رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
مقالات

ما بعد الصندوق: من ينبغي أن يصمم البرنامج الاقتصادي لمصر؟

بقلم/ أنور محمود النقيب

أستاذ سياسات الاقتصاد والتمويل بكلية العلوم الادارية -أكاديمية السادات

في ضوء توجيه السيد رئيس الجمهورية بإعداد وصياغة محددات البرنامج الاقتصادي الوطني لمرحلة ما بعد انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، أعلن رئيس مجلس الوزراء في 21 يوليو 2026 بدء إعداد برنامج وطني للإصلاح الاقتصادي لمرحلة ما بعد الصندوق. ويكتسب هذا الإعلان أهمية خاصة، ليس فقط لأنه يؤذن بمرحلة جديدة في إدارة الاقتصاد المصري، وإنما لأنه يطرح سؤالاً مؤسسياً بالغ الأهمية: من الذي ينبغي أن يقود عملية إعداد هذا البرنامج؟ وما هو الدور المناسب للحكومة في هذه المرحلة؟

قد تبدو الإجابة للوهلة الأولى بديهية، فالحكومة هي المسؤولة عن إدارة الدولة، ومن ثم فهي الجهة التي تضع برامج الإصلاح الاقتصادي. إلا أن هذا التصور يخلط بين وظيفتين مختلفتين؛ الأولى هي تنفيذ السياسات الاقتصادية وإدارة الاقتصاد، والثانية هي تصميم وصياغة السياسات الاقتصادية ورسم مستقبل الاقتصاد. والفرق بينهما لا يقتصر على الاختصاص، بل يمتد إلى طبيعة التفكير، والأفق الزمني، وآليات العمل، ومنهجية اتخاذ القرار.

فالحكومة، بحكم طبيعتها، جهاز تنفيذي يتولى إدارة الملفات اليومية للدولة، من الموازنة العامة، والأسعار، والاستثمار، والطاقة، والخدمات، والتعليم، والصحة، إلى مواجهة الأزمات والمتغيرات الداخلية والخارجية. وهذه المسؤوليات تجعل اهتمامها الطبيعي منصباً على إدارة الحاضر، واتخاذ قرارات سريعة للتعامل مع التحديات القائمة. ولا يمثل ذلك قصوراً في أداء الحكومة، بل يعكس طبيعة وظيفتها.

ومن هنا، فإن مطالبة الحكومة بقيادة عملية صياغة السياسات الاقتصادية طويلة الأجل تضعها أمام مهمة تختلف جذرياً عن وظيفتها الأصلية. فالتنفيذي بطبيعته يفكر من داخل الواقع القائم، بينما تتطلب صناعة السياسات القدرة على إعادة النظر في هذا الواقع نفسه، وإعادة تعريف المشكلات، واستكشاف البدائل، وبناء سيناريوهات للمستقبل قد تتجاوز القيود الحالية. ومن الطبيعي أن يكون من يدير الواقع جزءاً منه، وأن يتأثر بقيوده وتعقيداته، بينما تحتاج عملية تصميم السياسات إلى قدر أكبر من الاستقلال الفكري، وإلى مساحة تسمح بالنظر إلى الاقتصاد من أعلى، لا من داخل تفاصيله اليومية. فالتنفيذي يسأل: كيف يمكن معالجة المشكلة؟ أما صانع السياسة فيسأل: لماذا نشأت هذه المشكلة؟ وهل يمكن إعادة تصميم المنظومة بما يمنع تكرارها؟ والفارق بين السؤالين هو الفارق بين إدارة الأزمات وبناء المستقبل.

كما أن الجهاز التنفيذي يصبح، مع مرور الوقت، جزءاً من الواقع الذي يسعى إلى إصلاحه، وهو ما قد يجعله أكثر ميلاً إلى تطوير السياسات القائمة، بدلاً من إعادة النظر في فلسفتها أو بنيتها الأساسية. ولذلك، فإن برامج الإصلاح الكبرى تحتاج إلى مساحة من الاستقلال الفكري والتحليل العلمي، بعيداً عن ضغوط الإدارة اليومية والرأي العام والاستحقاقات التنفيذية.

ولذلك، فإن القضية ليست في كفاءة الحكومة أو خبرة الوزراء، وإنما في طبيعة الدور الذي تؤديه كل مؤسسة داخل الدولة. فالجمع بين تصميم السياسات وتنفيذها داخل الجهة نفسها قد يؤدي إلى تغليب الاعتبارات التنفيذية قصيرة الأجل على الرؤية الاستراتيجية طويلة الأجل.

ولهذا السبب، اعتمدت العديد من الدول الناجحة على فرق محترفة أو مؤسسات أو مجالس متخصصة في صناعة السياسات، تتفرغ لدراسة الاتجاهات الاقتصادية، وتحليل السيناريوهات، وتقييم البدائل، وقياس الآثار الاقتصادية والاجتماعية قبل اتخاذ القرار، بينما تتولى الحكومات تحويل هذه السياسات إلى برامج تنفيذية ومشروعات قابلة للتطبيق. ولم يكن الهدف من ذلك تقليص دور الحكومة، بل تمكينها من التركيز على وظيفتها الأساسية، وهي التنفيذ والإدارة بكفاءة.

