ملفات

كيف ستتصرف البنوك المركزية العالمية مع اتساع فجوة الثروات؟

العالمية

كانت الأزمة المالية العالمية فى 2007- 2009 سبباً فى الانقسام الاجتماعى، والدمار الاقتصادى، فقد تسببت فى ردود فعل عنيفة تجسدت فى حركة حفل الشاى السياسية الأمريكية.

هذه الأزمة كان لديها البراعة على الأقل لنشر الألم المالى بين الأثرياء والفقراء على حدٍ سواء، ففى الواقع تراجعت حصة الثروة العالمية التى يحتفظ بها «الـ%1» الأعلى فى عام 2008. مع ذلك، كان الوباء مختلفاً تماماً، فرغم حالة البؤس التى أصابت العالم، وارتفاع أعداد الوفيات، ارتفع عدد المليونيرات العام الماضى بمقدار 5.2 مليون ليصل إلى أكثر من 56 مليوناً، بحسب تقرير الثروة العالمية الصادر عن مصرف «كريدى سويس».

واستطاع الـ%1 الأعلى رفع حصصهم من الثروة إلى %45، بزيادة %1 على عام 2019. وذكرت مجلة «ذى إيكونوميست» البريطانية، أنَّ الأثرياء لديهم بشكل كبير بنوك مركزية تستحق الشكر على الحظ السعيد الذى حظوا به العام الماضى؛ فقد ساعدت البنوك المركزية على انتعاش أسعار الأسهم والممتلكات والسندات من خلال خفض أسعار الفائدة وجمع الأصول. كما أن جهودها المبذولة فى الإنقاذ الاقتصادى كانت تشكل انتصاراً من نواحٍ كثيرة.

ومع ذلك، فإنَّ البنوك المركزية لا تشعر بارتياح تام تجاه الدور الذى لعبته فى إرضاء هؤلاء الأفراد الذين يشعرون براحة من الأساس. فى أكتوبر، قارنت مارى دالى، من بنك الاحتياطى الفيدرالى فى سان فرانسيسكو، الانتعاش المالى الكامل للولايات المتحدة بانتعاشها الاقتصادى غير المكتمل، واعترفت بأن الأمر «يبدو غير عادل، وهو مثال آخر على فوز الأسواق المالية وخسارة الشركات الصغيرة والأفراد».

ويناسب خطاب دالى الاتجاه الحالى؛ حيث يذكر محافظو البنوك المركزية عدم المساواة فى أحيان كثيرة.

فى الماضى، كانت البنوك المركزية تجادل بأن عدم المساواة ينتج فى الأساس؛ بسبب القوى الهيكلية- الأتمتة أو العولمة على سبيل المثال- التى تتجاوز صلاحياتها أو سلطتها.

وأشارت إلى أنها تمتلك أداة سياسية واحدة فقط، وأنها غير قادرة على وضع معدلات فائدة مختلفة للأثرياء والفقراء، لذا يمكن أن تواجه هذه النماذج الاقتصادية صعوبة فى تقييم تأثير السياسة على توزيع الدخل.

تخدم البنوك المركزية بشكل أفضل قضية مكافحة عدم المساواة من خلال التمسك بأهدافها التقليدية المتمثلة فى كبح جماح التضخم والانكماش والإفراط المالى، لكن التعامل مع عدم المساواة كهدف آخر يمكن أن يضر بتحقيق هذه الأهداف.

كما أن السياسة النقدية ستجد صعوبة أكبر فى محاربة القوى الدورية إذا كانت مشغولة للغاية فى مواجهة القوى الهيكلية مثل التكنولوجيا والتجارة.

علاوة على ذلك، فإنَّ المعركة القديمة ضد التضخم والركود والمضاربة ليست بالضرورة أن تكون عدوانية. فغالباً ما يكون التضخم المرتفع ضريبة تنازلية، ما يضر بأولئك الذين يعتمدون على النقد أكثر من غيرهم.

