رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
أخبار

جدل الأنسولين في مصر.. بين توطين الصناعة ومخاوف المرضى من نقص الأقلام الحديثة

كتبت: فاطمة يحيى

بالنسبة للحاجة زينب، مريضة السكري، الأنسولين ليس مجرد دواء تشتريه من الصيدلية، بل جزء من روتين اعتادت عليه، وتغيير النوع الذي تستخدمه ليس قراراً بسيطاً يمكن اتخاذه دون الرجوع إلى طبيبها.

“أنا متعودة على الأنسولين ده، وأي تغيير فيه بيأثر عليّ.. الدكتور هو اللي يحدد لي آخد إيه، ومش ممكن أغير النوع من نفسي”.. هكذا تلخص الحاجة زينب، التي تعيش في بيت راق شرقي القاهرة، مخاوفها من تغيير العلاج الذي اعتادت عليه، في وقت يتصاعد فيه الجدل حول الاعتماد على الأنسولين المحلي بدلاً من المستورد.

مخاوف الحاجه زينب ليست حالة منفردة في سوق يضم ملايين مرضى السكري، وتأتي في وقت يتصاعد فيه الجدل في مصر حول مستقبل الأنسولين المستورد، مع اتجاه الدولة إلى وقف استيراد الأنواع التي لها بدائل محلية، وفق تصريحات الدكتور خالد عبد الغفار، وزير الصحة والسكان، مع إتاحة المنتجات الأجنبية لمن يرغب في شرائها على نفقته الخاصة.

وبينما تؤكد شعبة الأدوية بالغرف التجارية أن الإنتاج المحلي أصبح يغطي معظم احتياجات السوق وبكفاءة تضاهي المستورد، تحذر لجنة الصحة بمجلس النواب ومختصون في صناعة الدواء من أن التوسع في الاستبدال يجب أن يراعي اختلاف احتياجات المرضى، خصوصاً في الأنواع الحديثة والأقلام العلاجية.

الأقلام أم السرنجات؟

أحد أبرز أوجه الخلاف يتعلق بطريقة الحصول على الأنسولين، وتقول إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، إن الأنسولين المحلي متوفر في صورة سرنجات تقليدية بدلاً من الأقلام الحديثة التي اعتاد المرضى استخدامها خلال السنوات الأخيرة.

وترى سعيد في حديثها لـ”ايكونومي بلس” أن الأقلام ليست رفاهية، خصوصاً للأطفال، لما توفره من دقة في الجرعات وتقليل للألم النفسي والجسدي، معتبرة أن العودة إلى السرنجات تمثل “ارتداداً 15 عاماً إلى الخلف” لا يتحمله الأطفال.

تضيف أن الإنتاج المحلي للأقلام لا يزال محدوداً، وبدأ في مادة واحدة فقط منذ أشهر.

في المقابل، ينفي علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرفة التجارية، في حديثه لـ”ايكونومي بلس” اقتصار الإنتاج المحلي على السرنجات، مؤكداً توافر أقلام أنسولين وطنية في الأسواق والمستشفيات منذ أكثر من عامين، وتوزيعها بصورة منتظمة لتغطية احتياجات المواطنين.

من جانبه، يؤكد محفوظ رمزي، رئيس لجنة تصنيع الدواء ورئيس اللجنة الإعلامية بنقابة صيادلة القاهرة، أن مصر نجحت في توطين إنتاج الأنسولين البشري التقليدي، سواء الأنواع المائية أو المعكرة، عبر شركات محلية تنتجه في صورة خراطيش للحقن أو عبوات «فايال».

وبحسب رمزي، يعتمد التصنيع المحلي على استيراد المادة الخام، أو «الكريستال»، ثم إذابتها وتعبئتها وفق قواعد التصنيع الجيد (GMP)، معتبراً أن المنتج المحلي آمن وقادر على منافسة المستورد من حيث الجودة والسعر.

لكن ماذا عن الأنسولين الحديث؟

تتركز مساحة أخرى من الجدل حول ما يعرف بـ”نظائر الأنسولين” أو (Insulin Analogues)، وهي أنواع أحدث من الأنسولين المستورد.

