كتبت – فاطمة يحيى
حققت شركات الوساطة في الأوراق المالية طفرةً استثنائيةً في نتائجها المالية خلال السنوات الخمس الأخيرة.
قفزت إيرادات شركات السمسرة بنسبة 353.5% بنهاية عام 2025 لتصل إلى نحو 7.693 مليار جنيه، مقارنة بـ1.696 مليار جنيه فقط في عام 2020.
غير أن طفرة العائدات تطرح تساؤلات جوهرية حول كونها نمواً حقيقياً يعبر عن توسع حجم أعمال القطاع واجتذاب رؤوس أموال جديدة، أم أنها مجرد انعكاس محاسبي لتراجع القوة الشرائية للجنيه أمام العملات الأجنبية، وكيف ستبدو صورة الأرباح عند إعادة تقويمها بالدولار لتقدير حجم النمو الصافي بعيداً عن أثر التضخم؟
مقارنة الأداء المالي
لم تتوقف انطلاقة القطاع مع إغلاق عام 2025، بل واصلت الإيرادات صعودها القوي في الربع الأول من عام 2026، مسجلة 2.3 مليار جنيه، بنسبة نمو 21.7% مقارنة بإيرادات الربع الأول من عام 2025 والبالغة 1.889 مليار جنيه.
نمو حقيقي أم أثر تضخمي؟
تطرح هذه الأرقام القياسية تساؤلاً جوهرياً للتحليل الاقتصادي، فقد ارتفعت الإيرادات بأكثر من 4 أضعاف بين 2020 و2025 نتيجة نمو قيم التداولات اليومية بالجنيه عقب موجات التضخم وتحرير سعر الصرف، حيث تتقاضى شركات الوساطة عمولاتها كنسبة مئوية من إجمالي قيمة الصفقة.
عند تحليل حجم الفارق بين إيرادات عام 2020 والبالغة 1.696 مليار جنيه وإيرادات عام 2025 البالغة 7.693 مليار جنيه، يظهر فارق يتجاوز 5.996 مليار جنيه نمواً في الحصيلة الإجمالية.
إلا أن قراءة الأرقام بمعيار القوة الشرائية وربطها بسعر صرف الدولار تسفر عن دلالات أكثر دقة؛ فقد ارتفعت الإيرادات المجمعة للقطاع مقومة بالدولار من 108.04 مليون دولار في 2020 إلى 158.62 مليون دولار بنهاية 2025، محققة نمواً بنسبة 46.8% ليعبر نسبياً عن معدل نمو أقرب للحقيقة.
هذا يوضح أن جزءاً كبيراً من القفزة الرقمية كان نتاج إعادة تقييم عمولات السمسرة مع انخفاض الجنيه، لكن القطاع حقق أيضاً نمواً حقيقياً ملموساً بنحو 46.8%.
يعكس هذا الفارق أن قفزة الإيرادات بالعملة المحلية بأكثر من 3 مرات لم تكن مجرد أثر تضخمي ناتج عن تراجع الجنيه وارتفاع القيم الاسمية للأسهم المتداولة فحسب، بل اقترنت بالتوازي مع توسع فعلي في حجم النشاط التشغيلي وصعود القيمة الاستثمارية الحقيقية المتداولة داخل السوق المصري.
هذا فضلاً عن النجاح في التحول التكنولوجي لقطاع السمسرة وسهولة الوصول إلى شريحة الأفراد، حيث إن التكنولوجيا المالية والتطبيقات الرقمية للوساطة أسهم بشكل رئيسي في تحفيز الأفراد على دخول البورصة لحماية القوة الشرائية لمدخراتهم.
كيف جذبت “التطبيقات المالية” قاعدة عملاء جديدة؟
من جانبه، أكد هاني حمدي، العضو المنتدب بشركة “مباشر” لتداول الأوراق المالية، أن القفزة القياسية التي شهدتها إيرادات قطاع السمسرة تعكس نمواً حقيقياً في بنية السوق وليست مجرد أثر للتضخم.
أوضح حمدي في حديث مع “إيكونومي بلس” أن المحرك الرئيسي لهذا النمو يتمثل في دخول شرائح جديدة لم تكن موجودة سابقاً، وعلى رأسها فئة الشباب ابتداءً من عمر 15 و16 عاماً، مستفيدين من التعديلات التشريعية التي سمحت بحصولهم على بطاقات رقمية ومزايا الشمول المالي.
تابع: “التطبيقات المالية الذكية، وفي مقدمتها منصة ثاندر التي دخلت السوق المصري منذ عام 2020، لعبت الدور المحوري في نشر الثقافة الاستثمارية وجذب الطلاب والمبتدئين، قبل أن يتحول جزء كبير منهم إلى مستثمرين محترفين تستفيد منهم كافة شركات الوساطة في السوق”.
كما لفت العضو المنتدب بشركة “مباشر” لتداول الأوراق المالية إلى أن هذا الوعي الجديد وجه التداولات نحو أوعية استثمارية آمنة مثل صناديق الاستثمار كبديل للودائع التقليدية، وهو ما انعكس على قفزات التداول اليومية لتسجل 13 و14 مليار جنيه، مع توقعات بزيادة إيرادات شركات القطاع بأكثر من 40% خلال الفترة المقبلة.
جائحة كورونا جذبت مستثمرين للبورصة
من جهته، قال عمرو عبده، العضو المنتدب لشركة “أسطول” لتداول الأوراق المالية، إن الارتفاع المسجل في إيرادات القطاع يعكس تحولاً هيكلياً ونمواً حقيقياً بعيداً عن أثر التضخم.
“السوق المصري شهد تحولاً تدريجياً منذ جائحة كورونا عام 2020، حيث اتجه المستثمرون نحو البحث عن حلول استثمارية رقمية، وهو ما تزامن مع طفرة التكنولوجيا المالية (FinTech) ودعم الهيئة العامة للرقابة المالية والبورصة المصرية لنشر الثقافة الاستثمارية وتسهيل إجراءات فتح الحسابات إلكترونياً”، وفق حديث عبده مع “إيكونومي بلس”.
كما أشار إلى أن القفزة الملحوظة في الإيرادات قابلها ضخ استثمارات ضخمة من قبل شركات السمسرة لتطوير البنية التكنولوجية والتنظيمية وتأمين حسابات العملاء.
في ضوء ذلك، توقع عبده أن تشهد التداولات اليومية قفزات مستقبليّة لتصل إلى مستويات بين 48 و50 مليار جنيه يومياً مقارنة بالمعدلات الحالية، وهو ما يرشح إيرادات قطاع السمسرة للتضاعف بين 3 إلى 4 أضعاف خلال السنوات القليلة المقبلة لتتجاوز حاجز 20 مليار جنيه سنوياً.
يتجاوز متوسط أحجام التداول في الفترة الراهنة حاجز 10 مليارات جنيه يومياً وسط استقطاب شريحة جديدة من المتعاملين الشباب.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا