارة الطاقة الأمريكية، بلغ حجم الإنتاج النفطي اليومي الأمريكي 12 مليون برميل، في شهر مارس الماضي، بزيادة قدرها 1.6 مليون برميل عن الشهر ذاته من عام 2018، الأمر الذي يشجع الولايات المتحدة على منافسة روسيا، خاصة في أسواق الغاز العالمية.

واردات أوروبا من الغاز تخضع لقانون جديد

ونظرا لما يشهده السوق الأوروبي من تخبط في وارداته من الغاز الطبيعي المسال، قالت وكالة (Reuters)، إن المفوضية الأوروبية ستفرض قانونا جديدا لأنابيب الغاز القادمة من دول خارج الاتحاد، وسيتم تطبيق القانون على مشروع أنبوب “نورد ستريم 2” الروسي لنقل الغاز إلى أوروبا.

وأضافت، أنه في منتصف فبراير الماضي، توصل البرلمان الأوروبي إلى صيغة نهائية لقانون الغاز في الأسواق الأوروبية، خاصة في مجال شفافية الأسعار، والفصل بين الموردين والمشغلين للشبكة، الأمر الذي أثار الكثير من الجدل بين روسيا وألمانيا.

“نوردستريم 2” الأنابيب الروسية الأكثر جدلا

وفي محاولة من روسيا للحفاظ على حصتها في السوق الأوروبي، أنشأت موسكو خط أنابيب (نوردستريم 2) لنقل الغاز من بحر البلطيق الروسي إلى ألمانيا عبر ممر بحري، يوازي خط أنابيب “نوردستريم” القائم.

وأوضح الموقع الإلكتروني الخاص بالمشروع (nord-stream2) أن سعة الخط الجديد تقدر بنحو 55 مليار متر مكعب سنويا، حيث تم بناء أكثر من 800 كيلومترا من الأنبوب، من إجمالي 1200 كيلومترا تربط بين روسيا وألمانيا، ومن المقرر الانتهاء من المشروع بنهاية العام الجاري.

تحديات تواجه الصادرات الجزائرية لأوروبا

تقاوم صادرات الجزائر من الغاز الطبيعي إلى أوروبا حاليا التحدي الأصعب لها، وهو ارتفاع الإنتاج الروسي، وزيادة الوفرة العالمية من الغاز المسال، وفقا لوكالة بلومبرج الأمريكية.

شركة (سوناطراك) المملوكة للحكومة الجزائرية، قالت إن حجم الطلب الأوروبي على الغاز الجزائري انخفض بشكل كبير خلال العام الجاري، ما نتج عنه تراجعا في المبيعات بنسبة 25%.

ولتعويض هذه الخسارة، عملت سوناطراك على تحويل المزيد من الغاز إلى الغاز الطبيعي المسال، وتعزيز مبيعاتها في السوق بشكل فوري، حيث سجلت مبيعات الشركة الفورية ما نسبته 30% من إجمالي صادرات الشركة من الغاز الطبيعي المسال، ولكن ذلك لن يعوض الخسارة بشكل ملحوظ، لا سيما في ظل التوقعات التي تشير إلى أن فصل الشتاء القادم في أوروبا سيكون أكثر دفئا، الأمر الذي سيقلل من صادرات الشركة إلى أوروبا ويزيد من مبيعاتها الفورية.

وتحتل الجزائر المرتبة الثالثة في قائمة كبار موردي الغاز إلى أوروبا، إلا أن انخفاض صادرتها، وارتفاع الإمدادات الأمريكية من الغاز المسال، قد يسهم في تراجع مركزها في القائمة.

الغاز الموريتاني منافس عالمي جديد

ومؤخرا، قالت وكالة بلومبرج الأمريكية، إن سوق الغاز العالمي شهد دخول لاعب جديد، قد يغير من شكل الخريطة العالمية لسوق الغاز، حيث أعلنت شركة (بي بي) البريطانية عن أن حجم احتياطات حقل غاز موريتانيا يقدر بنحو 15 تريليون قدم مكعب.

وقالت الشركة، إن الاحتياطي الموريتاني يكافئ إجمالي إنتاج القارة الأفريقية من الغاز خلال السنوات السبع الماضية، مشيرة إلى أن مساحة الحقل يمكن أن تحتوي على 50 تريليون قدم مكعب إضافية.

الأكثر مشاهدة

أنسي نجيب ساويرس: استحوذنا على أحد أندية الدوري الممتاز لكرة القدم

توصلت شركة زد للاستثمار الرياضي لاتفاق تستحوذ بمقتضاه على أحد...

بين الخفض والتثبيت.. تباين الآراء حول مصير أسعار الفائدة في اجتماع الخميس

تباينت توقعات الخبراء والمحللين حول مصير أسعار الفائدة خلال اجتماع...

منطقة إعلانية