ملفات

إقالة وزير الخارجية الأمريكى والتأثير على أسعار البترول

جاءت إقالة ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكى، عبر وسيلة التواصل الرئيسية المعتادة للرئيس دونالد ترامب “تويتر”، وربطها البعض بتصريحات الوزير، يوم الاثنين الماضى، بشأن روسيا التى تتفق مع موقف الحكومة البريطانية بأن السم المستخدم لقتل جاسوس روسى سابق فى بريطانيا جاء من موسكو.

وقال، ليام دينينج، كاتب مقالات الرأى المتعلقة بالطاقة والسلع فى «بلومبرج»، بمقال له على مجلة «نيوزويك»، إنه كما نعلم جميعاً تربط الرئيس الأمريكى وروسيا علاقة مثيرة للاهتمام.

ومن ناحية أخرى، قال «ترامب»، صباح الثلاثاء، إن الاختلافات فى وجهات النظر حول إيران هى السبب، وبالتالى، قد تكون السعودية هى الفائزة هنا، ولكن مكاسبها لن تكون عظيمة.

وفى يناير الماضى، قال «ترامب»، إنه ليس سعيداً بالاتفاق النووى مع إيران، وطالب بتعديله أو فسخه، ومع اقتراب موعد تخفيف المزيد من العقوبات فى مايو المقبل، فإنَّ تنصيب وزير خارجية أكثر تشدداً تجاه إيران قد يؤدى إلى انهيار الاتفاق بحلول الصيف.

ولكن يبدو أن سوق البترول لا يبالى بهذه الأحداث، فقد ارتفعت الأسعار لوقت وجيز بعد أنباء الإطاحة بتيلرسون، ثم عاودت الهبوط، وهناك أسباب عديدة لتلك اللامبالاة، وأكثرها ترجيحاً هو ارتفاع إمدادات البترول على المدى القريب من خارج «الأوبك»، وهو ما سوف يمتص أى توتر جغرافى سياسى.

والسبب الثانى، أنه رغم أن إقالة تيلرسون ستجلب شخصاً أكثر تشدداً تجاه إيران، فإنها تقدم، أيضاً، دليلاً على الطبيعة الفوضوية لحكومة ترامب، ما يجعل من الصعب استنتاج أى توقعات بشأن اتجاه السياسة، وبالتالى لن يراهن المستثمرون بأموالهم على اتجاه محدد.

وعلاوة على ذلك، يوضح «دينينج»، أن فسخ الولايات المتحدة للاتفاق النووى قد لا يمنع براميل النفط الإيرانية من مواصلة التدفق، فقد كانت أوروبا من بين أكبر المشترين منذ دخول الاتفاق النووى حيز التنفيذ فى 2015، كما قفزت واردات الصين من البترول الإيرانى كذلك.

وقد تقرر أوروبا، أنها لا تريد السير على خُطى واشنطن، خاصة فى الوقت الذى لا تزال فيه القارة تستوعب التعريفات الجمركية المقترحة على الصلب والألومنيوم، وتدرس ردوداً انتقامية، وفى هذه الحالة، إذا انسحبت أمريكا من الاتفاق، سيبقى حجم صادرات البترول الإيرانية كما هو حتى ولو تغيرت وجهته.

وإذا انسحبت أمريكا من الاتفاق، فقد تفكر شركات البترول الأجنبية مثل «توتال» الفرنسية مرتين قبل التزامها بالمزيد من الاستثمارات فى إيران، ولكن من المثير للسخرية أن شركات البترول الروسية قد تتدافع لدخول إيران فى الوقت الذى تخرج منها الشركات الأخرى، وهو أمر سيكون له تداعيات مهمة، خاصة أن وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن ترفع إيران قدرتها الإنتاجية بمقدار 330 ألف برميل يومياً بحلول 2023، وهو ما يعادل أكثر من نصف الزيادة المتوقعة لإنتاج «الأوبك» ككل.

ويقول «دينيج»، إنه إذا لم يتحقق ذلك، فيمكننا اعتبار ذلك فوزاً آخر للسعودية؛ لأنه لن يمنع فحسب الدولارات عن التدفق إلى خصم إقليمى، وإنما سيرفع احتمالات نقص المعروض بنهاية العقد الجارى.

وما سيضيف على مكاسب السعودية، أيضاً، هو إذا أدت إقالة تيلرسون إلى المزيد من العقوبات الأمريكية ضد فنزويلا، وهى دولة يعد مايك بومبيو، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، والخليفة المتوقع لـ«تيلرسون»، مستعداً دوماً لانتقادها.

وقال «دينيج»، إن نجاح اتفاقية خفض الإنتاج السعودية الروسية يعود بقدر كبير إلى انهيار فنزويلا، ورغم أن الرياض لن تقول ذلك علناً، فإنَّ المزيد من الضعوط على كاراكاس سوف تكون بمثابة نعمة لخزائن السعودية والطرح المتوقع لشركتها «أرامكو».

وأوضح «دينينج»، أن هذه المكاسب – إذا كان يصح أن نطلق عليها كذلك – تخفى مخاطر كامنة أكثر لسوق البترول الذى تعتمد عليه السعودية وروسيا والدول البترولية الأخرى.

الخطورة الأولى أن أى زيادة فى أسعار البترول نتيجة المخاطر الجيوسياسية ستساعد، أيضاً، المنتجين الأمريكيين على زيادة الإنتاج، والذين يعد حماسهم للإنتاج وزيادة نشاطهم بمثابة مكابح للأسعار بشكل عام، وهذا ما سيحدث خاصة إذا أدى ارتفاع الأسعار إلى الرهان على عقود آجلة بآجال أطول، وهو ما سيعزز تحويطها.

أما الخطورة الثانية والأكبر، فهى أن أنباء الإقالة تتماشى مع التصعيد الأوسع للقومية الاقتصادية للحكومة الأمريكية، وتأتى بعد وقت قصير من إعلان التعريفات الجمركية، واستقالة جارى كوين، من منصبه كمستشار اقتصادى للرئيس.

وإذا كانت إقالة تيلرسون ترتبط بالفعل بتصريحاته بأن لروسيا دوراً فى حالة التسميم فى بريطانيا، فإنَّ هذا يسلط الضوء على تزايد الهوة بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين.

وبالأخير، قال «دينينج»، إن سوق البترول العالمى هو وليد التجارة الحرة مثله مثل العديد من الاقتصادات الآسيوية، بما فى ذلك الصين، وهو ما يعزز أهمية جانب الطلب فيه، وقد تبدو التداعيات الجيوسياسية لإقالة ريكس تيلرسون داعمة لأسعار البترول، ولكن الحبكة الاقتصادية الخفية وراء الإقالة ليس كذلك بالتأكيد.

الأكثر مشاهدة

فاتورة الأزمة الفرنسية

رضخ إيمانويل ماكرون الرئيس الفرنسي للاحتجاجات التي انطلقت في فرنسا...

الشباب العربي يرفض العمل بالزراعة

تعرف على متوسط أعمار العاملين بالزراعة في الدول العربية ونسب...