ويقول رمزي لـ”ايكونومي بلس” إن هذه الأنواع تتمتع بكفاءة أعلى في ضبط مستويات السكر، خصوصاً لدى الأطفال الذين تتغير مواعيد وجباتهم وحالتهم الجسدية بصورة مستمرة.

في الوقت نفسه، يشير إلى أن تحالفات مصرية نجحت حديثاً، بالشراكة مع شركات عالمية، في إنتاج أحد هذه النظائر محلياً وتوفيره في صورة أقلام بسعر أقل كثيراً من المستورد.

لكن ذلك لا ينطبق على جميع الأنواع، بحسب رمزي، إذ لا تزال هناك أنواع أخرى متطورة تحتكر إنتاجها شركتان عالميتان، ولا تتوافر لها بدائل محلية حتى الآن.

وهنا تظهر نقطة الخلاف الأساسية: التوسع في التصنيع المحلي لا يعني بالضرورة أن جميع الأنواع المستخدمة من المرضى أصبحت متاحة محلياً بالشكل نفسه.

بين توفير العملة الصعبة وتوفير الدواء

يقول علي عوف إن الإنتاج المحلي يغطي نحو 95% من احتياجات السوق، وأنه سبق أن سد الفجوة التي خلفتها الشركات الأجنبية في عام 2024.

ويضع عوف التوجه نحو تقليص استيراد بعض الأنواع في إطار دعم الصناعة الوطنية وتوجيه الموارد إلى منظومة التأمين الصحي والمستشفيات الحكومية.

ويقول إن نسبة الاستيراد المتبقية، والبالغة نحو 5%، تقتصر على حالات تخصصية جداً، وإن الدولة توفرها، مشيراً إلى عدم تلقي هيئة الدواء شكاوى رسمية تثبت وجود آثار جانبية أو ضعف في فاعلية المنتج المحلي.

كما يؤكد أن الأنسولين المصري حصل على اعتمادات دولية، وتم تصديره إلى أكثر من 10 دول، كان آخرها ماليزيا، بحسب قوله.

لكن إيرين سعيد ترى أن توفير العملة الصعبة عبر منع استيراد بعض منتجات الأنسولين يحتاج إلى النظر أيضاً إلى طبيعة الأسعار التي تحصل بها الدولة على هذه المنتجات.

وتقول إن توريد زجاجات الأنسولين المستوردة، أو «الفايال»، إلى هيئة الشراء الموحد يتم بأسعار قاربت أسعار المنتج المحلي، بعد توقف شركات عالمية عن تصنيع الحقن التقليدية في دولها وبيعها بأسعار ميسرة للدول النامية.

تضيف سعيد أن هناك 3 مواد فعالة رئيسية طويلة وممتدة المدى تشكل أساساً في بروتوكولات علاج الأطفال وبعض المرضى، ولا يتم إنتاجها في مصر، سواء في صورة أقلام أو سرنجات، وهو ما يجعل استمرار توفيرها مستوردة أمراً ضرورياً من وجهة نظرها.

ملايين المرضى في قلب الجدل

تأتي هذه المناقشات في سوق يضم ملايين المرضى، وتشير بيانات الاتحاد الدولي للسكري إلى أن مصر من بين الدول ذات الأعداد الكبيرة من المصابين بالمرض، مع تقديرات تشير إلى نحو 11 مليون مصاب، فيما ترى تقديرات محلية أن العدد الفعلي قد يكون أعلى، في ظل وجود حالات لم يتم تشخيصها نتيجة ضعف الوعي بالمرض.

وبحسب بيانات وزارة الصحة المصرية، يتعامل نظاما التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة مع نحو 2.45 مليون مريض سكري من البالغين، إضافة إلى نحو 60 ألف طفل، فيما تبلغ التكلفة الإجمالية لتوفير علاج السكري، من الأنسولين والأقراص، نحو 4.2 مليار جنيه سنوياً.

لهذا، لا يتعلق النقاش بالنسبة لمرضى مثل الحجة زينب فقط بمصدر الدواء، وإنما بما إذا كان البديل الذي سيحصلون عليه هو الأنسب لحالتهم.

قرار التصنيع.. أم قرار الطبيب؟

يحذر محفوظ رمزي من التسرع في استبدال نوع من الأنسولين بآخر دون الرجوع إلى اللجان الطبية المتخصصة وأطباء الغدد الصماء، موضحاً أن استجابة جسم كل مريض للعلاج تختلف من شخص إلى آخر.

ويرى أن منع الأنسولين المستورد بصورة كاملة ليس مناسباً في الوقت الحالي، خصوصاً عندما لا يكون هناك بديل محلي مطابق للمادة الفعالة أو لزمن التأثير.

ويضيف أن أي وفر يتحقق إدارياً من الاستبدال قد يتحول إلى تكلفة أكبر إذا أدى تغيير البروتوكول العلاجي إلى مضاعفات صحية.

يشير رمزي كذلك إلى العامل النفسي لدى مرضى السكري، موضحاً أن الحالة النفسية للمريض قد تؤثر في مستوى السكر، وهو ما يجعله يرى أن توفير خيارات علاجية متنوعة يظل جزءاً من سلامة المنظومة العلاجية.

صناعة محلية تتوسع

من جانبه، يرى محمد البهي، مستشار غرفة صناعة الأدوية وعضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، أن صناعة الأنسولين في مصر لا تزال صناعة وليدة، لكنها تخطو خطوات متقدمة نحو زيادة الإنتاج وتوسيع أشكال العبوات لتلبية احتياجات السوق المحلي والتصدير.

ويقول البهي إن مصر تمتلك أكثر من 182 مصنعاً للدواء، وإن أغلبها يعمل بطاقات تسمح بالتوسع السريع وإضافة خطوط إنتاج جديدة عند زيادة الطلب، مؤكداً أن المنتج المصري يتمتع بمستوى من المأمونية يسمح له بالمنافسة والتصدير بعد الحصول على الاعتمادات الرقابية والدولية.

يرى أن تفضيل بعض المرضى للمنتج المستورد يرتبط بعوامل نفسية وبالدعاية الإعلامية، بينما يتركز الاختلاف، بحسب رؤيته، في الشكل الصيدلي وطريقة التغليف، مثل الأقلام والخراطيش، وليس في المادة الفعالة أو مستوى الجودة الرقابية.

توطين الصناعة دون إغفال المريض

يرى رمزي أن تصريحات المسؤولين بشأن الاعتماد بصورة أكبر على المنتج المحلي تستهدف أساساً ترشيد فاتورة الاستيراد وتوجيه الإنتاج المحلي إلى المؤسسات الحكومية والتأمين الصحي، مع الحفاظ على حق المريض في الحصول على المنتج المستورد عندما لا يتوافر بديل مطابق لمادته الفعالة.

ويبدو أن نقطة الالتقاء بين أطراف الجدل هي أهمية توطين الصناعة، بينما يتركز الخلاف حول مدى جاهزية البدائل المحلية لتغطية جميع احتياجات المرضى، وما إذا كان الاستبدال يمكن أن يتم بصورة شاملة أم يحتاج إلى تقييم طبي لكل حالة.

بالنسبة للحاجة زينب، المسألة في النهاية أبسط من كل حسابات الاستيراد والتصنيع. هي تريد فقط أن تحصل على الأنسولين الذي اعتادت عليه، وأن تعرف أن أي تغيير في علاجها لن يتم إلا بعد الرجوع إلى طبيبها.

وفي سوق يعتمد فيه ملايين المرضى على الأنسولين، يبقى التحدي هو تحقيق المعادلة الصعبة بين دعم الصناعة الوطنية وترشيد فاتورة الاستيراد، من دون أن يتحول ذلك إلى قلق لدى المريض بشأن الدواء الذي سيحصل عليه غداً.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

جدل الأنسولين في مصر.. بين توطين الصناعة ومخاوف المرضى من نقص الأقلام الحديثة

كتبت: فاطمة يحيى بالنسبة للحاجة زينب، مريضة السكري، الأنسولين ليس...

منطقة إعلانية