ومن هذا المنطلق، ينبغي ألا يكون برنامج الإصلاح الاقتصادي لما بعد صندوق النقد برنامج حكومة، وإنما برنامج دولة. فالحكومات تتغير، بينما تبقى الدولة، والسياسات الاقتصادية الكبرى يجب أن تمتد آثارها لعقد أو عقدين، لا أن ترتبط بعمر حكومة أو وزير. ولذلك ينبغي أن يعبر البرنامج عن رؤية وطنية طويلة الأجل، تضمن استمرارية السياسات واستقرارها.

وهنا تبرز الاهمية القصوى لتشكيل فريق وطني محترف لصناعة السياسات الاقتصادية، يضم نخبة من الخبرات في الاقتصاد والمالية والاستثمار والصناعة والزراعة والطاقة والإدارة العامة والقانون وتحليل البيانات، يعمل بصورة مستقلة ومتفرغة لفترة محددة لإعداد البرنامج وفق منهجية علمية تعتمد على تحليل البدائل، وبناء السيناريوهات، وتقييم الأثر، واستشراف المستقبل.

ويتولى هذا الفريق إعداد الرؤية الاقتصادية طويلة الأجل، وصياغة برامج الإصلاح الهيكلي، وتحليل البدائل، ووضع الأطر التنفيذية لتلك السياسات، وتوقيتاتها، من يفعل ماذا؟، وتقييم آثار السياسات، وضمان الاتساق بين السياسات المالية والنقدية والاستثمارية والصناعية والتجارية، بما يحقق وحدة التوجه الاقتصادي للدولة.

ولا يعني ذلك إقصاء الحكومة عن عملية إعداد البرنامج، بل على العكس، فهي شريك رئيسي في هذه العملية من خلال توفير البيانات، وطرح التحديات التنفيذية، والمشاركة في تقييم البدائل، ثم قيادة تنفيذ البرنامج بعد اعتماده. أما المجلس، فيقتصر دوره على التفكير الاستراتيجي وصناعة السياسات، بينما تبقى مسؤولية التنفيذ كاملة في يد الحكومة.

ولكي ينجح هذا الفريق، يجب أن يقوم على مجموعة من المبادئ الحاكمة؛ أولها الاستقلال المؤسسي، بحيث يعمل بعيداً عن ضغوط الإدارة التنفيذية اليومية، ويرتبط بأعلى مستوى في الدولة (رئيس الجمهورية) لضمان الاستمرارية. وثانيها ان يتم تنفيذ ما تم صياغته من سياسات، وثالثهما أن يقتصر دوره على صناعة السياسات، بينما تظل الحكومة مسؤولة عن التنفيذ. ورابعهما أن يعتمد على الكفاءة والخبرة متعددة التخصصات، وأن تكون البيانات والأدلة العلمية وتحليل السيناريوهات هي الأساس الوحيد لصنع القرار، مع تبني منظور طويل الأجل يركز على استشراف المستقبل، وتحقيق الاتساق بين السياسات المالية والنقدية والاستثمارية والصناعية، بما يضمن أن تتحرك جميع مؤسسات الدولة في اتجاه واحد. مع إنشائه بقانون يحدد اختصاصاته وعلاقته بالحكومة، بما يجعله جزءاً دائماً من البنية المؤسسية للدولة.

ويمكن لهذا الفريق أن يشكل لاحقاً النواة المؤسسية للمجلس الأعلى للسياسات الاقتصادية. لا باعتباره جهازاً بيروقراطياً جديداً أو حكومة موازية، وإنما باعتباره العقل الاستراتيجي للدولة في المجال الاقتصادي، ويجب ضمان ان لا يتحول هذا لجهاز الي جهاز حكومي بيروقراطي عديم الفاعلية مثل العديد من الاجهزة الأخرى. ويجب العلم ان القضية ليست في إنشاء جهاز من عدمه، بقدر ما هي بناء قدرة وطنية مستدامة على إنتاج السياسات الاقتصادية.

وإجمالاً وبصورة ملحة تحتاج مصر إلى عقل استراتيجي يتفرغ لتصميم المستقبل الاقتصادي. سواء بدأ ذلك بفريق وطني محترف أو تُوِّج بإنشاء مجلس أعلى للسياسات الاقتصادية، فإن الإصلاح المؤسسي الحقيقي يبدأ عندما يصبح إنتاج السياسات عملية مؤسسية مستمرة، لا استجابة مؤقتة للأزمات. فالدول لا تتقدم لأنها تمتلك حكومات أكثر نشاطاً، وإنما لأنها تمتلك مؤسسات تفصل بوضوح بين من يصنع السياسات ومن ينفذها، وبين من يفكر في المستقبل ومن يدير الحاضر، وهو ما يمثل أحد أهم متطلبات بناء اقتصاد أكثر استدامة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.

 

 

الآراء والأفكار والتحليلات الواردة في المقالات المنشورة تعبّر عن وجهة نظر كُتّابها فقط، ولا تمثل بالضرورة رأي أو توجه المؤسسة أو إدارة التحرير.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

منطقة إعلانية