كتب: محمد غنيم
تداعيات التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز متوالية على صناعة النقل البحري العالمي، مع اضطرار عدد كبير من الخطوط الملاحية إلى تغيير مساراتها التقليدية، ما أطال زمن الرحلات ورفع تكاليف التأمين والشحن، بينما برزت مصر كممر ترانزيت بديل يمتص جانبًا من تداعيات الأزمة.
تغيّر المسارات الملاحية وزيادة مدة الرحلة
قال محمد نديم، العضو المنتدب للشؤون التجارية والعمليات في شركة إيجيترانس نوسكو، في حديثه مع “إيكونومي بلس”، إن استمرار التهديدات في المنطقة دفع عددًا كبيرًا من الخطوط الملاحية العالمية إلى تجنب العبور عبر قناة السويس، والتحول إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما أضاف في المتوسط بين 10 و14 يومًا إلى مدة الرحلات البحرية، بزيادة تتراوح بين 30% و50%، فضلًا عن إضافة نحو 3 آلاف إلى 6 آلاف ميل بحري إلى الرحلة الواحدة بين آسيا وأوروبا.
انعكس هذا التحول مباشرة على تكلفة النقل، إذ أشار نديم إلى أن أقساط تأمين هياكل السفن ارتفعت من نطاق يتراوح بين 1% و3% إلى 7% و10% من قيمة السفينة، فيما قفزت أقساط تأمين مخاطر الحرب لناقلات النفط والسفن في المناطق عالية الخطورة إلى مستويات قياسية تتراوح بين 7.5% و10% من قيمة هيكل السفينة، مقابل ما لا يتجاوز 1% سابقًا، متوقعًا استمرار ارتفاع هذه التكاليف، مع بقاء الأقساط عند سقف يتجاوز 10% في الرحلات شديدة الخطورة.
رسوم إضافية على الحاويات
لم تقتصر الزيادة على التأمين، إذ فرضت التوكيلات الملاحية رسومًا إضافية فورية على الحاويات تراوحت بين 1,500 و2,000 دولار للحاوية القياسية ذات الـ20 قدمًا، وبين 3,000 و4,000 دولار للحاويات المبردة والمعدات الخاصة، بحسب نديم، الذي توقع زيادة إضافية تتراوح بين 50% و100% في أجور النقل إذا استمر التصعيد.
الأزمة تفتح الباب أمام الترانزيت المصري
تتضح هذه التحولات بصورة أكبر في حركة الشحن خاصة بين مصر والسعودية، إذ أوضح أحمد عمارة، الشريك المؤسس ومدير العمليات بشركة نولون، أن بعض الشحنات المتجهة من ميناء الإسكندرية إلى جدة أصبحت تُفرغ بدلًا من ذلك في ميناء العين السخنة، بسبب الوضع الجيوسياسي ومخاوف الخطوط الملاحية بشأن سلامة سفنها وارتفاع تكاليف التأمين.
أضاف أن الأمر نفسه ينطبق على الشحنات القادمة من الصين والهند، التي بدأت تغيير وجهتها نحو العين السخنة بدلًا من التوجه المباشر إلى جدة، معتبرًا أن هذا التحول، رغم احتمالية تسببه في تكدس بميناء العين السخنة، يمثل فرصة لتنشيط حركة البضائع العابرة عبر مصر.
بحسب عمارة، يمكن نقل البضائع التي تصل إلى العين السخنة إلى جدة عبر خطوط “فيدر” ومراكب صغيرة، أو برًا من خلال ميناء سفاجا إلى ضباء على الساحل السعودي، بما يوفر مسارات بديلة عن العبور البحري المباشر.
تضاعف أسعار الشحن الأساسية
بالتوازي، تضاعفت أسعار الشحن الأساسية لبعض الخطوط الحيوية بنسب تراوحت بين 70% و150%، نتيجة النقص في الوحدات المتاحة والأعباء التشغيلية الإضافية، فيما توقع نديم أن تشهد مؤشرات أسعار الحاويات زيادات إضافية تتراوح بين 50% و100% فوق مستوياتها الحالية خلال الفترة المقبلة، في حال استمرار قيود الملاحة والتعطل في المضائق الرئيسية.
