ملفات

فرنسا تدق ناقوس الخطر فى أوروبا

يواجه الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، أزمة صعبة بعد أسابيع من الاحتجاجات العنيفة التى اجتاحت البلاد، إذ يطالب المتظاهرون أو أصحاب «السترات الصفراء»، الحكومة، بأن تقدم إعانات مالية لقطاعات كبيرة من السكان الذين يكافحون لتغطية نفقاتهم الخاصة.
ورغم سعى رئيس الوزراء إدوارد فيليب، إلى تهدئة الغضب فى الشارع الأسبوع الماضى من خلال تعليق الزيادة فى ضريبة الوقود المخطط لها لمدة 6 أشهر، إلا أن ما حدث عكس سياسة أدت إلى اندلاع الغضب.

قالت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، إن حركة «السترات الصفراء»، والتى يرتدى أتباعها سترات واقية تستخدم فى حالات الطوارئ تحولت إلى صرخة جماعية حول مشكلات أعمق عانت منها فرنسا لسنوات.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه المشكلات تمثلت فى انخفاض مستويات المعيشة، وتآكل القوى الشرائية.. وقد ساء كلاهما فى أعقاب الأزمة المالية الأوروبية، وكشفت الصحيفة الأمريكية عن 5 أرقام تفسر سبب اندلاع الثورة فى فرنسا.

أولاً: 1.700 يورو متوسط صافى الأجر الشهرى

قالت الصحيفة، إن فرنسا كغيرها من الدول الغربية شهدت فجوة عميقة تنمو بين أغنى وأفقر مواطنيها، فأكثر من %20 من السكان يكسبون ما يقرب من 5 أضعاف الذين فى القاع.
وكشفت البيانات، أن %1 من أثرياء فرنسا يستحوذون على أكثر من %20 من ثروة الاقتصاد.. ومع ذلك، يبلغ متوسط الدخل الشهرى حوالى 1.700 يورو أو 1930 دولاراً وهو ما يعنى أن نصف العمال الفرنسيين يحصلون على أقل من ذلك.
ويحتج العديد من المتظاهرين ذوى «السترات الصفراء» على مدى صعوبة دفع الإيجار وإطعام عائلاتهم بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصاً أسعار الوقود التى تواصل الارتفاع مع تراجع نمو الأجور.
ولم يكن الأمر كذلك طوال الوقت.. فقد ارتفعت مستويات المعيشة والأجور فى فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية خلال فترة نمو مدتها 30 عامًا واستمرت المكاسب فى الأجور لذوى الدخل المنخفض والمتوسط خلال أوائل الثمانينيات وذلك بفضل الاتفاقيات والمساومة النقابية.
وأوضح خبير الاقتصاد الفرنسى توماس بيكيتى، أن هذه الديناميكيات تبخرت مع سعى الحكومات الفرنسية المتعاقبة ذات الميول اليسارية إلى تحسين القدرة التنافسية جزئياً من خلال تقليص مكاسب الأجور التى تنمو بحوالى %1 سنوياً أو أقل من ذلك.
يأتى ذلك فى الوقت الذى أصبح الأغنياء أكثر ثراءً، إذ شهد أصحاب الدخول المرتفعة مكاسب فى الدخل تبلغ حوالى %3 سنوياً.
لكن لايزال العمال الفرنسيين أفضل حالاً من العاملين فى إيطاليا حيث كان النمو الحقيقى للأجور فى روما سلبياً منذ عام 2016، وانخفضت الأجور الحقيقية بنسبة %1.1 بين الربعين الأخيرين لعامى 2016 و2017 وفقاً لبيانات منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية.

