مقالات

العريان: اقتصاد الصين لن يتعافى سريعا من “كورونا”

قال الخبير الاقتصادي العالمي محمد العريان، إنه في الوقت الذي تكافح فيه السلطات الصينية، لاحتواء تفشي فيروس كورونا، تجسد الأسواق التأثير الاقتصادي في الصين كحرف “V”، وهو يعني تراجع حاد في النمو خلال الربع الجاري يليه انتعاشة قوية في الربع الثاني.
ونتيجة لذلك، جادل الكثيرون بأن أفضل نهج تحليلي هو “إلقاء نظرة عابرة” على الأزمة واعتبار تأثيرها الاقتصادي قابل للاحتواء ومؤقت ويمكن عكسه.
ويضيف العريان، وهو المستشار الاقتصادي لمجموعة “أليانز”، ورئيس كلية “كوينز” بجامعة كامبريدج، في مقاله نشرته وكالة أنباء “بلومبرج”، اليوم الأحد، “بالتأكيد أتمنى أن يكون ذلك صحيحا، فالاقتصاد العالمي، وبالأخص تلك الدول التي تعاني من آليات نمو اكثر هشاشة، لا يتحمل صدمة كبيرة لديها أثار مرتدة مؤسسية وجيوسياسية معاكسة، ولسوء الحظ، من المبكر للغاية إعلان بثقة ان الأحداث ستتطور على شكل “v” المأمول بشدة”.
وبالنظر إلى ما وصفتهُ بآليات التوقف المفاجيء المتتالية نتيجة الفيروس سواء في الصين أو خارجها، فإن خطورة تطور الاحداث على شكل “U” أو “L” في عام 2020 لا تزال أكبر من أن يتم تجاهلها.
ومما يجعل الآفاق الاقتصادية للصين غير أكيدة بشكل خاص هو الطبيعة متعددة الأوجه لهذه الصدمة، فهي، على سبيل المثال، تتضمن تعطلات حساسة لجانبي العرض والطلب، والتي من شأنها التاثير على القطاعي التصنيعي والخدمي على حد سواء، كما أنها تضر بالتجارة الداخلية والخارجية.
وعلى الأرض، ظهر ذلك من خلال آليات توقف مفاجيء اقتصادية، ففي البداية كانت مركزة على المقاطعة التي انتشر فيها الفيروس، وكانت النتيجة توقف في النشاط الاقتصادي سواء الإنتاج أو الاستهلاك وكذلك حركة الأشخاص والبضائع، وتضمنت المرحلة التالية زحف شلل النشاط الاقتصاد إلى مناطق اخرى في الصين، ما أوقف النشاط التجاري والتجارة والسفر محليا.
والآن بدأ يظهر التأثير المتتالي في بقة العالم، وهناك بعض الامثلة القليلة: تغلق “آبل” و”أيكيا” وغيرهم الكثيرون متاجرهم في الصين، وأعلنت شركة “بيربيري” للمنتجات الفاخرة تراجع ثلاثة أرباع مبيعاتها أو أكثر، وحذرت “فيات كرايسلر” من أنها قد تضكر لوقف الإنتاج في أحد مصانعها الأوروبية بسبب مشكلات سلاسل التوريد، وأوقفت العديد من الدول رحلاتها إلى الصين وتضع قيود على الأشخاص القادمين منها، ويتم حجر المسافرين على السفن بما في ذلك في اليابان، وتستمر القائمة.
وبحسب العريان، فإن هذه الآليات لم تظهر على نطاق واسع من قبل سوى خلال الأزمة المالية العالمية في 2008، عندما تبخرت مخاطر الطرف المقابل وتراجعت المؤسسات ذات الأسس المالية السليمة عن إجراء المعاملات الأساسية، وتوقف التشاط المالي بشكل وحشي، وبالفعل، بدون التدخل الكاسح للبنوك المركزية التي جعلت تلك المؤسسات وسطاء لعودة النشاط المالي وإعادة وصل الأسواق المعلطلة، لكان الاقتصاد العالمي اتجه سريعا لكساد اقتصادي متعدد السنوات.
ويبدو أن آليات نهج التراجع الحاد ثم التعافي السريع على شكل حرف “V” سيطرت على العديد من الأشخاص عندما يتعلق الامر بفيروس كورونا، وأحد أكثر الحجج شيوعا هي أن معدل الإصابة في الصين قد وصل إلى ذروته وسوف يتراج سريعا، وان الحالات خارج الصين محدودة، وأن الأمصال يتم تطويرها سريعا، وأن البنوك المركزية وخاصة المركزي الصيني قادرين ومستعدين لضخ سيولة هائلة لدعم الميزانيات وتسريع التعافي الاقتصادي.
وبقدر ما آمل يتضح ذلك سريعا، أتذكر ما يتم تعليمه للاقتصاديين في بداية حياتهم المهنية وهو أن سوف البضائع يستجيب أبطأ من الأسواق المالية، وهذه هي الحال فيما يتعلق بفيروس كورونا، فقد ظهرت صدمة النوقف المفاجيء لشكل أبطأ وتدريجي مما شهده الاقتصاد العالمي خلال الازمة المالية العالية، وأخشى ان الأمر سوف يستغرق وقتا أطول لإعادة إشعال النشاط الاقتصادي بعد أن يصبح الضرر عميقا.
ويقلقني أن العديد من المحللين لا يقدرون بالكامل الفروق الواضخة بين التوقفات المفاجئة للنشاط المالي والاقتصادي، وبدلا من الإعلان بثقة نهج حرف “V”، يحتاج الاقتصاديون لوقت أطول ودلائل أكثر لتقييم التأثير على الاقتصاد الصينية وأثارة المرتدة المحتملة وهو أمر تزداد أهميته لسببين.
الأول أن الاقتصاد الصيني كان بالفعل وسط وضع هش غير معتاد بسبب التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، والثاني كان يمر بفترة تجول تنموي اقتصادي صعب والذي أوقع العديد من الدول قبل الصين في “فخ الدخل المتوسط”.
وكل ذلك، يشير إلى أنه من المبكر للغاية اعتبار ببساطة التأثيرات الاقتصادية لفيروس كورونا على الصين والاقتصاد العالمي قابلة للاحتواء ومؤقتة وسريعة الزوال، وبدلا من ذلك، يتعين على المحللين والاقتصاديين أن يحترموا درجة عدم اليقين الحالية بما في ذلك تقبل الاحتمالية غير المريحة بأن نهج على شكل حرف “U” أو أسوأ حرف “L” لعام 2020 لا تزال مرتفعة لدرجة لا تبعث على الراحة.

الأكثر مشاهدة

منطقة إعلانية