كذلك أدى تغيير المسارات إلى تأجيل مواعيد التسليم بين 10 و21 يومًا إضافيًا، بحسب المسار والسرعة، بينما تسبب بطء دوران السفن نتيجة إطالة الرحلات في استنزاف أكبر للقدرات التشغيلية للأساطيل العالمية. ونتيجة لذلك، ظهرت أزمة متقطعة ومستمرة في توافر الحاويات الفارغة، بسبب بقائها لفترات أطول في البحر وطول رحلات العودة حول رأس الرجاء الصالح، إلى جانب نقص المعدات والحاويات الفارغة في موانئ الشحن الآسيوية والأوروبية الحيوية، ما أوجد اختلالًا بين العرض والطلب ورفع أسعار النقل وأدى إلى اختناقات تشغيلية في بعض المحطات.
إقبال على الموانئ المصرية
في مواجهة هذه التداعيات، برزت مصر كأحد المستفيدين من التحولات الجديدة في حركة التجارة، إذ أكد نديم أن الموانئ والممرات اللوجستية المصرية شهدت إقبالًا ملحوظًا على خدمات الترانزيت وإعادة الشحن كبديل استراتيجي، محققة نموًا بنسبة 35% في حجم تجارة الترانزيت مطلع عام 2026 مقارنة بالعام السابق، مع تداول نحو 6.7 مليون حاوية.
أضاف أن ميناء سفاجا شهد، للمرة الأولى في تاريخه، استقبال سفن حاويات تجارية في محطة “سفاجا 2″، ضمن الممر اللوجستي “سفاجا – قنا – أبو طرطور”، فيما زاد الاعتماد على ميناء دمياط وخط الرورو المصري-الإيطالي لربط الموانئ الأوروبية بدول الخليج عبر الأراضي المصرية.
ساهمت الحكومة المصرية في تنشيط هذه الحركة من خلال تيسيرات جمركية، من بينها السماح بإنهاء إجراءات شحنات الترانزيت العابر دون التقيد بمنظومة التسجيل المسبق للشحنات (ACI)، إلى جانب الاستعداد لإعفاء الخدمات اللوجستية على السلع العابرة من ضريبة القيمة المضافة لرفع القدرة التنافسية للموانئ. كما شهدت حركة النقل بين ميناء سفاجا وميناء نيوم نشاطًا كبيرًا تمثل في زيادة عدد العبارات والسفن العاملة على الخط.
تتسع أهمية الدور المصري في ظل لجوء الشركات إلى مسارات بديلة لتفادي مناطق الصراع. ووفقًا لنديم، يأتي طريق رأس الرجاء الصالح في مقدمة هذه المسارات، عبر الالتفاف حول الطرف الجنوبي لأفريقيا لربط آسيا بأوروبا، إلى جانب ممرات فرعية داخل الخليج قرب جزيرة لارك في مضيق هرمز لضمان السلامة الملاحية في حالات الطوارئ القصوى.
كما تشمل البدائل خطوط النقل البري لبنية الطاقة، مثل خط أنابيب الشرق-الغرب “بترولاين” السعودي البالغ طوله 1,200 كيلومتر، والذي ينقل النفط من حقول الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، فضلًا عن الجسور البرية الإقليمية التي تربط موانئ الخليج بالبحر المتوسط وتركيا مرورًا بعدد من الدول العربية، باعتبارها بديلًا جزئيًا عن الطرق البحرية المقيدة.
يرى نديم أن هذه التطورات تفرض الاعتماد بصورة أكبر على الحلول اللوجستية متعددة الوسائط، عبر دمج النقل البري والبحري والجوي لخفض التكاليف التشغيلية وتحسين استغلال الموارد، وتقليص الانبعاثات الكربونية، وزيادة مرونة سلاسل الإمداد بما يسمح بالتحول السريع إلى مسارات بديلة عند حدوث اختناقات أو أزمات طارئة.
