ملفات

النمور الآسيوية مهددة بالانقراض

الاقتصاد العالمى
تعيش النمور الآسيوية فى أجواء عالمية مغايرة لنشأتها الكبرى خلال النصف الثانى من القرن الماضى حيث وقعت فريسة للصراع التجارى بين الصين وأمريكا بدرجات متفاوتة.
وحققت النمور الأربعة الرخاء دون الرضا عن النفس، والثروة دون الراحة حيث تواجه تايوان وهونج كونج وسنغافورة وكوريا الجنوبية مشاكل اجتماعية معقدة تنبع من نموهم الملحوظ خلال نصف القرن الماضى دون تطوير حقيقى لقبول المجتمع لآثار التكنولوجيا مع وصول تقنيات الجيل الخامس إلى أرض الواقع.
وبدون إعادة اكتشاف مناطق القوة لديها من جديد فإن جهودهم للبقاء على الجبهة ليست مضمونة النجاح بشرط التخلى عن الاعتماد المفرط على التصدير كنواة لنموها. وكانت النمور دائماً جيدة فى تعبئة الموارد بسرعة ولا ينكر أحد أنهم أصبحوا أفضل فى تخصيصها بشكل خلاق ولكن اتساع الفجوة الاجتماعية انعكس فى علامات الاستياء الاجتماعى الأخيرة والبعض منهم يجاهد الآن لحشد الدعم الشعبى بفعالية كما يحدث فى تظاهرات هونج كونج.
ومع تراجع دور الدولة فى قيادة المشروعات بات التكنوقراط الاقتصاديون يقودون الآن من الخلف ليفسحوا المجال إلى رؤساء الشركات لاتخاذ قرارات مصيرية لكن صياغة نموذج للتعاون بين أطراف المصلحة يضمن مستقبلاً رائعاً تستعيد معه النمور الآسيوية حيويتها قبل أن تنقرض.

 غابة من الأزمات تحاصر اقتصادات المنطقة

 تايوان تشتكى أزمة الأجور الراكدة وكوريا الجنوبية تواجه هيمنة الشركات الكبرى سنغافورة تعانى من تدفق العمالة الرخيصة وهونج كونج تواجه الاحتجاجات الشعبية
فتنت النمور الآسيوية الأربعة هونج كونج وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان ذات مرة العالم الاقتصادى من أوائل الستينيات وحتى التسعينيات فقد حققت نمواً مستقراً فوق 10% بفضل الجيل الذى كان يكدح، بينما كان المزارعون والعمال يشاهدون أحفادهم بين أكثر الناس تعليماً على هذا الكوكب.
وبدأت النمور بصنع القمصان القطنية والزهور البلاستيكية والشعر المستعار الأسود وقبل فترة طويلة كانوا ينتجون رقائق الذاكرة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وانتعشت تجارة مشتقات الأسهم.
ولدت هذه الظاهرة أيضاً نقاشاً أكاديمياً عاصفاً حول مصدر نجاحهم ونسبه البعض إلى دور الحكومة واشتعال الأسواق التنافسية.
ثم تحول العالم بعد الأزمة المالية الآسيوية التى دمرت ذلك السحر وأصبحت الصين نجمة التنمية الجديدة، حتى لو كانت إلى حد ما تتبع خطواتهم، ولكن يبدو أن النمور أنفسهم يفقدون خطواتهم حالياً ففى هذا العام تسير أمريكا فى طريقها للنمو بسرعة أكبر من نموهم جميعاً.

ويشير تقرير مجلة “إيكونوميست” إلى أن النمور يعانون من مشاكل مستعصية مثل الأجور الراكدة فى تايوان وهيمنة الشركات الكبرى بكوريا الجنوبية والطبقة الدنيا من العمال المستوردين الرخيصين فى سنغافورة والأكثر تفجراً هى أزمة حكومة هونج كونج التى لن تستمع أو لا تستطيع الاستماع إلى شعبها حيث أصابت الاحتجاجات الشعبية المتواصلة البلاد بالركود الشديد.
ولكن من الخطأ شطب تجربة النمور وآثارها فإلقاء نظرة فاحصة على سجلهم الاقتصادى يدل على أنه بعكس التشاؤم الذى ينتشر فى بعض الأحيان، فإن لديهم الكثير ليفخروا به ويبنوا عليه طفرة جديدة.
ويمكن الإشارة إلى مسار الناتج المحلى الإجمالى للشخص الواحد، المحسوب على أساس تعادل القوة الشرائية فهو مثير للإعجاب، كما تجاوزوا مصيدة الدخل المتوسط المفترض منذ وقت طويل، وستصبح كوريا الجنوبية قريباً النمر الرابع الذى يتفوق على اليابان التى كانت فى يوم ما تخضع لحكمها الإمبراطورى وظلت معلمها الاقتصادى.
وعلى صعيد النضج الاقتصادى، تستحق النمور تجدد الاهتمام فهم يواجهون العديد من نفس القضايا التى تخلق الأزمات فى الغرب مثل السعى لتخفيف عدم المساواة وزيادة الإنتاجية والتعامل مع شيخوخة السكان وتحقيق التوازن فى العلاقات بين أمريكا والصين.
وهناك طبيعة متغيرة لاقتصادات النمور منها أن العديد من مشكلاتها تنتج عن النجاح الاقتصادى وليس الفشل وهم يدافعون بصلابة عن حصتهم فى الصادرات العالمية لسنوات على الرغم من الزيادات المطردة فى تكاليف العمالة والأراضى.
ويكافحون أيضاً لتوسيع صادراتهم بشكل أسرع من الطلب العالمى نفسه، كما وصلوا إلى الحدود التكنولوجية فى العديد من الصناعات، وهذا يجعل المزيد من التحسن أكثر صعوبة فهم لم يعودوا يسعون ليلحقوا بأفضل الممارسات العالمية بل يحاولون إعادة ابتكارها.
وقال لى كوان يو، الأب المؤسس لسنغافورة ذات مرة أن التناغم والاستقرار هما من بين القيم الآسيوية ولايزال النمور يعتزون بهذه الأشياء، لكن العديد من مواطنيهم يرون أن الإنصاف شرط مسبق لكليهما.
وتفسر هذه الملاحظة طموح المواطن المتطور إلى الديمقراطية، حيث يرى البعض بأن السياسة المتعجرفة فى تايوان وكوريا الجنوبية مع قضايا فساد بارزة ووسائل الإعلام الحزبية الشديدة كلها عوامل أعاقت النمو، والفحص الصحيح لسجل النمور يدعم هذه الحجة، وأصبح واضحاً فى هونج كونج أن الافتقار إلى الديمقراطية مسئولية جسيمة، مما يؤدى إلى عدم الرضا وعدم الثقة.
ومن جهة أخرى، باتت حقوق الرفاهة للنمور أيضاً محل جدل فقد كان زعماؤهم يشعرون بالقلق تقليدياً من أن إعادة التوزيع والإنفاق الاجتماعى سوف يستنزفان دوافع شعوبهم للعمل، لكن انعدام الأمن الاجتماعى يهدد بدلاً من ذلك بإضعاف استعداد سكانها لاحتضان التغيير التكنولوجى، ومع تقدم سكان النمور تواجه حكوماتهم أيضاً المزيد من الضغط للإنفاق على المعاشات والرعاية الصحية، وهم بحاجة إلى تخفيف الأعباء الاقتصادية التى تثنى الشباب عن إنجاب الأطفال.
ويجب أن تصبح الدول التنموية المهووسة بالنمو باختصار دول رفاهية صديقة للنمو، وأخيراً، تعتبر النمور مهمة كحبل اقتصادى لبقية العالم ويتعرضون بشكل غير عادى لدورات عالمية عميقة سواء فى التكنولوجيا والتمويل وحتى فى الجغرافيا السياسية.
وتسيطر نمور التصنيع على شرائح ضيقة من سلسلة التوريد التكنولوجية، مع التركيز على التقنيات ورقائق شبكات الاتصالات عالية السرعة للجيل الخامس ومعالجة البيانات الكبيرة.
ووضعت كل من هونج كونج وسنغافورة جسرين ماليين بين الصين والعالم، مما جعلها شديدة الحساسية لنجاح الصين وتعثرها، وتعتمد النمور الأربعة جميعها على الحفاظ على الهدوء الجيوسياسى، حيث تتكيف أمريكا القوة العظمى الحالية مع وجود منافس جديد فى بكين.
وقد يكون من الصعب إدارة هذه الدورات الاقتصادية حتى فى حالة حدوث طفرة يمكن أن يركز الازدهار فى التمويل والتكنولوجيا الثروة فى أيدى عدد قليل مثل صانعى رقائق تشابول فى كوريا الجنوبية أو أباطرة العقارات فى هونج كونج.