عن ذلك، يقول كلاوديو بوريو، رئيس القسم الاقتصادى والنقدى فى بنك التسويات الدولية: «لقد رأيت بنفسى الفوضى التى يمكن أن يلحقها التضخم المرتفع بالشرائح الأفقر من المجتمع عندما نشأت فى الأرجنتين».

وأشار بوريو، فى خطاب ألقاه مؤخراً، إلى أن محاربة فترات الانكماش تعتبر أيضاً مسعى قائماً على المساواة، فحالات الركود تؤدى إلى تفاقم عدم المساواة، وعدم المساواة يؤدى إلى تفاقم حالات الركود، وهو ما يُعرف باسم دورة «التضخيم الضار».

وتعانى المجتمعات المنقسمة بشدة انخفاضات أكبر فى الإنتاج فى الأوقات العصيبة، وتستجيب بشكل أبطأ للتيسير النقدى.

كما أن تأثير السياسة على الاقتصاد يعتبر ضعيف جزئياً؛ لأن الفقراء لا يستطيعون الحصول على الائتمان، وبالتالى لا يمكنهم الاقتراض والإنفاق أكثر عند خفض أسعار الفائدة.

وفى الوقت نفسه، فإنَّ الأثرياء لا ينفقون أكثر بكثير أيضاً، رغم أن السياسة المتساهلة ترفع أسعار أصولهم.

بالتالى لن يكون هناك حاجة لمنح البنوك المركزية مجموعة أهداف جديدة تتسم بمساواة أكبر، لكن هذا يترك المجال مفتوحاً لمسألة كيفية تحقيق البنوك المركزية هذه الأهداف. وربما تكون بعض الأساليب والأدوات أفضل للتماسك الاجتماعى من غيرها، وربما تفضل البنوك المركزية بشكل معقول أولئك الذين يخدمون تفويضهم بشكل أكثر إنصافاً من الآخرين.

مع ذلك، هناك حدود لما يمكن أن تحققه السياسة النقدية وحدها.

كما يلاحظ بوريو، أنَّ البنك المركزى الذى يتمسك بدوره المعتاد قد يواجه مقايضات محرجة، ما يفرض حالات عدم مساواة فى الدخل مقابل عدم المساواة فى الثروة وعدم المساواة الآن مقابل عدم المساواة لاحقاً.

وقد يؤدى التيسير النقدى الجرىء إلى توزيع أكثر اتساقاً للدخل من خلال الحفاظ على الوظائف، لكنه سيرفع سعر الأصول، ويزيد من عدم المساواة فى الثروة، على المدى القصير على الأقل.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن لهذه السياسات النقدية في العالمية التوسعية أن تسهم فى التجاوزات المالية التى يمكن أن تؤدى إلى ركود أعمق وأطول أمداً فى المستقبل، وهذا سيكون سيئاً فى النهاية حتى بالنسبة للمساواة فى الدخل.

ويدور الجواب مكرراً حول تطبيق مجموعة واسعة من السياسات، مثل تحسين التنظيم المالى للحد من تجاوزات المضاربة وسياسة مالية أكثر استجابة، حيث تسمح المالية العامة بذلك.

إذا كانت البنوك المركزية قد تسببت فى تفاقم عدم المساواة فى ظل الجهود التى بذلتها لإنقاذ الاقتصاد، فإن هذا الأمر يرجع جزئياً إلى أنها تحملت نصيباً غير متكافئ من العمل، لكن فى ظل تقديم السياسة المالية مزيداً من المساعدة، فإنَّ البنوك المركزية ستجد أنه من الأسهل التخلص من وعاء الشاى قبل انطلاق حفل الشاى.

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

عشرون اتفاقية منها عقود نهائية.. ماذا حدث بين مصر وليبيا؟

يبدو أن ساعة إعادة إعمار ليبيا قد دقت الآن، إذ...

منطقة إعلانية