مقالات

حرب أسعار البترول سوف تتحول إلى حرب ديون

فى حروب الاستنزاف، الفائز ليس هو صاحب القوة الكاسحة وإنما صاحب القدرة الأكبر على تحمل الضرر، ولا تختلف حرب الأسعار الحالية فى سوق البترول كثيراً.

وهبط البترول إلى أدنى مستوى منذ حرب الخليج فى 1991 اﻷسبوع الماضى، متراجعاً بنسبة 31% فى ظرف ثوانٍ بعدما انتهى اجتماع مجموعة الدول المصدرة للبترول وحلفائها على خلاف، وخفَّضت السعودية أسعار الخام، ووعدت بزيادة فى الإنتاج.

وقرار فتح الصنابير قد يبدو متناقضاً من دولة كانت تحاول منذ أيام إقناع روسيا بتعميق خفض المعروض بمقدار 1.5 مليون برميل يومياً، وما يحدث فعلياً هو تغير فى التكتيكات.

ورغم أن السعودية أملت سابقاً فى الحفاظ على مركزها وإيراداتها فى سوق البترول من خلال تشجيع التعاون بين اللاعبين الرئيسيين، فهى الآن تراهن على أن أفضل خيار هو القيام بالعكس والانخراط فى لعبة الدجاج مع موسكو وقطاع البترول الأمريكى المستقل، وتعتمد على أنها ستكون اللاعب الأخير الذى يظل واقفاً على قدميه.

وإذا تم اتباع هذا النهج بشكل صحيح فسوف يكون له آثار مدمرة، فالأزمة الحالية تشبه تماماً قرار السعودية إغراق سوق البترول فى 1985 بعد سنوات من الانضباط، وهو ما أسهم بالأخير فى سقوط الاتحاد السوفيتى.

ولدى كل لاعب رئيسى حالياً مميزات وعيوب، فلا ينتج أحد البترول بتكلفة رخيصة بقدر السعودية؛ حيث تقدر بـ2.80 دولار لاستخراج البرميل من حقول شركة البترول السعودية القائمة، مقارنة بـ16 دولاراً للبرميل لشركة «إكسون موبيل»، وأكثر من 20 دولاراً لشركة «روسنفت».

ومع ذلك، قد تكون التكاليف فى هذا القطاع كبيرة، وهذ هو الحال بشكل خاص مع «أرامكو» التى ليست مجرد شركة بترول، وإنما مؤسسة طبق الأصل تقريباً من الدولة السعودية نفسها.

ويعد أفضل مقياس لتكاليف «أرامكو» هو السعر الذى يتحقق عنده التوازن فى الموازنة، وهو رقم ضخم عند 83.60 دولار للبرميل، وهو رقم لم يصل له السوق فى السنوات الخمس الماضية، أما سعر التعادل لروسيا فيبلغ حوالى 42 دولاراً للبرميل، وكذلك سعر التعادل للمنتجين فى حوض «بريميان» الأمريكى بعد قيامهم بتحسينات كبيرة فى السنوات الماضية.

وبالتأكيد، يخسر الجميع بالأسعار الحالية، فقد تراجع برنت إلى 31 دولاراً للبرميل اﻷسبوع الماضى، وإذا استمرت حرب الأسعار، فسوف ينخفض أكثر، وهنا يتعين علينا التفكير بشأن قدرة اللاعبين الثلاثة على تحمل الآلام.

وبعد كل شىء، فإنَّ إدارة عجز فى الموازنة ليست نهاية العالم بالتأكيد، بل إنها الوضع الطبيعى فى أغلب الدول، ويمكن أن ترى أسواق الائتمان فرصاً قوية، وفى ظل معنويات تجنب المخاطر سوف تتمكن الحكومات بشكل خاص من الاقتراض بأسعار منخفضة. ويقف العائد على سندات الحكومة السعودية المستحقة فى أبريل 2030 عند 2.38%، ورغم العقوبات الأمريكية، تراجع العائد على السندات الروسية لأجل 10 سنوات لمستوى قياسى جديد عند 2.56% الأسبوع الماضى.

وبفضل تراجع الفائدة، تعتبر ديون الطاقة ذات التصنيف الائتمانى الاستثمارى رخيصة كذلك، وتشير فوارق العائد المعدلة وفق عقد الخيار إلى أن عائدها يبلغ حوالى 2.95% فى الوقت الحالى، ولكن عائد السندات دون الدرجة الاستثمارية ارتفع تقريباً إلى 10.6%.

وبينما يضخ الجميع دون تكاليف التعادل، فإنَّ الأسواق الرأسمالية هى من ستحدد الفائز والخاسر فى هذا الصراع وليس أسواق السلع.

وهذا قد يجعل المنتجين فى الولايات المتحدة الأكثر تضرراً فى المستقبل القريب، ورغم أن استراتيجيات التحوط ضد تقلبات أسعار البترول والميزانيات ذات التصنيف الائتمانى الاستثمارى قد توفر حماية من انخفاض أسعار الخام، فإنَّ المساهمين كانوا لا يحبذون شركات الطاقة منذ فترة، وفى هذه البيئة، لن يحتملوا فكرة أن يدخل أمثال «إكسون موبيل»، و«شيفرون كورب» فى حرب ضروس مع الحكومتين الروسية والسعودية، كما أن الحياة ستصبح أصعب على المنتجين الأصغر ذوى الميزانيات الأضعف.

ونجحت استراتيجية سباق الرياض إلى القاع فى 1985؛ لأنها كانت المنتج الأقل تكلفة، أما الآن، فإن موازنتها المتضخمة تعنى أنها واحدة من الأعلى تكلفة، وأنها اللاعب الأضعف، كما أنها لا تزال منخرطة فى صراع عسكرى مكلف ووحشى فى اليمن، وألقت القبض، يوم الجمعة الماضية، على أمراء كبار على أساس أنهم كانوا يخططون لانقلاب.

وبعد أكثر من أربع سنوات من بدء الأمير محمد بن سلمان الإصلاحات الاقتصادية التى كان من المفترض أن تنوع الاقتصاد بعيداً عن الخام، تبدو احتمالات عودة الأسعار إلى مستويات سعر التعادل أقل أكثر وأكثر، حتى إن أسهم «أرامكو» السعودية تتداول الآن دون سعر الطرح.

وتتوقع الدول التى تشن حروباً عادة أنها سوف تنتهى خلال عدة أشهر ثم تكتشف أن خصومهم أقوى مما ظنوا، وإذا تحولت هذه الحرب إلى قتال مطول، فلن تكون موسكو على الأرجح أول لاعب يتراجع.

بقلم: ديفيد فيكلينج، كاتب مقالات رأى يغطى السلع والشركات الصناعية والاستهلاكية

منطقة إعلانية

منطقة إعلانية

الأكثر مشاهدة

رؤوف غبور عن التبرعات : اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع

قال الدكتور رؤوف غبور رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لـ"جي...

الصحة المصرية:120 إصابة جديدة بـ”كورونا” و8 وفيات وشفاء 216 حالة

أعلنت وزارة الصحة والسكان، اليوم الجمعة، عن خروج 15 مصريًا...