ملفات

التنين الصينى يبتلع سلاسل توريد الغذاء

استفادت الصين بحماس من حقيقة أن مستقبل إمداداتها الغذائية يكمن فى الاستثمارات الزراعية الخارجية؛ حيث أصلحت تعريفها للأمن الغذائى، ووضعته فى صميم استراتيجيتها الكبرى الأوسع بهدف إنشاء مجموعة من الاقتصادات التى تتمحور حول الصين وتعتمد عليها على غرار نظام الإمبراطوريات القديمة.
ولضمان النجاح بات هدف هذه الاستراتيجية السيطرة على سلسلة التوريد كاملة، رغم أن بعض الدول قد تبدو مترددة فى التعاون مع الصين؛ خوفاً من طغيان نفوذها. 
ووضعت بكين الأمن الغذائى كجزء محورى فى أهم مشروعين ضخمين، هما الممر الاقتصادى الصينى- الباكستانى ومبادرة حزام واحد وطريق واحد، وهو ما يعد مسألة ذات أهمية وطنية كبيرة وجزءاً حيوياً من رغبة الرئيس شى جين بينج فى استعادة ما يعتبره مكانة بلاده الطبيعية فى الفضاء العالمى. 
ويعتبر النظام فى الصين أن نجاح استراتيجية الأمن الغذائى مرتبط بجهوده الرامية إلى صياغة نظامه الاقتصادى الخاص، وأن الفشل فى ذلك قد يعنى مصيراً مماثلاً للنظام السياسى.
بكين تسعى للسيطرة على مواردها الغذائية بالسلسلة الكاملة
تحتاج الصين لإطعام نحو 1.3 مليار نسمة أى ما يقرب من %22 من سكان العالم وبات الأمر أكثر صعوبة بسبب حقيقة أنها تمتلك فقط %7 من الأراضى الصالحة للزراعة فى العالم.
علاوة على ذلك، تضررت هذه الأرض إلى حد كبير بسبب الجهود التى تبذلها البلاد لتعزيز الإنتاج المحلى، وساهم الإفراط فى استخدام المواد الكيميائية ومبيدات الآفات فى تآكل التربة وتسمم الأنهار والبحيرات وباتت سمعتها مشينة إزاء سلامة الأغذية.
ومنذ منتصف التسعينيات حولت الصين استراتيجية توفير الغذاء إلى الخارج بتوجيه الشركات الوطنية واستثماراتها إلى الأسواق الأجنبية، وحاولت أن تستغل الشروط القاسية خصوصاً السياسية لصندوق النقد والبنك الدوليين لتقديم بديل بتمويل مشروعات خارجية منزوعة الشروط السياسية للعمل مع الدول الأخرى.
وفى أواخر التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادى والعشرين انتشر النموذج الصينى مركزاً استثماراته الزراعية الخارجية على الاستيلاء على الأراضى واشترت الشركات الصينية أو استأجرت مساحات شاسعة من الأراضى فى كمبوديا ولاوس وموزمبيق وتنزانيا.
كانت الشركات الصينية مستعدة لتجاهل الأطر التنظيمية والسياسية المحلية لتسريع الصفقات وهو ما كان مصدر سعادة الدول المضيفة إلا أنه عرض نموذج الصين للاستثمار الخارجى لمخاطر الهشاشة السياسية لتلك البلدان، مما دفعها للنظر إلى ما هو أبعد من الاستيلاء على الأراضى كمصدر للأمن الغذائى القومى.
وقد قوبل الاستيلاء الصينى على الأراضى بمعارضة شعبية فى الأرجنتين والبرازيل وإندونيسيا، وأعلنت الكاميرون وأنجولا عن مخاوفهما بشأن التنازل عن الأراضى للصينيين بحسب ما ذكره فريد بيرس، فى كتابه لصوص الأراضى «The Land Grabbers»، مما يجعل من الصعب الحفاظ على استراتيجية طويلة الأجل للصين.
