مقالات

محمد العريان يكتب: لماذا لا تعكس الأسهم التحسن فى الاقتصاد وأرباح الشركات؟

تعد الأحوال الحالية فى السوق ببساطة عودة إلى المستويات المتوسطة
لم تؤد نتائج الشركات المذهلة، ولا الارتفاع المتزامن فى النمو العالمى ولا المستويات القياسية لعمليات إعادة شراء الأسهم من قبل الشركات إلى مكاسب مبهرة فى الأسهم، ورغم ارتفاع مؤشر “داو جونز” الصناعى لسبعة أيام متتالية، فقد أنهى جلسة 11 مايو الجارى مرتفعاً بنسبة %0.03 فقط عن مستواه فى بداية العام، ويحكى «ستاندرد آند بورز 500» قصة مشابهة، الذى أنهى جلسات الأسبوع عند مستوى يوم 2 يناير الماضى.
ويشير أداء «داو جونز» و«ستاندرد آند بورز» إلى أن التحسن فى الأسس الاقتصادية وأداء الشركات صاحبها تجنب للمخاطر ظهر بأوضح ما يكون فى انخفاض نسبة السعر إلى الربحية، وبالفعل، من بين الثلاثة مؤشرات الأمريكية الأكثر تتبعاً، حقق مؤشر «ناسداك» مكاسب بنسبة %6.5 منذ عام وحتى الآن، وهو ما يتماشى مع التحسن العام فى أداء قطاع الشركات، والاقتصاد وعمليات إعادة الشراء.
وأستطيع التفكير فى عدة افتراضات قد تساعد على تفسير هذا الانفصال فى 2018، وهناك ثلاثة منها لها تأثير مهم على ما ينتظر المستثمرين مستقبلاً.
الافتراض الأول أن السوق استوعب مسبقاً التطورات الإيجابية، لذا لا يوجد فى الواقع أى انفصال، فبعد تجاوز المكاسب فى السوق التحسن الفعلى فى المشهد الاقتصادى والتجارى فى 2017، تعد الأحوال الحالية فى السوق ببساطة عودة إلى المستويات المتوسطة، ويمكن تفسير هذا الفتور بسهولة من خلال محركين مهمين فى 2018، وهما خفض الضرائب التى تم تمريرها فى يناير والتى مكنت الشركات الأمريكية من إعادة نقديتها للموطن وإعادة شراء أسهمها، وأيضاً المفاجآت المحببة فى المؤشرات الاقتصادية الرائدة التى ظهرت فى البيانات بعد فترة قصيرة من التباطؤ.
ويعد هذا التفسير مطمئناً للمستثمرين لسبب آخر، وهو أن عدم ارتفاع أسعار الأسهم واستمرار تقييماتها الحالية لفترة طويلة ستصاحبها عودة التقلبات إلى مستوى مستدام وبدلاً من قمعها ستكون عند مستويات طبيعية، وكما جادلت من قبل، فإن ذلك سيكون واحداً من ثلاثة تحولات مهمة من شأنها وضع الاقتصاد والأسواق العالميين على أرضية أكثر صلابة، ووفقاً لهذا الافتراض، فإن أداء أسواق الأسهم فى الآونة الأخيرة يمكن أن يشبه فترة استراحة صحية، تتضمن إعادة تنظيم أفضل للقيم والأسس الاقتصادية، ويصاحبها تراجع فى المخاطر الفنية، وإعادة ضبط عامة للاستثمارات التى تتماشى مع الأحوال الطبيعية.
والثانى يتعلق بالاستدامة، ويشعر المستثمرون بالقلق من فكرة أن فترة الاستراحة العام الجارى قد تتعلق بأمر أكبر من مجرد العودة إلى المستويات الطبيعية، وأنها تعكس مخاوف متزايدة بشأن استمرار التحسن فى الأحوال الاقتصادية وأوضاع الشركات، وتظهر بعض أجزاء الاقتصاد العالمى علامات على فقدان الزخم، وهذا ليس مفاجئاً، بالنظر إلى أن معظم الارتفاع فى النمو مؤخراً فى الاقتصادات ذات الأهمية النظامية بخلاف أمريكا كان مدفوعاً من قبل تأثيرات غير متكررة، وبالتالى، يتطلب استمرار الارتفاع المتزامن فى النمو، خاصة فى أوروبا، تقدماً على المستوى السياسى، والذى يبدو بعيد المنال سياسياً.
ووفقاً لهذا الافتراض، سوف تتراجع الأسهم على الأرجح فى الوقت الذى يواصلون فيه التقارب مع الأسس الاقتصادية الآخذة فى الضعف، ويتضاعف هذا الخوف لدى هؤلاء الذين يقلقون من الرياح المعاكسة القوية للاتفاقات التجارية بما فى ذلك اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية.
ولكى يعود الأداء القوى للاستثمار فى الأسهم، تحتاج الأسواق إلى تحسن كبير – تقوده السياسات – فى التحول نحو نماذج نمو أكثر قوة واستدامة.
والافتراض الاخير هو فقدان الدعم الاصطناعى، ويقلق هؤلاء الذين هم أكثر خشية من الاستدامة من التحول السياسى، أيضاً، فى البنوك المركزية، وأصبح من الواضح بشكل متزايد أمام المتداولين والمستثمرين أن البنوك المركزية تتراجع عن ممارسات قمع التقلبات المالية عند أولى علامات على الاضطرابات فى الأسواق، وهذا يترجم إلى عامل خطورة يتطلب إعادة التقييم للأصول المالية، خاصة الأسهم.
وعلى عكس المرات السابقة، امتنع المسئولون فى المصارف المركزية عن أى تدخلات شفهية لمكافحة نوبات التقلبات المفاجئة، وسوف يكسب هذا الاتجاه زخماً أواخر العام الجارى أو أوائل العام المقبل فى الوقت الذى سيقلص فيه البنكان اليابانى والأوروبى المركزيان برامج شراء الأصول الخاصة بهما.
وهذا الانسحاب من الدعم الاصطناعى يجعل من الأهمية بالنسبة للأسواق أن تتعامل جيداً مع التحولين الآخرين، وإذا لم يتحقق ذلك، فإن الضغوط الهبوطية على الأسهم ستكون أكثر حدة بالنظر إلى أن عدم كفاية الدعم من الأسس الاقتصادية سيتفاقم بسبب البيع الكثيف للأصول الخطرة التى تم الإقبال عليها نتيجة الاعتماد المفرط على البنوك المركزية.
وأظن بقوة أن الافتراضات الثلاثة السابقة تلعب بشكل متزامن اليوم، وتتراجع مساهمتها النسبية كلما قلصنا القائمة، ورغم أن ذلك لا يقدم إجابة شافية للعديد من المستثمرين، فهو يحوى وجهة نظر مهمة، فخلال التحول الملحوظ خلال السنوات الماضية، أصبحت قيم الأصول أكثر اعتماداً على التحول الناجح من السوق المدعوم بالسيولة إلى واحد تقوده التحسنات المستمرة فى الأسس الاقتصادية وأوضاع الشركات.
والتقدم المحرز على الجبهة السياسية كان متفاوتاً حتى الآن، واقتصر تطبيق سياسات داعمة للنمو على الولايات المتحدة فقط، وحتى هناك تحتاج الخطوات المتخذة مؤخراً البناء عليها بما فى ذلك الدعم من قبل الحزبين الجمهورى والديمقراطى لتحديث ممتد على سنوات عديدة للبنية التحتية القائمة والجديدة، وبدون ذلك، سوف تجد الأسواق من الصعب التغلب على الرياح المعاكسة المزدوجة المتمثلة فى إعادة تقييم الأصول وموجات البيع المتوقعة والقائمة على أسباب تقنية.

بقلم: محمد العريان

كبير المستشارين الاقتصاديين لمجموعة «اليانز»

 

الأكثر مشاهدة

6 مصريين في قائمة أقوى مديري الشركات العالمية

نشرت فوربس قائمة أقوى 100 مدير تنفيذي للشركات عالمية في...

العبودية الحديثة في القرن 21 بالأرقام

إنفوجراف يرصد أهم الأرقام حول العبودية الحديثة في القرن 21, حيث...