كما يشمل ذلك الاعتماد على أنظمة التتبع الفوري لمراقبة البضائع طوال الرحلة، وتحقيق تنسيق أكثر سلاسة بين موانئ الشحن وخطوط القطارات والشاحنات لتقليل فترات الانتظار.
تكاليف متباينة
فيما يتعلق بالتكاليف، أوضح أحمد عمارة أن الأرقام تختلف من خط ملاحي إلى آخر، لكن بعض الرسوم الإضافية بدأت بالفعل في الظهور، ومن بينها “معامل البنكر” الذي فرضته خطوط ملاحية مثل CMA بقيمة 200 دولار للحاوية مقاس 20 قدمًا، وهو رسم قد يُطبق بأثر رجعي حتى على الشحنات التي كانت بالفعل في عرض البحر وقت الإعلان عنه.
ولا تقتصر البدائل على الموانئ الواقعة على البحر الأحمر، إذ يشير عمارة إلى مسار عابر لمصر يبدأ من ميناء دمياط على البحر المتوسط، بما يسمح باستقبال شحنات قادمة من أوروبا دون دخول البحر الأحمر من الأساس.
بموجب هذا المسار، تُفرغ الحاويات في دمياط ثم تُنقل، بموجب بوليصة نقل أو ترانزيت، برًا إلى ميناء سفاجا، ومنه عبر العبارات إلى السعودية ومنها إلى بقية دول الخليج. ويصف عمارة هذا المسار بأنه فعال ويعمل بانتظام، خصوصًا في نقل البضائع سريعة التلف والمحاصيل الزراعية.
يربط عمارة نجاح هذا المسار بالتسهيلات التي أجرتها وزارة المالية مؤخرًا على إجراءات الترانزيت، موضحًا أنه كان يُشترط سابقًا تقديم خطاب ضمان مالي بقيمة تعادل قيمة البضاعة أو أكثر، وهو ما كان يؤدي إلى تجميد السيولة ورفع تكلفة التمويل من البنوك، بينما استُعيض حاليًا عن خطاب الضمان ببوليصة تأمين، وهو ما يصفه بأنه “تسهيل حقيقي” في الإجراءات.
مع امتداد الأزمة إلى مضيق هرمز، ظهرت الحاجة بصورة أكبر إلى حلول النقل متعدد الوسائط. وقال عمارة إنه في ظل التوقف الحالي لحركة الملاحة عبر المضيق، نجحت الشركة في إيجاد بديل يعتمد على “الشحن متعدد الوسائط” (Multi-modal Shipment)، بحيث تنطلق السفن من الإسكندرية أو العين السخنة وتفرغ حمولتها في ميناء خورفكان بالإمارات، قبل نقل جزء من الشحنة برًا ثم تحميلها على سفن نقل داخلية “بارج” للوصول إلى الكويت أو قطر أو باقي دول الخليج داخل الخليج العربي، دون الحاجة إلى عبور مضيق هرمز.
أكد عمارة أن هذه العملية نُفذت بالفعل بنجاح لصالح إحدى الشحنات المصرية المتجهة إلى الإمارات، بما يعكس الدور الذي يمكن أن تلعبه الحلول متعددة الوسائط في الحفاظ على حركة التجارة رغم القيود التي تفرضها التوترات الجيوسياسية على المسارات البحرية التقليدية.
وتعمل شركة نولون، التي تأسست في مصر عام 2021، كمنصة رقمية في قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتتيح مقارنة أسعار الحاويات والشحن من عشرات الخطوط الملاحية العالمية وحجزها إلكترونيًا، إلى جانب توفير لوحة تحكم موحدة لتتبع مسار السفن والحجوزات لحظيًا مع إشعارات مباشرة للعملاء، فضلًا عن خدمات لوجستية متكاملة تشمل الشحن البحري والجوي والنقل البري والتخليص الجمركي.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا