رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
مقالات

حتمية تحرر الاقتصاد المصري من عقدة سيزيف ولانهائية برامج الإصلاح المتكررة

بقلم: أ.د. أنور محمود النقيب

أستاذ السياسات الاقتصادية والتمويل

كلية العلوم الإدارية – أكاديمية السادات

في الأسطورة الإغريقية، عاقبت الآلهة سيزيف بأن يعيش حياة أبدية في عمل غير مجدٍ، ألا وهو دحرجة صخرة صعودًا إلى جبل حتى تعود للتدحرج نزولًا من جديد، مرارًا وتكرارًا، وبلا نهاية. ولم تكن مأساة سيزيف في ثقل الصخرة وحده، وإنما في عدم فاعلية الجهد؛ عمل شاق ومتكرر، ينتهي دائمًا إلى النقطة التي بدأ منها. ولعل هذه الصورة هي الأقرب إلى وصف مسار الإصلاح الاقتصادي في مصر خلال العقود الأربعة الماضية. فالمشكلة لم تعد في وجود أزمات اقتصادية من وقت إلى آخر؛ فهذا أمر طبيعي في حياة الاقتصادات. المشكلة أن الاقتصاد يعود بصورة متكررة إلى الأعراض نفسها، فتظهر الحاجة من جديد إلى برنامج إصلاح، ثم برنامج آخر، ثم ثالث، وكأن كل برنامج يعالج الأزمة السابقة دون أن يمنع الأزمة التالية.

وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: لماذا تتحول برامج الإصلاح في مصر من وسيلة للانتقال إلى اقتصاد أكثر قدرة على النمو إلى آلية دورية لإدارة الأزمات؟ ولماذا لا تنجح الدولة في الوصول إلى النقطة التي يصبح فيها الإصلاح جزءًا من بنية الاقتصاد، وليس برنامجًا استثنائيًا يُستدعى كلما اشتدت الضغوط؟ فالاقتصادات لا تحتاج، في الأصل، إلى برامج إنقاذ متكررة. قد تحتاج إلى إصلاحات مستمرة، لكنها لا يفترض أن تعود بصورة دورية إلى نقطة الصفر. والدول التي نجحت في التحول الاقتصادي لم تكن تلك التي تجنبت الإصلاحات المؤلمة، وإنما تلك التي استخدمت لحظة الأزمة لإعادة بناء نموذجها الاقتصادي بحيث لا تعود إلى الأزمة نفسها.

وعند النظر إلى التجربة المصرية، تبدو المشكلة أكثر وضوحًا. فمنذ بداية التسعينيات، توالت محطات الإصلاح الكبرى، وكان القاسم المشترك بينها أن الإصلاح جاء غالبًا بعد تفاقم الاختلالات، وليس قبلها. ففي عام 1991 دخلت مصر برنامج التعديل الهيكلي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، في أعقاب أزمة ديون واختلالات مالية وخارجية حادة. وشملت الإجراءات تحرير أسعار الفائدة وسعر الصرف، وضبط المالية العامة، وإعادة هيكلة الدعم، والخصخصة. وقد نجح البرنامج في استعادة قدر مهم من الاستقرار النقدي والمالي، لكنه لم يتحول بالقدر الكافي إلى نقطة انطلاق لبناء قاعدة إنتاجية وتصديرية قادرة على تغيير هيكل الاقتصاد.

ثم جاءت مرحلة جديدة في منتصف العقد الأول من الألفية، مع الإصلاحات المصرفية والمالية التي بدأت بصورة أكثر وضوحًا منذ عام 2004، والتي شملت إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ومعالجة أوضاع البنوك المتعثرة، وإصلاح النظام الضريبي والجمركي، وإتاحة مساحة أكبر للسوق والقطاع الخاص. وأسهمت هذه الإصلاحات، إلى جانب ظروف دولية مواتية، في تحقيق معدلات نمو مرتفعة تجاوزت 7% في بعض السنوات. إلا أن ارتفاع معدل النمو لم يكن كافيًا لإحداث التحول الهيكلي المطلوب؛ إذ ظل جانب معتبر منه قائمًا على الطلب المحلي والاستثمار العقاري والمالي والخدمات، دون أن يتحول بصورة كافية إلى نمو تقوده الإنتاجية والصناعة والتصدير.

ثم جاءت محطة نوفمبر 2016، وهي الأكثر شمولًا ووضوحًا في استخدام أدوات الإصلاح الكلي، مع برنامج تمويل بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي. وكان تحرير سعر الصرف، وإعادة هيكلة دعم الطاقة، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة، وضبط المالية العامة، ورفع أسعار الفائدة، من أهم عناصر البرنامج. وقد نجحت الإجراءات في إعادة بناء قدر من التوازن الخارجي واستعادة الاحتياطيات وجذب تدفقات مالية كبيرة، كما ساعدت على تحسين بعض مؤشرات الاقتصاد الكلي. لكن النجاح في استعادة الاستقرار الكلي لم يتحول بالسرعة الكافية إلى تغيير جوهري في هيكل الإنتاج، وظل الاقتصاد عرضة للضغوط الخارجية نفسها التي كان يفترض أن يكون الإصلاح قد خففها. ومع توالي الصدمات الخارجية ــ من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، ثم اضطرابات المنطقة وحرب غزة والتوترات الإقليمية ــ عادت الضغوط على العملة الأجنبية والمالية العامة والديون والتضخم. ومرة أخرى ظهر الاقتصاد أمام الحاجة إلى الدعم الخارجي وإعادة ترتيب الاختلالات، في مشهد يكاد يعيد إنتاج الحلقة ذاتها.

واليوم، ومع اقتراب نهاية البرنامج الحالي مع صندوق النقد الدولي، والاستعداد لمرحلة ما بعده، تبرز فرصة مختلفة؛ هل تكون المرحلة المقبلة برنامجًا جديدًا لإدارة الأزمة، أم بداية فعلية لإنهاء الحاجة إلى برامج الإنقاذ المتكررة؟ هذه ليست مسألة فنية بسيطة، وهنا تكمن العقدة الحقيقية. إن استقرار الاقتصاد المصري لا يمكن أن يستمر إذا كان يعتمد بصورة أساسية على إدارة ندرة العملة الأجنبية، بدلًا من زيادة القدرة على توليدها. فالفارق جوهري بين اقتصاد يعالج عجزه الخارجي بخفض الاستيراد والطلب، واقتصاد يعالجه بزيادة الإنتاج والتصدير. الأول يستطيع شراء الوقت؛ أما الثاني فيغير قواعد اللعبة. ومن ثم، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من سؤال: كيف نخفض الطلب على الدولار؟ وإنما من سؤال أكثر عمقًا: كيف نجعل الاقتصاد المصري ينتج مزيدًا من الدولارات بصورة مستدامة؟

وهذا يقود مباشرة إلى الصناعة والزراعة والخدمات القابلة للتصدير. فالسياحة، وقناة السويس، وتحويلات المصريين في الخارج، رغم أهميتها الاستراتيجية، تظل مصادر مهمة للعملة الأجنبية، لكنها شديدة التأثر بالعوامل الخارجية والجيوسياسية. كما أن تدفقات الاستثمار في أدوات الدين والأموال الساخنة قد توفر تمويلًا سريعًا، لكنها لا تمثل قاعدة إنتاجية مستقرة؛ لأنها تستطيع الدخول بسرعة والخروج بسرعة أكبر. أما الاستثمار الأجنبي المباشر في الصناعة والخدمات التصديرية والزراعة الحديثة واللوجستيات والتكنولوجيا، فهو مختلف نوعيًا؛ لأنه لا يوفر رأس المال فقط، بل يخلق طاقة إنتاجية جديدة، وسلاسل توريد، وفرص عمل، ومعرفة، وقدرة تصديرية تستمر بعد انتهاء التدفق المالي الأول.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تتكرر الأزمة المصرية رغم تنفيذ برامج إصلاح متعددة؛ لأن جزءًا كبيرًا من الإصلاح كان يستهدف استعادة التوازن المالي والنقدي أكثر مما يستهدف إعادة تشكيل القدرة الإنتاجية للاقتصاد. حيث إن علاج العجز المالي من دون علاج جذور ضعف الإنتاجية قد يؤدي إلى تخفيض العجز اليوم، لكنه لا يمنع عودته غدًا. وخفض الواردات قد يحسن ميزان المدفوعات مؤقتًا، لكنه لا يزيد القدرة التنافسية للصادرات. ورفع أسعار الفائدة قد يساعد في كبح الطلب والتضخم، لكنه إذا استمر لفترات طويلة قد يرفع تكلفة رأس المال ويضعف الاستثمار الخاص والإنتاج. وخفض قيمة العملة قد يحسن القدرة التنافسية نظريًا، لكن أثره سيكون محدودًا إذا كانت الصناعة نفسها تعتمد بصورة كبيرة على مدخلات مستوردة.

وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية، حيث لا يمكن بناء اقتصاد تصديري بمجرد خفض سعر العملة إذا كان انخفاض العملة نفسه يرفع تكلفة الإنتاج بسبب الاعتماد على الواردات. ولهذا فإن الإصلاح الهيكلي الحقيقي يجب أن ينتقل من التعامل مع الاقتصاد باعتباره مجموعة من المؤشرات الكلية إلى النظر إليه باعتباره شبكة من القطاعات وسلاسل القيمة والإنتاجية والاستثمار. فالسؤال لم يعد فقط: كم يبلغ العجز؟ وكم يبلغ سعر الصرف؟ وكم حجم الاحتياطي؟ وإنما: كم تنتج مصر محليًا؟ وما نسبة المكون المحلي في الصناعة؟ وما قدرة الشركات المصرية على التصدير؟ وما حجم الاستثمار الخاص الجديد؟ وكم وظيفة إنتاجية عالية القيمة يتم خلقها؟ وما مقدار القيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد؟ وما مدى قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات دون اللجوء مجددًا إلى التمويل الخارجي؟ هذه هي المؤشرات التي ينبغي أن تحدد نجاح البرنامج الاقتصادي القادم.

لكن لا يمكن بناء اقتصاد سليم بسياسة نقدية تحاول علاج اختلالات صنعتها السياسة المالية. فحين يتضخم العجز والدين، تتحول أسعار الفائدة المرتفعة من أداة لمكافحة التضخم إلى جزء من المشكلة، ويصبح البنك المركزي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أسيرًا لاحتياجات تمويل الخزانة وخدمة الدين. هنا تتجسد الهيمنة المالية (Fiscal Dominance)، أي إن المالية العامة تفرض شروطها على السياسة النقدية. ولذلك، فإن خفض الفائدة واستقرار العملة وكبح التضخم لن تتحقق بقرارات نقدية منفردة، بل بإصلاح أصل المشكلة؛ عجز مزمن، ودين مرتفع، وتمويل مكلف، واقتصاد لا يولد ما يكفي من الموارد لتمويل احتياجاته.

ومن هنا، فإن برنامج ما بعد الصندوق يجب ألا يكون مجرد “برنامج استقرار” آخر، بل برنامج “تحول اقتصادي”. والفارق بين الاثنين جوهري. برنامج الاستقرار يسأل: كيف نمنع الأزمة الحالية؟ أما برنامج التحول فيسأل: كيف نمنع الأزمة القادمة؟ الأول يتعامل مع السيولة، وسعر الصرف، والعجز، والتضخم، والديون. أما الثاني فيضيف إليها أسئلة الإنتاجية، والتصنيع، والتصدير، والاستثمار الخاص، وسلاسل القيمة، ورأس المال البشري، والتكنولوجيا، والمنافسة، وكفاءة تخصيص الموارد.

وبالتالي، فإن نجاح البرنامج الوطني القادم لا ينبغي أن يقاس فقط بمدى حصول مصر على شهادة رضا من المؤسسات الدولية، ولا بحجم التمويل الذي يمكن توفيره، ولا بمجرد استقرار سعر الصرف لفترة من الزمن. المعيار الحقيقي هو ما إذا كان الاقتصاد المصري بعد خمس أو عشر سنوات لن يحتاج إلى برامج الإنقاذ. وهنا تحديدًا ينبغي أن تكون نهاية 2026 نقطة تحول، لا مجرد تاريخ جديد في أجندة برامج الإصلاح.

فمأساة «سيزيف» المصرية ليست ثقل الصخرة، بل تكرار دفعها بالطريقة نفسها وانتظار نتيجة مختلفة. لقد أثبتت مصر قدرتها على تنفيذ الإصلاح الصعب عند وقوع الأزمة؛ والتحدي الآن هو تحويل الأزمة إلى تغيير دائم في بنية الاقتصاد. والسؤال الحقيقي بعد الصندوق ليس: ما البرنامج الجديد؟ بل: ماذا يجب أن يتغير حتى لا نحتاج إلى برنامج إنقاذ جديد بعد عشر سنوات؟

وإذا نجح البرنامج الوطني القادم في الإجابة عن هذا السؤال، فستكون مصر قد خرجت أخيرًا من منطق «سيزيف»، من اقتصاد يدور بين الأزمة والإصلاح، إلى اقتصاد يتعلم من الأزمة ويغير بنيته بعدها. أما إذا ظل الإصلاح محصورًا في سعر الصرف، والفائدة، والدعم، والضرائب، والتمويل الخارجي، فسوف تنجح الدولة مرة أخرى في دفع الصخرة إلى أعلى الجبل، وربما تصل بها إلى القمة. لكن لن تبقى الصخرة هناك، بل سوف تتدحرج من جديد.

 

الآراء والأفكار والتحليلات الواردة في المقالات المنشورة تعبّر عن وجهة نظر كُتّابها فقط، ولا تمثل بالضرورة رأي أو توجه المؤسسة أو إدارة التحرير.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

الأكبر منذ 15 شهرا.. “المركزي” يسحب سيولة من البنوك بـ499.8 مليار جنيه

كتبت: ندى عادل سحب البنك المركزي المصري، اليوم الثلاثاء، 499.84...

منطقة إعلانية