ثانياً: %1.8 معدل النمو الاقتصادى

تعد فرنسا ثالث أكبر اقتصاد فى أوروبا بعد بريطانيا وألمانيا، وسادس أكبر اقتصاد فى العالم، ولكن النمو الاقتصاد ىالفرنسى كان راكداً لمدة عقد تقريباً خلال أزمة الديون طويلة الأجل فى أوروبا، ولم يبدأ فى التحسن إلا مؤخراً.
وأوضحت الصحيفة الأمريكية، أن جودة الانتعاش أصبحت غير متساوية، إذ تم القضاء على أعداد كبيرة من الوظائف الدائمة خصوصاً فى المناطق الريفية والمناطق الصناعية السابقة، وكانت العديد من الوظائف الجديدة التى يتم إنشاؤها هى عقود مؤقتة وغير مستقرة.
والنمو هو المفتاح لتحسين ظروف العمل للذين قادوا الاحتجاجات، لكن الانتعاش الاقتصادى الناشئ قبل تولى الرئيس إيمانويل ماكرون، الرئاسة، ساعد على توليد الوظائف.
ولكن تباطأ النمو إلى وتيرة سنوية تبلغ %1.8 بالتوازى مع التباطؤ فى باقى أجزاء منطقة اليورو.

ثالثاً: معدل البطالة يزيد على %9

يجعل تباطؤ النمو من الصعب حل مشكلات فرنسا الأخرى وعلى رأسها الأعداد الكبيرة من العاطلين عن العمل، وكشفت البيانات أن معدل البطالة فى فرنسا تراوح بين 9 و%11 منذ عام 2009 عندما ضربت أزمة الديون أوروبا.
ورغم تراجع معدل البطالة إلى %9.1 فى الوقت الحالى، مقارنة بنسبة %10.1 عندما تم انتخاب ماكرون، إلا أنه لايزال أكثر من ضعف المستوى فى ألمانيا، ووعد ماكرون، بتخفيض نسبة البطالة إلى %7 بحلول الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2022.
ومن أجل تحقيق ذلك سيتعين على الاقتصاد أن ينمو بنسبة لا تقل عن %1.7 فى السنوات الأربع المقبلة، وهو أمر غير مؤكد على الإطلاق.
ويكافح الرئيس الفرنسى من أجل إعادة تنشيط الاقتصاد، حيث طالب مطلع العام الحالى بإصلاح شامل لقانون العمل فى البلاد لمساعدة أرباب العمل على وضع القواعد المتعلقة بالتعيين والفصل وإزالة القيود طويلة الاجل التى تثنى أصحاب العمل عن توظيف عمال جدد.


وساعدت هذه الإصلاحات فى جذب شركات منها «فيسبوك» و«جوجل» إلى فرنسا، ولكن قد يستغرق الأمر سنوات حتى تظهر النتائج بالنسبة للعمال العاديين.
وأثارت الإصلاحات غضب العمال الذين يرون مؤامرة لتجريدهم من حقوق العمل التى كسبوها بشق الأنفس لصالح الشركات الكبرى.

رابعاً: 3.2 مليار يورو حجم تخفيض الضرائب على الأغنياء

قالت «نيويورك تايمز»، إن الرئيس الفرنسى قام بخفض الضرائب لأغنى الممولين فى فرنسا خلال عامه الأول من الرئاسة، كجزء من خطته لتحفيز الاقتصاد بما فى ذلك إنشاء ضريبة ثابتة مقابل دخل رأس المال.
وذكرت الصحيفة، أن حزمة الضرائب كانت الجزء الذى آثار أكبر قدر من الغضب بين المتظاهرين وخصوصاً بعد أن أزال ضريبة الثروة التى طبقت على العديد من أصول أغنى الأسر الفرنسية وتم استبدالها بضريبة لا تنطبق إلا على ممتلكاتهم العقارية، وانخفضت الإيرادات الضريبية إلى 3.2 مليار يورو أو 3.6 مليار دولار العام الحالى.
وكان هناك القليل من الأدلة على تأثير المحفزات الضريبية للأغنياء وبدلاً من ذلك اكتسب ماكرون سمعة جديدة تمثلت فى محاباته للأثرياء وهى واحدة من أكبر مصادر الغضب بين صفوف «السترات الصفراء».
ورغم أن أصحاب الدخول المرتفعة، حصلوا على إعفاءات ضريبية بموجب الخطة المالية التى وضعها ماكرون، إلا أن القوى الشرائية تراجعت.
وأدرك ماكرون، حتى قبل أن تنتشر «السترات الصفراء» فى الشوارع أن الدعم الشعبى أصبح يتلاشى بعد أن حاولت حكومته فرض مزيد من الضرائب.
وستمنح موازنة عام 2019 التى كشفت الحكومة النقاب عنها فى أكتوبر الماضى بعض الراحة للطبقات الأكثر فقراً فى العام المقبل، من خلال دعم ذوى الدخل المتوسط والمنخفض بقيمة 6 مليارات يورو، ولكن تتضمن الموازنة أيضاً تخفيض 18.8 مليار يورو من كشوف المرتبات وضرائب الأعمال الأخرى لتشجيع التوظيف والاستثمار.

