ملفات

عودة مهاتير محمد

مهاتير محمد

مرت 15 عاماً عصيبة على الشعب الماليزى عاش خلالها سياسات قاسية من شد الحزام وفرض الضرائب وتقليص الدعم دون تحسن ملحوظ فى المستوى المعيشى أو حتى على مستوى الاقتصاد الكلى.
وفى جلسات السمر كان الحديث يتركز على المقارنة بين فترة حكم رئيس الوزراء الأسبق مهاتير محمد حيث كان معدل النمو %10 والديون تقريباً صفر بينما النمو الحالى لم يتخط %6 والديون نحو 250 مليار دولار.
وفى عمره البالغ 92 عاماً بات مهاتير فتى احلام الشعب الماليزى الذى فاجأهم بتشكيل تحالف الأمل المعارض جمع فيه رفقاء الفكرة بما فيهم من كانوا مناهضيه فى الماضى مثل أنور إبراهيم رئيس وزراء ماليزيا فى التسعينيات من القرن الماضى ليفوز بالانتخابات العامة ويعود رئيساً لحكومة الجديدة.

متاعب الطبقة الوسطى تعيد مهاتير للسلطة

 الفساد ضاعف تأثير التراجع الاقتصادى وارتفاع الديون  %10 النمو فى عهد الزعيم التاريخى مقابل %6 لنجيب رزاق
فى عمر 92 عاماً، أصبح مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا مرة أخرى بعد 15 عاماً من التقاعد، حيث قاد ائتلاف المعارضة فى باكاتان هارابان (تحالف الأمل) للإطاحة بحكومة نجيب رزاق.
وتعكس نتيجة الانتخابات الغضب الشعبى تجاه قيادة نجيب رزاق السلطوية والفاسدة وعلى الرغم من أن مهاتير كان أكثر استبدادًا من نجيب كرئيس للوزراء من عام 1981 حتى عام 2003، إلا أن الناخبين ربما أعادوه إلى السلطة رغم ذلك لسبب غير متوقع ألا وهو الحنين إلى الماضي.
يبدو أن الماليزيين اختاروا العودة إلى الماضى على حد قول صحيفة نيكاى اليابانية فخلال فترة رئاسته الأولى كان النمو فى البلاد واضحاً فبين عامى 1988 و1996 حققت ماليزيا نمواً اقتصادياً سنوياً بين %9 و%10، وقد ألهم مهاتير الناس من خلال تبنى هدف للبلاد للانضمام إلى نادى الاقتصادات المتقدمة بحلول عام 2020، وتعزيز إجراءات تطوير صناعة السيارات المحلية.
فى المقابل تحت قيادة محمد نجيب تون عبدالرزاق منذ عام 2009، تباطأ النمو الاقتصادى فى ماليزيا إلى حوالى %6، مما وسع الفجوة بين الأغنياء من أصحاب المصالح الخاصة والأشخاص ذوى الدخل المنخفض بسبب ارتفاع الأسعار التى اضرت الطبقة الوسطى بشدة.
كما تعثرت خطط تطور الصناعة المحلية وتضخمت ديون الحكومة المرتبطة بالناتج المحلى الإجمالى بسبب سياسات مالية خاطئة فيما عززت السياسات السلطوية والادعاءات المتعلقة بالفساد الشعور بالركود.
وفرض نجيب ضريبة السلع والخدمات فى عام 2015 حيث قلّص انخفاض أسعار البترول عائدات الحكومة وقالت الحكومة الجديدة إنها ستلغى ضريبة السلع والخدمات اعتبارا من شهر يونيو، لكنها تعتزم إعادة فرض ضريبة مبيعات وخدمات لتعويض النقص فى العائدات جزئيا.
وخلال فترة رئاسته السابقة، استخدم مهاتير قانون النظام العام وإجراءات أخرى لاعتقال أكثر من 100 من قادة المعارضة والمشرعين من الحزب الحاكم الذين تحدوه، فيما قمع وجهات نظر مؤيدة للمعارضة من خلال حظر الصحف لكن فى الوقت الحالى يبدو أن الماليزيين نسوا حكم مهاتير الحديدى وسط شعور بالتوق إلى الأيام الخوالى.

حتى نائب رئيس الوزراء السابق أنور إبراهيم وغيره من السياسيين الذين كانوا مستهدفين تعاونوا معه للإطاحة بنجيب وقد تجنبوا بشكل مدروس الإشارة إلى الاختلافات السابقة مع مهاتير لتقديم جبهة معارضة موحدة.
ويبدو أنه عندما يتم تمجيد النجاح الاقتصادى السابق فى ظل الزعماء الأقوياء، غالباً ما يتم نسيان الجوانب السلبية لأنظمتهم، مثل التسلط وسياسات دفتر الشيكات على حد تعبير الصحيفة.
وخلال حملة مهاتير الأخيرة، دعا إلى تعاون المجموعات العرقية والثقافية المتنوعة، والنهوض بالمرأة، ومنذ توليه السلطة قام بتقليد العرقين الصينى والهندى فى مناصب رئيسية فى الحكومة الجديدة، مما يوحى بأنه يضع جانبا بعض سياساته السابقة.
وربما لم يعد مهاتير قادراً على اللجوء إلى مقاربته السابقة فى دكتاتورية التنمية لمواجهة سقف الطموحات المرتفع لدى عامة الناس بشكل متزايد وقد جاء تحركه لإلغاء ضريبة المبيعات وغيرها من التدابير الشعبية لكسب ودهم لكنه يخاطر بزيادة العجز المالى، وتقول الصحيفة، إنه فى النهاية قد يكتشف الشعب الماليزى أنه لا يستطيع أن ينغمس فى الشعور بالحنين لفترة طويلة.

 

التحديات المالية تهدد آمال الإصلاح الاجتماعى فى ماليزيا
يتبقى لرئيس الوزراء مهاتير محمد القليل من الوقت للاحتفال بفوز تحالف الأمل المعارض فهناك عمل قوى ينتظر على الجبهة المالية، حيث تستهدف الحكومة تحويل تركيزها بعيداً عن المشاريع العملاقة المتوهجة لصالح الاهتمامات الاجتماعية والاقتصادية.
خلال الحملة الانتخابية وعد التحالف المعارض بإصلاح مؤسسات الدولة المختلفة، ومكافحة الفساد والسيطرة على ارتفاع تكاليف المعيشة، وشمل الوعد الأخير إلغاء الضريبة على السلع والخدمات الممتدة لـ3 سنوات.
وألقى الناخبون اللوم على ضريبة السلع والخدمات فى ارتفاع تكاليف المعيشة خلال 2015 و2016، على الرغم من استقرار تضخم الأسعار العام الماضي.
وفرضت الضريبة سيئة السمعة من قبل إدارة نجيب رزاق فى أبريل 2015 لتنويع إيرادات الحكومة بعيداً عن البترول والغاز. ومع انخفاض أسعار الطاقة، ونمو دخول إيرادات ضريبة السلع والخدمات انخفضت حصة الدخل القائم على البترول إلى حوالى %15 من الناتج المحلى فى عام 2017 من حوالى %30 فى عام 2013، وساعدت ضريبة السلع والخدمات ونسبتها %6 الحكومة على خفض عجزها المالى إلى %3 من الناتج المحلى الإجمالى فى عام 2017 من %3.3 فى عام 2015.
ويعنى إلغاء ضريبة السلع والخدمات المضافة تراجع الإيرادات الحكومية 6.5 مليار دولار هذا العام بما يعادل 26 مليار رينجيت ماليزى، ولحسن حظ مهاتير بدات أسعار الطاقة ترتفع وستحصل الحكومة تحصل على أرباح إضافية بقيمة تتراوح بين 6 و8 مليارات رينجيت ماليزى من الإيرادات البترولية هذا العام. واستندت ميزانية عام 2018 إلى سعر خام برنت الذى يبلغ 52 دولاراً للبرميل، إلا أن متوسطه بلغ 69 دولاراً للبرميل حتى شهر مايو وقفز الأسبوع الماضى سعر خام برنت إلى 79 دولاراً للبرميل.
وتوقع تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، أنه مع ارتفاع أسعار الطاقة سيزيد دخل الحكومة ومع تراجع الإيرادات الضريبية بإلغاء ضريبة السلع والخدمات المضافة سيصعد العجز المالى الماليزى فى 2018 إلى ما بين %4 و%4.4 من الناتج المحلى الإجمالى إذا بقيت جميع الأمور الأخرى على حالها.
ومن المحتمل أن تسعى الحكومة إلى مصادر أخرى للإيرادات لمنع هذا الرقم من النمو بشكل كبير، وإذا أعيد تقديم الضريبة على السلع بنسبة %10 والخدمات %6 وهو معدلها فى عام 2014 فقد يرتفع العجز لعام 2018 إلى ما بين %3.2 و%3.5 فقط.
وبغض النظر عن موعد إعادة تطبيقها والمتوقع فى يونيو المقبل فإن الحكومة الجديدة ستتخلى عن هدف القضاء على عجز الموازنة بحلول عام 2023 حيث كانت حكومة نجيب رزاق تسعى لتحقيق هذا الهدف بحلول عام 2020، لكن انهيار أسعار الطاقة أجبرها على التأجيل ومع ذلك فقد خفضت ماليزيا ببطء عجزها إلى %3 العام الماضى من ذروة بلغت %6.7 بعد الأزمة المالية العالمية عام 2009.
وعلى ناحية دعم الطاقة تم تقليصه الى حد كبير من خلال الإصلاحات المالية للحكومة السابقة، لكن مع اقتراب موعد الانتخابات، تدخّل نجيب فى آلية تحديد الأسعار وأبقى أسعار البنزين على حالها على الرغم من ارتفاع أسعار البترول، مما أدى إلى دعم الدولة لشراء البنزين مرة أخرى.

 ولم تقم حكومة مهاتير الجديدة بإعادة تعويم أسعار البنزين، متعهدة بالحفاظ على استقرارها ومن غير الواضح كيف سيتم تحقيق الاستقرار فى حال استمرار نمو فاتورة الدعم فى حين أنه من غير المحتمل أن يشكل هذا مشكلة فى العام الحالى مؤقتا، لكن الإنفاق الحكومى سيرتفع فى عام 2019 إذا استمر سوق الطاقة فى الصعود، مما يضع مزيدا من الضغوط على العجز.
ومع إصرار الحكومة الجديدة على سياسية تخفيف الأعباء عن الطبقة الوسطى فان ذلك قد يكون على حساب المشاريع العملاقة مثل منطقة الأعمال التجارية الجديدة فى كوالالمبور تون رازاك إكستشينج وخط سنغافورة – كوالالمبور للسكك الحديدية فائقة السرعة، وخط الساحل الشرقى للسكك الحديدية وغيرها.
ويشير تقرير الصحيفة البريطانية الى ان الحفاظ على موارد المالية العامة ودعم السياسات الاجتماعية والاقتصادية يعنى تاجيل خطوط السكك الحديدة فائقة السرعة بسبب قلة عدد الأشخاص الذين يستخدمونها على سبيل المثال، ولا يمكن للحكومة الجديدة تبنى التقشف الحكومى لأن معظم الوزارات عانت بالفعل من تخفيضات كبيرة بسبب انخفاض أسعار البترول فى عام 2015-2016.

 

معركة تفكيك الدولة العميقة  تفشى الفساد يهدر %40 من الإنفاق الحكومى

واجهت ماريا تشين عبدالله تهديدات بالقتل، واحتجزت دون محاكمة فى الحبس الانفرادى وخضعت للعديد من تحقيقات الشرطة أثناء حملتها ضد الفساد فى مسقط رأسها ماليزيا.
تغير الوضع الان بعد ان باتت نائبة فى الائتلاف الحاكم الجديد (تحالف الأمل) وهى أم تبلغ من العمر 61 عاماً ساهمت فى طرد الحزب الحاكم من السلطة لأول مرة منذ الاستقلال عام 1957، فبعد عقود من الزمن، عليها الآن أن تواجه تحدياً أكبر من ذلك ألا وهو تفكيك النظام القديم وتنفيذ الإصلاح الجذرى من خلال دورها كنائبة برلمانية.
ومن وجهة نظرها بحسب ما نقلت عنها صحيفة فاينانشيال تايمز أنه فى السنوات الماضية كان الأمر مجرد نقد والتنفيذ يحتاج وقت طويل والبداية تكون بتسوية الخلافات وترسيخ مبادئ الديمقراطية الجديدة لبلدها وهو ما سيستغرق بضع سنوات للوصول إلى التجانس التام بين فرقاء التحالف.
والآن على تحالف مهاتير إنجاز تلك المهمة الضخمة المتمثلة فى الوفاء بوعود إلغاء القوانين القمعية وإصلاح المؤسسات الفاسدة وضمان تقسيم أكثر عدلاً للموارد الاقتصادية.
ويرى المراقبون، أن تفكيك الدولة العميقة يبدأ بإلغاء التشريعات المقننة للقمع الأمنى لفتح المجال أمام العمل العام والقضاء على ثقافة التعصب الراسخة ضد النقد والتدخل فى أحكام القضاء ضد المعارضين كما ترى أماندا وايتنج أستاذة القانون الماليزى بجامعة ملبورن.
وأشارت إلى أن هناك انعداماً تاماً للثقة فى بعض المؤسسات العامة الرئيسية مثل المدعى العام وهناك شكوك قوية حول نزاهة القرارات التى اتخذت – واستعداد كبار الأشخاص للرضوخ للتحقيق كما يحدث الآن مع رئيس الوزراء السابق.
ويشير التقرير إلى أن ثقافة الفساد والتواطؤ والمحسوبية أصبحت جزء لا يتجزأ من الحياة المدنية المتضخمة فى ماليزيا، حيث وعد مهاتير بالقضاء عليها بداية من استهداف 17 ألف من المعينين السياسيين الذين خدموا فى عهد نجيب.
ويدعى ونج تشين، عضو البرلمان فى ولاية هروبان فى باكاتان، أن ما يصل إلى 40% من الإنفاق الحكومى السنوى ومن المتوقع أن يصل إلى 59 مليار دولار هذا العام قد ضاع بسبب الفساد والهدر مع قيام الحكومات السابقة بتسليم المنح والعقود للأصدقاء.
وازدادت مزاعم الفساد بشكل ملحوظ فى عهد نجيب، ولا سيما حول صندوق التنمية الماليزى حيث وصل مبلغ 681 مليون دولار لحسابه المصرفى الخاص فيما قال فى وقت لاحق إنه هدية من أمراء سعوديين وانه ردها ونفى دوماً ارتكاب أى مخالفات بشأن الصندوق.
ويقول شكرى عبدول الرئيس الجديد للجنة مكافحة الفساد، إنه أثناء توليه منصب نائب رئيس اللجنة سابقاً أُجبر على الخروج من المنظمة خلال حكم نجيب بعد تلقيه تهديدات بالقتل لملاحقته لمخالفات الصندوق الذى استخدم لسداد 1.8 مليار دولار تقريبًا منذ أبريل 2017 لتغطية التزامات خدمة الديون.
لكن بيتر مومفورد، مدير آسيا فى مجموعة أوراسيا وهى شركة استشارية فى مجال المخاطر السياسية يحذر بأن هناك حدود لمدى ذهاب رئيس الوزراء الجديد للتصدى للفساد.
واضاف ان عملية التنظيف للنظام ستكون حذرة وانتقائية للخوض فى المستنقع نظراً لأن هناك الكثير من الهياكل العظمية فى الكثير من الحجرات التى توطن بها الفساد.
كما ان الحكومة السابقة ورطت البلاد فى اتفاق غير متكافئ لمشاريع البنية التحتية التى تقدر بمليارات الدولارات والمتفق عليها مع الحكومة الصينية كجزء من مبادرة الحزام والطريق للرئيس شى جين بينج، والتى تتطلب اعادة تفاوض، ولكن إعادة رسم ما وصفه مهاتير بأنه معاهدات غير متكافئة مع بكين سيكون صعبا، كما أن تنفيذ العديد من التغييرات الشاملة دفعة واحدة أمر معقد ومحفوف بالمخاطر بدافع من حماس التوقعات العالية للماليزيين العازمين على محاسبة قادة البلاد الفاسدين.

الأكثر مشاهدة

أسعار البترول ترسم مستقبل السياسة النقدية للبنوك المركزية الإفريقية

قالت وكالة أنباء «بلومبرج» إن انخفاض أسعار البترول يجبر البنوك...

كم يخسر العالم من التفرقة بين دخول الرجل والمرأة؟

حذر البنك الدولي من ارتفاع خسائر الدول الاقتصادية بسبب التفرقة...