ولفت تقرير لمنظمة فيوتشير دايركشنس البحثية إلى أن ارتفاع أسعار الحبوب عالمياً جدد المخاوف فى بكين بشأن أمن الإمدادات الغذائية.
ونقل التقرير عن صحيفة دير شبيجل الألمانية، أنه على الرغم من أن الحكومة لديها ما بين 40 و50 مليون طن فى احتياطى الطوارئ، إلا أن الفجوة مع الاستهلاك تبلغ نحو %10 فى تلك الفترة، مما يعنى أنه يجب على البلد استيراد الأرز لنحو 130 مليون شخص.
ولم يعد أمام ثانى أكبر اقتصاد فى العالم إلا تغيير نهجه بعد أزمة 2008 واتباع اسلوب أكثر عالمية فى استراتيجية آمنه الغذائى يستهدف ضمان تدفق سلاسل التوريد لجميع القارات وهو ما يتسق مع اعتماد بكين المتزايد على الواردات كجزء مهم من رؤيتها الأوسع لبناء نظام اقتصادى دولى مرتكزاً على الصين.
وبدلاً من بناء عمليات زراعية قائمة بذاتها من البداية، تم تبنى نهج «سلسلة التوريد الكاملة» بحيث يمكن للصين أن تؤثر بشكل أفضل على ميزان العرض والطلب وحركة الأسعار.
على مدى السنوات العشر الماضية، ازداد اهتمام الصين باللوجستيات والموانئ وطرق التجارة وتقنيات الإدارة والمراكز التعليمية والمعرفة الزراعية، وتعتبر مبادرة الحزام والطريق والممر الاقتصادى الصيني-الباكستانى مؤشرات مثالية لمحاولات الصين تنفيذ استراتيجية «سلسلة التوريد بأكملها».
فى مقال لصحيفة وول ستريت جورنال يرى ديفيد رينشيمان، الأستاذ بجامعة كامبريدج بأن الجاذبية المستمرة للنموذج الصينى هى وعده بتحقيق النتائج فى فترة زمنية قصيرة نسبياً، حيث أدركت بكين أن التحركات التكتيكية قصيرة الأجل مثل الاستيلاء على الأراضى لا تدعم استراتيجية أوسع للأمن الغذائى.
الاستثمار الزراعى فى الخارج ركيزة التحول إلى قوة عظمى
يعتبر سعى الصين للتحول إلى قوة عظمى مناط كل تخطيطها الداخلى والخارجى، وهو أساس سعيها لتأمين إمداداتها من الغذاء من خلال استراتيجية الاستثمار الخارجى الرامية إلى تحسين وجودها على نطاق عالمى.
ويفترض الكثيرون، أن صعود الصين أمر لا مفر منه، وأن هناك انحداراً فى القوة الأمريكية أو الأوروبية، وأنه بالضرورة يعنى زيادة مماثلة فى قوتها على المسرح العالمى، لكن سيظل الأمر مجرد رغبة قائمة دون مؤسسات اقتصادية وصناعية ذات طابع دولى لدعمها.
وتمكنت الصين من إظهار نفسها كمنقذ تحتاجه التجارة الحرة الدولية الآن، ومع ذلك، فإنَّ ورقة بحثية لهيئة جيمس تاون تشرح كيف أن عبارات مثل «مجتمع المصير المشترك» المستخدم لوصف مبادرة حزام واحد وطريق واحد تخفى جهود بكين لإشراك دول بعينها تتعرض لتجاهل الولايات المتحدة بشكل تقليدى.
وتشمل استراتيجية الصين إنشاء طرق تجارية جديدة ومنظمات تخضع لإدارتها وتسيطر على بنيتها التحتية لجعلها تعمل تحت سيطرتها، فكما يشير باول دينج فى مقال كتبه فى عام 2007، فإنَّ الاستثمار الأجنبى المباشر الذى يسعى إلى الحصول على الأصول يهدف إلى السيطرة على الموارد الجديدة، واكتساب قدرات جديدة أو الوصول للأصول الاستراتيجية الضرورية فى البلد المضيف لاستثماراته.
..و تخطط لتحويل آسيا الوسطى إلى مركز زراعى لمستهلكيها
تعتبر مصالح الصين فى آسيا الوسطى اقتصادية بحتة وموجهة نحو إنشاء مركز زراعى تموله هى مستغلة ترك روسيا ممارستها لنفوذها القوى فى المنطقة حيث تخلت عن خططها لإدراجها فى الاتحاد الاقتصادى الأوروبى الآسيوى.
مصلحة الصين فى آسيا الوسطى هى التجارة أو على وجه الدقة إنشاء خطوط السكك الحديدية والشحن وتدعيم الاستثمارات الزراعية فى البلدان الغنية بالقمح، مثل كازاخستان التى تعد جوهر طموحات الصين الزراعية فى المنطقة حيث تعهدت الشركات الصينية العام الماضى بالالتزام بحوالى 600 مليون دولار للزراعة هناك، بحلول عام 2024 وزيادة استيراد القمح الكازاخستانى.
وتحتاج قيرغيزستان إلى استثمارات أجنبية لتعزيز النمو، لكنها قلقة سياسياً من عواقب السماح للصين بالدخول إلى النظام السياسى المحلى.
كما تخطط الصين لشراء الحبوب الروسية وتحريك تلك التجارة على طول سكة الحديد المشتركة عبر مانشوريان وشركة كوفكو الصينية المملوكة للدولة، وهى صفقة بمثابة نتيجة ملموسة لمبادرة الحزام والطريق.
ووفقاً لوزارة الزراعة تعهدت الشركة الصينية المسئولة عن استيراد الحبوب والزيوت والمواد الغذائية، بتأمين إمدادات الغذاء الوطنى من خلال التحكم فى حصة أكبر الموارد الزراعية العالمية.
و تتمثل السمة المميزة للعلاقة المستقبلية بين الصين وآسيا الوسطى، فى مدى توافق المصالح الصينية مع مصالح آسيا الوسطى.
ولكن يجب على الصين أن تدير معركتها الغذائية بما يحقق مصالح جيرانها أيضاً، وليس كما يقول مسئولوها إن آسيا الوسطى قطعة غنية من الكعك الممنوحة للشعب الصينى اليوم من قبل السماء، وقد وصف مسئول عسكرى صينى الاهتمام بآسيا الوسطى قائلاً إن التقدم باتجاه الغرب كان ضرورة تاريخية للأمة الصينية معتبرها مرتبطة بمصير بلاده ويجب استردادها لخدمة نهضتهم وليس كمنطقة حدودية.
باكستان والصين .. البنية التحتية مقابل الغذاء والتجارة
بكين تستثمر 46 مليار دولار فى مشروعات بنية تحتية فى إسلام آباد
تمتلك الصين رؤية جغرافية اقتصادية تهدف لربط طرفى أوراسيا وكذلك أفريقيا وأوقيانوسيا بحيث يمكن لتجارتها مع أوروبا أن تمر عبر آسيا الوسطى والمحيط الهندى وشركائها فى جنوب المحيط الهادئ من خلال بحر الصين الجنوبى.
ويعتبر تنمية آسيا الوسطى عنصراً مهماً فى تعزيز المصالح الزراعية الصينية، لكنها لا يمكن أن تتحقق دون أن تبدأ أولاً فى دولة أساسية حاسمة الأهمية لتسهيل الوصول الى البر الرئيسى وآسيا الوسطى وهى باكستان.
ويمثل نموذج التعاون مع باكستان مشهدا مصغرا لخطط بكين عبر مشروع حزام واحد وطريق واحد، بحيث أنه عند الاتصال بأحد أهم المناطق وهى آسيا الوسطى، فإن البنية التحتية الصينية الممولة فى باكستان مستعدة لضمان المرور الآمن للمنتجات الزراعية من آسيا الوسطى إلى البر الرئيسى للصين. ولأهمية باكستان شقين: رغبة اسلام اباد فى أن تكون مصدراً للمنتجات الزراعية وموقعها الاستراتيجى.