وعلى الجانب السلبى تواجه النمور الآسيوية تهديدات ففى نهاية القرن الماضى هزت النمور الأزمات المالية كما أن الطفرة الطويلة فى الطلب على أشباه الموصلات فى الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر قد تحولت مؤخراً مما يضر بكوريا الجنوبية وتايوان، لكن التحدى الجيوسياسى هو الذى يقلقهم الآن فالحرب الباردة الجديدة بين الصين وأمريكا ستهز أسس ازدهار النمور وأمنها.
ورغم كل الاختلافات بين النمور، هناك الكثير من القواسم المشتركة بينهما فهم من بين أكثر اقتصادات العالم التجارية انفتاحاً رغم كل التقلبات التى تنطوى عليها اقتصاداتهم، ونجحوا فى الحفاظ على معدلات عالية من العمالة والادخار، حتى مع تحسن مستويات معيشتهم.
استدامة النمو.. الصادرات وحدها لا تكفى
 الحروب التجارية بين أمريكا والصين تضر بالدول الأكثر انفتاحاً  %10 نصيب النمور من الصادرات العالمية خلال 20 عاماً مضت
تضحك «بونى تو» حيث اكتشفت للتو قبعة حمراء بشعار «إجعل أمريكا دولة عظمى مرة أخرى» والتى تركها زميل على مكتبها على سبيل النكتة.
وتعترف رئيسة شركة «جينت» أكبر مصنع للدراجات فى العالم بأنها ليست من محبى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب التى تسببت تعريفاته الجمركية فى رفع تكاليف سلاسل التوريد الخاصة بها.
وقالت «بونى تو» إن الأمر يشبه ضريبة على ركوب الدراجات التى تعد أهم نشاط صحى فى العالم.
ورداً على ذلك خفضت الشركة الإنتاج فى الصين وزادت منه فى تايوان فلم يكن لديهم خيار كما قالت رئيسة «جينت”.
وعادت عشرات الشركات إلى تايوان مؤخراً بما فى ذلك «كامبل» الشركة المصنعة للكمبيوتر وشركة «دلتا» للإلكترونيات مورد مكونات الطاقة وشركة «لونج تشن» لإنتاج الورق.
وفى عام 2018 أطلقت حكومة تايوان مكتب «Invest Taiwan»، حيث وعدت بتقديم قروض منخفضة التكلفة لتغطية نفقات نقل الشركات وقبلت بالفعل طلبات أكثر من 150 شركة.
كل هذا قد يجعل الأمر يبدو كما لو أن تايوان استفادت من الحرب التجارية، كما اكتسبت سنغافورة وكوريا الجنوبية حصة سوقية فى أمريكا على حساب الصين، لكن سيكون من الخطأ الاستنتاج بأن الحرب التجارية جيدة للنمور عموما فهذا مؤلم لأى اقتصاد منفتح.
وتعطل الحروب التجارية 3 أشياء يعتمدون عليها بشكل وثيق هى: نظام تجارى عالمى مفتوح، وشبكات الإنتاج فى آسيا وأكبر أسواقها الصين.
ولفت تقرير مجلة «إيكونوميست» النظر إلى تحليل خبراء فى «جولدمان ساكس» لأداء 13 اقتصاداً فى آسيا نسبة إلى إمكاناتها هذا العام واحتلت النمور الآسيوية الأربعة القاع من أصل 5 فى نهاية القائمة.
ويجب أن يزعجهم الاحتكاك التجارى وهو أمر طبيعى فبعد كل شىء، كانت الصادرات فى صميم نجاحهم بعد الحرب.
وبدأت كوريا الجنوبية بالصفيح والخشب والمنسوجات، واستفاد المصدرون من الائتمان الرخيص والإعفاءات من رسوم الاستيراد وانخفاض قيمة «الوون» فى عام 1964 ومن المفارقات أن الولايات المتحدة الأمريكية حثتها على ذلك.
ومن فبراير 1965 وحتى اغتياله فى عام 1979، حضر الرئيس «بارك تشونج هى» كل اجتماع شهرى تقريباً للجنة ترويج الصادرات فى البلاد، وأخذ عينات من المنتجات وحشد رجال الأعمال على مائدة الغداء.
ولقد بكى عندما تجاوزت صادرات كوريا الجنوبية 100 مليون دولار فى عام 1964، وأعلن عطلة وطنية تعرف باسم «يوم التصدير» وأعيدت تسميته فيما بعد «يوم التجارة”.
وغالباً ما ينظر إلى سنغافورة وهونج كونج على أنهما من رواد الأعمال، لكنهما أيضاً كانوا مثالاً على التصنيع كثيف العمالة، ولبعض الوقت، فى السبعينيات، كانت هونج كونج أكبر منتج للألعاب فى العالم.
وعندما أصبحت سنغافورة مستقلة فى عام 1965، وضعت نفسها كقاعدة للإنتاج وكان التنافس مع هونج كونج منذ البداية حيث كانت إحدى أولى المصيدات الكبيرة فى سنغافورة هى شركة «جنرال إلكتريك”.
وعلى الرغم من أن النمور ازدادت ثراء، ظلت الصادرات جزءاً من الحمض النووى لنهضتها، وأصبحت شركاتهم أكثر تطوراً بمرور الوقت، وحفزتهم حكوماتهم التى غالباً ما كانت تحفز الصناعين الطموحين.
وفى كوريا الجنوبية، بعد عقد من النجاح فى الصناعة الخفيفة، شجع المسئولون صناعات أثقل، مثل صناعة السفن والمواد الكيميائية.
وأنشأت تايوان مجمعات علمية للصناعات المتقدمة من الإلكترونيات الضوئية وأشباه الموصلات، وأنشأت سنغافورة مجلس الكمبيوتر الوطنى عام 1981 لتدريب العاملين فى مجال التكنولوجيا الفائقة.
وفقد الكثير من العالم قوته أمام الصين على مدار العشرين عاماً الماضية ومع ذلك ظلت حصة النمور من صادرات البضائع العالمية ثابتة عند %10 وشهدت اليابان، معلمها السابق، انخفاض حصتها إلى أقل من %4 أى نصف ما كانت عليه فى عام 2000.
ومثلهم مثل غيرهم من الاقتصادات الغنية نقلوا الكثير من الصناعات التحويلية الأساسية إلى الصين والأكثر شهرة هى «Foxconn» شركة الإلكترونيات التايوانية المعروفة الآن باسم المجمع الرئيسى لأجهزة «iPhone» والتى افتتحت أول مصنع لها فى الصين عام 1988 وبعد 30 سنة توظف حوالى مليون شخص هناك.
ومن ثم تحركت النمور فى اتجاه المنبع حيث ركزت كوريا الجنوبية على مجالات جديدة وهى أكبر صانع لرقائق الذاكرة فى العالم وتمتلك تايوان أكبر قدرة على تصنيع أشباه الموصلات، ونتيجة لذلك يمثل كل منهم أكثر من %12 من الطلب النهائى للصين على المنتجات الإلكترونية وأجهزة الكمبيوتر، أى ضعف ما يمثله أى شريك تجارى آخر.
ومع تجمع الشركات فى الصين، أصبحت آسيا ككل منطقة تصنيع أكثر قوة وأصبحت حصتها من التجارة العالمية كبيرة وارتفعت مبيعات قطع الغيار والمكونات من %19 إلى %30 بين عامى 2000 و2016.
ويعتبر البر الرئيسى للصين موطناً لأربعة من أكثر موانئ الحاويات ازدحاماً فى العالم وفى مقدمتها سنغافورة وهونج كونج.
وعززت كل من سنغافورة وهونج كونج دورهما كمركزين لإدارة «مصنع آسيا» واختارت أكثر من 4 آلاف شركة سنغافورة كمقر إقليمى، وغالباً ما يكون ذلك للإشراف على نشاط جنوب شرق آسيا.
ويوجد فى هونج كونج أقل من ذلك، حيث تضم ما يقرب من 1500 مقر لكنها كانت أكثر نجاحاً من سنغافورة فى جذب الشركات الصينية إلى البورصة، وتبلغ قيمة سوقها المالى أكثر من 4 تريليونات دولار فيما تبلغ قيمة سوق سنغافورة 700 مليار دولار تقريباً.
وتهدف الحرب التجارية الأمريكية إلى إلحاق الأذى بالصين، لكن النمور، من نواح كثيرة، أكثر عرضة للأضرار لأنها أصغر حجماً وأكثر انفتاحاً.
وفى الصين، تبلغ قيمة الصادرات حوالي 20% من الناتج المحلى الإجمالى وفى كوريا الجنوبية %45 وتايوان، %65.
وفى تمزيق سلاسل التوريد، تشكل تكتيكات ترامب خطراً خاصاً على نموذج صناعة النمور العالمى لأنها لا تزال تعتمد اعتماداً كبيراً على مدخلات إنتاج من بلدان أخرى كما أنها تخدم مجموعة من العملاء بعضهم لا يثق بهم الأمريكيون.
وتنتج المسابك التايوانية رقائق لأكبر الشركات الأمريكية وأيضًا لشركة هواوى عملاق الاتصالات الصينى التى يتهمها الأمريكيون بالتجسس.
النمور الآسيوية لديها عدة خيارات، أولها تنويع عملائها ومنتجاتها ولطالما دفعت تايوان شركاتها لاستكشاف الأسواق الناشئة بخلاف الصين.
وتحرص حكومة كوريا الجنوبية على الترويج لمجموعة واسعة من المنتجات وخلال «يوم التجارة» الأخير، أشاد الرئيس «مون جاى» فى كوريا الجنوبية بصناعات جديدة مثل السيارات الكهربائية والروبوتات.
واستجابة أخرى هى محاولة تصحيح أمر التجارة العالمية، فقبل عام 2000، كانت النمور طرفاً فى 5 اتفاقيات تجارية إقليمية فقط؛ ولقد انضموا إلى 49 آخرين.
وكانت سنغافورة منشئ كل من شراكة عبر المحيط الهادئ وهو اتفاق تجارى يهدف فى السابق للانضمام إلى أمريكا واليابان وعشرة بلدان أخرى مطلة على المحيط الهادئ ومنافسها المفترض، والشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية، التى تضم الصين، كما أنها من بين الدول التى تعمل على التوصل لحل وسط بين الصين وأمريكا من شأنه أن يحافظ على عمل منظمة التجارة العالمية.
لكن النمور ليس لديهم القدرة على تفادى الصدام الصينى الأمريكى الكامل، فهونج كونج هى الأكثر عرضة للخطر ويتم تمييزها فى القانون الأمريكى، الذى يعاملها كإقليم جمركى منفصل عن بقية الصين.
وهذا يعنى أنها ليست مقاتلة فى الحرب التجارية، لكن يبدو أن بعض الشركات تستغل هذا الأمر، حيث تقوم بتوجيه البضائع عبر وسطاء هونج كونج لخفض التعريفات التى يواجهونها، وربما تشدد أمريكا من فحصها للبضائع من المدينة لمنع هذا التحايل.
اقتصادات المنطقة تتحول إلى التكنولوجيا بدلاً من الصناعات التقليدية
مجالس إدارات الشركات الكبرى مسئولة عن القرارات العملاقة
 إنتاجية قطاع الخدمات الآسيوى تتفوق على نظيرتها فى أمريكا
فى عملية قاتلة ودموية بشكل غير محتمل حدثت فى سنغافورة خلال الشهر الماضى، صعد جاك و49 على متن طائرة وتوجهوا بالمظلات إلى جزيرة.. كانت مهمتهم بسيطة: القتل أو القتل.
التقط جاك قنابل يدوية واستمر فى طريقه إلى مصنع مهجور، جثم على ركبتيه من أجل الأمان، معتقداً أنه هرب من الكشف، كان على خطأ فبعد هبوب عاصفة من الرصاص سقط فى صمت، فشل جاك مرة أخرى فى اجتياز المستوى الأول.
مرحباً بك فى لعبة “Free Fire” واحدة من أكثر ألعاب القتال تحميلاً لهذا العام طورتها شركة “سى جروب” وهى شركة إنترنت تأسست فى سنغافورة قبل عقد من الزمان، وتبلغ قيمتها الآن 17 مليار دولار.
وبالإضافة إلى لعبتها الرائعة، تمتلك المجموعة أيضاً تطبيقا ًللتجارة الإلكترونية، وهو “Shoppee” الأكثر شعبية فى دول جنوب شرق آسيا مقارنة بشركة أمازون لكن يبقى نجاحها انعكاساً لتحول مهم فى اقتصادات النمور.

وخلال سنوات ازدهارها كانت العديد من أكبر شركاتها نتاجاً لسياسة الحكومة فى حين حققت كوريا الجنوبية طفرة بسلسلة من تخفيضات ائتمانية وضريبية وكان أبطال أشباه الموصلات فى تايوان يرتكزون على مؤسسة أبحاث رسمية.
وأقام أباطرة هونج كونج علاقات وثيقة مع المسئولين واستفادوا من سياسات متعلقة بالأراضى بينما كانت أكبر الشركات فى سنغافورة مملوكة للدولة فى النهاية، ومثلت شركة “سى جروب” نموذجاً مختلفاً بفضل نجاحها غير المرتبط بشكل مباشر بسياسة الحكومة.
ويفترض أن التكنوقراطيين فى سنغافورة، مؤلفى العديد من المخططات الاقتصادية التفصيلية، لم يحلموا أبداً بلعبة قتال متعددة اللاعبين تضم شخصيات مثل ملكة جمال تحولت إلى تاجر أسلحة، وكانت السياسة الصناعية عاملاً كبيراً فى صعود النمور، حتى صندوق النقد الدولى الذى كان تقليدياً مشككاً فى خططهم، نشر ورقة مطولة هذا العام حول نجاح النماذج التى تقودها الحكومة.
ولكن ما يصلح لدولة نامية لا يساعد بالضرورة دولة ثرية، وفى السبعينيات، كان بإمكان النمور أن تتبع الآخرين حيث تركز كوريا الجنوبية على الصناعة الثقيلة المستعارة من اليابان ويمكنهم أيضاً ترخيص التكنولوجيا المتقدمة، كما فعلت تايوان فى قطاع أشباه الموصلات، ويمكنهم صيد الباحثين النابهين.
وعندما يتطلع المسئولون ورجال الأعمال إلى المستقبل، فإنه يبدو ذكياً ويحتاج إلى تطوير استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعى أو الحوسبة الكمية، ولكن كيف؟ لا توجد تقنية للنسخ لأنها لم يتم إنشاؤها بعد، فالابتكارات الحقيقية من الصعب بطبيعتها اكتشافها مسبقاً، وبالتالى فإن اللعبة تدور حول تهيئة الظروف المناسبة للشركات للمضى قدماً والاستفادة من الاختراقات عند وصولها.

قد تبدو خطط النمور هذه الأيام وكأنها سياسات صناعية قديمة الطراز، الرئيس تساى إنج ون فى تايوان لديها “5 + 2 خطة الصناعات المبتكرة”، وتتطلع إلى دعم القطاعات مثل الطاقة الخضراء والآلات الذكية، ويوجد فى سنغافورة 23 خريطة لتحويل الصناعة، تغطى كل شئ بدءاً من تصنيع المواد الغذائية وحتى صناعة الطيران.
وتهدف كوريا الجنوبية إلى استثمار 30 تريليون وون “أكثر من 25 مليار دولار” على مدى 5 سنوات فى 8 صناعات ناشئة، من الذكاء الاصطناعى إلى المركبات ذاتية التحكم، لكن النظر بشكل أوثق قليلاً يجعل الفرق مع مخططات الأمس واضحاً، هذه ليست تمارين من أعلى إلى أسفل فى التخطيط بل هى نتيجة للمداولات مع الشركات والخبراء، والهدف من ذلك هو عدم التوصية بإعانات لهذا القطاع أو ذاك بل للعمل على تحديد لبنات البناء المطلوبة، ويقول جابرييل ليم، السكرتير الدائم لوزارة التجارة والصناعة فى سنغافورة، إن عملية تطوير الخطة كانت بنفس أهمية المنتج النهائى.
وبعض العناصر واضحة وفى مقدمتها بنية تحتية جيدة من موانئ وإنترنت إلى الانفتاح على التجارة والقوى العاملة المتعلمة تعليماً عالياً وارتفاع الإنفاق على البحث والتطوير، لكن النمور لديها أيضاً طرق مستحدثة لتعزيز الابتكار.
وتمتلك تايوان أحد أقوى الأطر فى العالم لتشجيع الإقراض للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم (SMES)، وهى أنواع الشركات التى لديها أفكار ولكن مواردها قليلة.
ويجمع ذلك بين نظام مركزى لتبادل المعلومات حول أداء الشركة مع قائمة من ضمانات الائتمان، مما يمنح البنوك المزيد من الثقة.
ويقول لى تشانج كين، رئيس “كاثى فاينانشال هولدينجز”، أكبر مجموعة مالية فى تايوان، إنه عندما يشرح نظامهم للمصرفيين فى الدول الأخرى، يمكنه أن يرى “لعابهم يسيل”.