خامساً: 715 مليار يورو شبكة الأمان الاجتماعى

رغم الاستطلاعات التى تظهر أن «السترات الصفراء» تحظى بدعم 3 أرباع السكان إلا أن التساؤلات تم طرحها حول مقدار المعاناة التى سيتلقاه المتظاهرون أو إلى أى مدى يمكن أن يتم التعتيم على التظاهرات وهى الثقافة السائدة منذ قرون.
ذكرت الصحيفة الأمريكية، أن فرنسا تحمى المواطنين من خلال واحدة من شبكات الأمان الاجتماعى الأكثر سخاءً فى العالم حيث يتم إنفاق أكثر من ثلث إنتاجها الاقتصادى على الرعاية الاجتماعية أكثر من أى بلد آخر فى أوروبا، وفى عام 2016 أنفقت فرنسا حوالى 715 مليار يورو على الرعاية الصحية والفوائد العائلية والبطالة وغيرها من أشكال الدعم.
ومن أجل الحصول على هذه المساعدة يدفع العمال الفرنسيون بعضاً من أعلى الضرائب فى أوروبا.
ورغم أن الضرائب الأكبر كانت من نصيب أصحاب الدخل المرتفع، إلا أن الحكومة الفرنسية تفرض ضريبة قيمة مضافة بنسبة %20 على معظم السلع والخدمات.
وإلى جانب ضريبة الوقود التى تعهدت حكومة ماكرون، بتعليقها مؤقتاً، فإن مثل هذه التدابير ستزيد من الإضرار بالفقراء فى وقت تتلاشى فيه معاناة الأثرياء.
وأضافت أن الشعب الفرنسى بات يفتش عن قصة النمو الأوروبية الكبيرة التى تنادى بها الكتلة الموحدة فى ظل أزماتها السياسية التى ستكون واحدة من أهم المخاطر التى تواجها الأسواق العالمية فى 2019.
وأشارت إلى باريس كانت تحترق حرفيا مع المزيد من الاحتجاجات المضادة للحكومة التى تفرض المزيد من تدابير التقشف.
ونقلت وكالة «أسوشياتد برس» عن اثنين من المشاركين فى الاحتجاجات أن القوى الشرائية تتضاءل بشدة كل يوم بسبب الضرائب التى تنادى بها الحكومة.