وهذه ليست المرة الأولى التى تضحى فيها باكستان عن طيب خاطر بأمنها الغذائى لتأمين الاستثمار الأجنبى، ففى عام 2008 قام المستثمرون من السعودية والإمارات بشراء آلاف الأفدنة من الأرض مقابل البترول والمساعدات المالية رغم تعرضها لانتقادات شديدة.
وأظهرت باكستان للصين استعداداً كبيراً جعل من السهل دفعها للدور الذى ستلعبه كجسر بين آسيا الوسطى وسلة غذاء أخرى تأمل الصين فى زراعتها وبر الصين الرئيسى.
فى المقابل تسعى باكستان لتوليد الدخل كمصدر لإعادة التصدير الزراعى أو لتحقيق الفوز السياسى الذى تشتد الحاجة إليه حيث يزداد دورها أهمية فى المنطقة عندما تصبح جزءاً من استراتيجية الأمن الغذائى لدولة عظمى.
وبحسب تقرير لوكالة أنباء وريترز بدأ الممر الاقتصادى الصينى – الباكستانى فى عهد رئيس الوزراء نواز شريف فى عام 2013 وتم توقيع مذكرة تفاهم بين البلدين حول إقامة ممر اقتصادى.
وفى عام 2014، زار الرئيس مأمون حسين الصين لمواصلة مناقشة إمكانية وجود الممر الاقتصادى، وفى عام 2015 تم توقيع اتفاقية للطاقة والبنية التحتية بقيمة 46 مليار دولار، تم تسويق الصفقة للشعب الباكستانى والمجتمع الدولى على انها نجاح دبلوماسى كبير لا يمكن إلا أن يفيد اقتصاد اسلام اباد الوليد.
والحقيقة هى أنه على الرغم من مشاريع الاستثمار والبنية التحتية التى من المقرر أن تأتى إلى باكستان، فإن الممر الاقتصادى جزء من محاولات الصين لبناء كتلة من البلدان التى تعتمد اقتصادياً مع بكين فى المركز.
ويجب أن يلاحظ المراقبون أن التطورات الصينية فى باكستان تقدم نظرة ثاقبة لنوع نظام الروافد الذى تريد بكين أن تنشئه عبر آسيا الوسطى ومع تقدم المصالح الاستراتيجية للصين غرباً ستسعى بكين إلى ترسيخ مكانة باكستان كدولة مفترق طرق تربط بين المصالح الصينية فى آسيا الوسطى مع الصين القارية، وخاصة غرب الصين.
وترتبط خطط الصين فى باكستان بالدرجة الأولى بالزراعة، حيث ذكر تقرير صحيفة دون الباكستانية أنه سيتم تأجير آلاف الأفدنة من الأراضى الزراعية إلى الشركات الصينية لإقامة مشاريع فى مجالات تتراوح بين تهجين أصناف البذور وتكنولوجيا الرى وعلى الرغم من أهميتها، إلا أنها تخدم ربط أحد أطراف سلسلة التوريد بالطرف الآخر.
وبحسب الاتفاق ستزرع الشركات الصينية فى مزارع صينية ثم تخزن السلع وتنقلها شركات التجارة الصينية والعائد الوحيد مشاركة باكستان فى ربح السوق المحلى وتيسير التجارة الزراعية من وإلى باكستان.
الأكثر مشاهدة

موسم الأمطار.. استراتيجية إنقاذ المدن العربية الغارقة

خصصت الدول العربية مئات المليارات من الدولارات لدعم مشاريع البناء...

6 مصريين في قائمة أقوى مديري الشركات العالمية

نشرت فوربس قائمة أقوى 100 مدير تنفيذي للشركات عالمية في...