وتمثل القروض المقدمة للشركات الصغيرة والمتوسطة الآن %64 من القروض المصرفية للمؤسسات الخاصة فى تايوان، ارتفاعًا من %41 فى عام 2005.
وقد أنشأت سنغافورة مصنعاً كبيراً للعروض التوضيحية يتيح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الوصول إلى أحدث المعدات ثلاثية الأبعاد للطباعة والروبوتات، وتوجد تسهيلات مماثلة فى هونج كونج فإذا كان صاحب المشروع لديه فكرة رائعة فلم يعد هناك صعوبة فى الحصول على التمويل.
ومع ذلك، فإن النمور تعرف أيضاً حدودها ويتم اتخاذ القرارات الكبيرة هذه الأيام فى مجالس إدارة الشركات وليس قاعة اجتماع الحكومة فمثلاً الرهان فى سامسونج على شاشات قابلة للطى واستثمارات أشباه الموصلات الضخمة فى تايوان وظهور الشركات الناشئة مثل “سى جروب” فى سنغافورة وسعى بورصة هونج كونج للبقاء فى السوق المالية الأولى فى آسيا.
وبدأت النمور أيضاً فى التركيز على أجزاء من اقتصاداتها التى لاتزال بعيدة وراء الحدود التكنولوجية، وعلى الرغم من ميلها للتصنيع، فإن إنتاجيتها فى قطاع الخدمات تزيد قليلاً عن نصف إنتاجية أمريكا وفقاً لبعض التقديرات.
وتعتبر سنغافورة الأكثر جرأة فى محاولة توحيد قطاع الخدمات فيها من المطاعم إلى شركات البناء، ومن خلال مقاييس محددة ترصد الشركات الواعدة وتقدم لها المساعدة مثل تطوير خطط أعمال جديدة أو توجيهها إلى الخارج للتوسع.
ويعتقد إدوارد روبنسون، كبير الاقتصاديين فى سلطة النقد بسنغافورة، أنه يجب أن تتمتع الدول الآسيوية الغنية بميزة فى تحديث قطاعات الخدمات لديها.
وبالنظر إلى أن الكثير من أفرادهم مدربون على أعمال التكنولوجيا الفائقة، فإنهم فى وضع جيد لنشر الأدوات الرقمية لخدمة السكان بشكل أكثر كفاءة.
وفى “هواسيونج” على بعد 35 كيلومتراً إلى الجنوب من “سول” تتمتع قرية تم بناؤها حديثًا بسرعات شبكة 5G ستكون موضع حسد من أى مدينة، وسيجد الزوار وسائل الراحة الأساسية الأخرى، مثل المدرسة وغسيل السيارات ومطعم يقدم أقدام الدجاج.
لكن خشية أن تبدو جذابة للغاية، يجب تحذيرك: المبانى كلها مزيفة، وتُستخدم المدينة المزيفة التى بناها المعهد الكورى لاختبار السيارات ذاتية الحكم، مثل سيارة كيا التى أكملت حلبة كاملة بنجاح بعد ظهر أحد الأيام. ووصلت السيارة بسرعة تصل إلى حوالى 70 كيلومتراً فى الساعة، وتعاملت مع ومضات من أشعة الشمس المبهرة وعلامات الطرق التى يمكن أن تخلط بين رؤية الكمبيوتر.
وتمتلك كوريا الجنوبية بعضاً من أفضل البنية التحتية فى العالم للسيارات ذاتية الحكم، بما فى ذلك صناع الرقائق وصانعى السيارات من الطراز العالمى، فضلاً عن شبكة الجيل الخامس، وتسمح الحكومة الداعمة بإجراء اختبارات على الطرق الحقيقية للمركبات التى تثبت نفسها فى مواقع الاختبار.
الأكثر مشاهدة

الاقتصاد العالمى بانتظار ركود جديد رغم التوقعات المتفائلة بعد الإعلان عن لقاح «كورونا»

بيانات «بلومبرج إيكونوميكس» تشير إلى تراجع مزدوج الأرقام فى الناتج...

بنك القاهرة مشارك رئيسي في معرض CAIRO ICT 2020 بباقة من خدماته ومنتجاته الرقمية

يشارك بنك القاهرة فى فعاليات معرض القاهرة الدولي للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات «Cairo...

منطقة إعلانية