وأوضحت «فوربس»، أن تخفيضات الإنفاق الحكومى فى فرنسا واحتمال زيادة ضريبة الثروة الموجودة الآن على طاولة المفاوضات لتعويض إلغاء ضريبة الوقود سيقابلها الرفض، كما يمكن أن تتعارض مع محاولات ماكرون، لجذب الشركات والاستثمارات المحتملة فى فرنسا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، حيث قد ترغب بعض الشركات فى تجنب زيادة الأعباء الضريبية على المدى الطويل.
وقال الرئيس الفرنسى ايمانويل ماكرون، فى كلمة مدتها 13 دقيقة ألقاها من «قصر الإليزيه» الرئاسى إنه أنصت إلى هتافات الكثيرين الذين بدأت معاناتهم الاقتصادية فى الظهور فى الأسابيع الأخيرة وأنه سيتخذ خطوات فورية لتخفيف معاناتهم لمواجهة الاحتجاجات العنيفة والدعوات بالاستقالة.
وأوضح ماكرون، أنه سيسعى نحو إعادة تشكيل اقتصاد فرنسا من جديد معلناً عن تخفيضات ضريبية وزيادة الدخل للطبقة المتوسطة المتعثرة والفقراء كما تعهد بزيادة رواتب العمال الذين يحصلون على الحد الأدنى للأجور، وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن كلمات ماكرون، والإجراءات المزمع اتخاذها بمثابة محاولة من قبل سياسى اعتبره شعبه منفصلاً عن التواصل مع المواطنين العاديين فى ثالث أكبر اقتصاد فى أوروبا.
وجاء هذا الخطاب بعد شهر من الاضطرابات التى أججتها حركة «السترات الصفراء» فى العاصمة باريس وغيرها من المدن الفرنسية التى أعربت عن غضبها الشديد من سياسات ماكرون، الاقتصادية إلى جانب فشل حكومته فى التركيز على السياسات التى تدعم الطبقة الوسطى الفرنسية المنسية.
ولكن ماكرون اعترف، بأنه يتحمل مسئولية عدم الرد بسرعة أكبر على مطالب المتظاهرين وهو الأمر الذى أعطى الشعب انطباعًا بأن لديه «أولويات أخرى» ولم يكن مهتمًا بمشاكلهم.
وقال ماكرون، إن رئيس الوزراء إدوارد فيليب، سيعلن عن تفاصيل خطوات حل الأزمة ولكن سيكون هناك مبلغ إضافى قدره 100 يورو أى حوالى 115 دولارًا للعمال الذين يحصلون على الحد الأدنى للأجور الشهرية اعتبارًا من يناير المقبل، وأضاف أنه سيتم إلغاء الضرائب على أجور العمل الإضافى وأن المتقاعدين الذين يقل دخلهم عن 2000 يورو شهرياً لن يُطلب منهم دفع زيادة فى ضرائب الضمان الاجتماعى بعد الآن.
وجاءت الانتقادات سريعاً من العديد من خصوم ماكرون، السياسيين الذين قالوا إن مقترحاته بعيدة عن تلبية احتياجات الناس.
ولم يقتصر الأمر على الخصوم السياسيين بل كانت تصريحاته بمثابة خيبة أمل للكثيرين فى حركة «السترات الصفراء» الذين قالوا إن مقترحاته لم تتطرق إلى احتياجاتهم ووصفها البعض بأنها «نصف تدابير».
واقترح المحللون السياسيون أن استرضاء الغضب تجاه ماكرون، يتطلب أكثر بكثير مما وعد به.
وقال توماس سنيجاروف، أستاذ العلوم السياسية فى باريس «عندما يستمع الشخص إلى هتاف «السترات الصفراء» يسمع العديد من المطالب المختلفة ولكن هناك اتفاق على ضرورة استقالة إيمانويل ماكرون.
ولكن فى الوقت نفسه، لا يعتقد الكثيرون أن رحيله من شأنه أن يحسن وضعهم مما يوحى بأنهم غير متأكدين مما سيحسّن حياتهم حقاً.
وتولى ماكرون، الرئاسة عام 2017 لمدة خمس سنوات ووعد بجعل فرنسا أكثر قدرة على المنافسة اقتصاديا.
وتمثلت أحد خطواته المبكرة فى خفض الضرائب على الأغنياء لتحفيز الاستثمار ولكن مثل هذه التغييرات كانت تنفر العديد من العاملين الذين وصفوه بأنه «رئيس الأثرياء».
وعلى الرغم من سعى الرئيس الفرنسى لتهدئة الشارع إلا أنه أظهر القليل من الميل للاستقالة حيث يحظى حزبه السياسى بأغلبية ساحقة فى مجلس النواب ويحظى أيضاً بدعم كبير بين قادة الأعمال وكثير من سكان الحضر.

المصدر: جريدة البورصة

الأكثر مشاهدة

البنوك المركزية تتولى مسئولية إنقاذ الاقتصاد العالمى

يحتل محافظو البنوك المركزية العالمية مرة أخرى مقعد القيادة عندما...