ملفات

الطريق إلى سوق أفريقية مشتركة

قال الزعيم الأفريقى الراحل نيلسون مانديلا ذات مرة: «يبدو الأمر مستحيلاً دائمًا حتى يتم إنجازه»، وتحتاج أفريقيا هذه الروح لجعل اتفاقية تعزيز التجارة الخارجية وتحرير التجارة داخل القارة السمراء أمراً واقعاً.
وتنطلق أفريقيا بطاقة استهلاكية تقدر طبقتها بمليار نسمة وهى طبقة شرهة للسلع عالية الجودة، والتى تعانى من الندرة حالياً بسبب ضعف البنية التحتية للقطاع الصناعى والصناعات التحويلية والاهتمام بتجارة السلع الاستخراجية بشكل أكبر والتى تعانى اضطرابات الأسعار، وبالتالى اضطراب الاستقرار المالى.
ولكى تتبوأ القارة مكانتها التى تستحقها وفق إمكاناتها الهائلة عالمياً يجب العمل أولاً إقليماً، حيث أن تعزيز التجارة البينية سوف يسد الثغرات فى الدول الأضعف ويدعم قدرات الدول صاحبة الرصيد التصديرى الأعلى للوصول إلى أسواق جديدة.
وأهم عناصر الخطط الأفريقية هى الارتقاء بالمستوى المهارى وتوفير التمويل اللازم لرفع مستوي الجودة وبالتالى زيادة القيمة المضافة للصادرات الإقليمية والعالمية، والمطلوب من كل دولة أن تضع استراتيجيتها الخاصة للتكيف مع اتفاق يقضى بإلغاء الحواجز الجمركية وغير الجمركية على %90 من السلع والخدمات العابرة للحدود.

التخلص من الحواجز الجمركية يفتح الطريق أمام تبادل تجارى واسع

اتخذت أفريقيا الخطوة العملاقة فى إنشاء سوق كبيرة ومتكاملة من خلال إنشاء منطقة التجارة الحرة الأفريقية القارية فى مارس 2018 بقمة كيجالى برواندا وفى نوفمبر من نفس العام كان للاتفاقية 49 توقيعاً و12 تصديقاً من برلمانات تشاد وكوت ديفوار ومملكة اسواتينى وغانا وغينيا وكينيا ومالى والنيجر ورواندا وسيراليون وجنوب أفريقيا وأوغندا، وعلى الرغم من أن هناك ما لا يقل عن 22 تصديقاً مطلوباً لبدء نفاذ الإتفاقية، إلا أن الدعوة مستمرة فى دفع جميع الدول الأعضاء بالاتحاد الأفريقى إلى الدخول حتى يتسنى لهم الحصول على سوق متكامل بحق يزيل تمامًا النمط التاريخى لصغر التبادل التجارى وحالة العزلة جراء تجزئة اقتصاداتها وافتقارها إلى القدرة التنافسية، ويوجد طيف واسع من أصحاب المصلحة ينتظرون الاتفاق بما فى ذلك النساء والشباب والقطاع الخاص والمجتمع المدنى والأكاديميين والبرلمانيين والشركاء المتعاونين.
ويستمر العمل التحضيرى لتشغيل السوق فى مجالات مثل وضع قواعد بلد المنشأ، وتحرير التجارة فى السلع والخدمات، وإنشاء أنظمة المدفوعات والتسويات الرقمية، كما يجرى وفقاً لتقرير معهد “برويكنجز للأبحاث” تطوير سلاسل القيمة الإقليمية لتزويد السوق وربط أفريقيا بسلاسل القيمة العالمية.
ويتمثل التحدى الأكثر أهمية الذى يواجهه تفعيل اتفاقية التجارة الحرة العام الجارى والتجارة المزدوجة بين البلدان الأفريقية بحلول عام 2022 فى إزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية، كما تعيش التجربة الأفريقية تحدياً من نوع آخر يتمثل فى تحقيق نتائج مفيدة للجميع، نظراً إلى أن الاتفاقية ستكون متنوعة من أقل البلدان نمواً والبلدان غير الساحلية والجزر الصغيرة ودول الوسط الأدنى والبلدان متوسطة النمو فضلاً عن البلدان التى تشهد نزاعات.


ويوجد تحدى آخر عانت منه المحاولات السابقة للوحدة الأفريقية وهى غياب الإرادة السياسية، إلا أن نجاح التفاوض حول الاتفاقية كان أفضل رد على المشككين فى الجدوى منها، لكن الافتقار للقدرة الجماعية على تنفيذها فى عصور سابقة يضع الإرادة السياسية والشعبية موضع اختبار فى السنوات المقبلة حيث تحتاج الاتفاقية إلى جهود قوية ومركزة ومرونة كافية لتوليد نتائج ملموسة تمكن الجميع من مواجهة هذه التحديات وغيرها.
وتقوم خطط تنفيذ اتفاق التجارة الحرة على نحو يبدأ بقيام الدول الأعضاء بصياغة وتنفيذ استراتيجيات تمهد محلياً لتطبيقه ومن ثم يتنتقل الخطط إلى المستوى الإقليمى ليتخذ الإتحاد الإفريقى إجراءات لكسر الحواجز وتحسين تدفق السلع وحركة الأشخاص ورؤوس الأموال، وعلى سبيل المثال يجرى تنفيذ اتفاقية تيسير التجارة لمنظمة التجارة العالمية من خلال استراتيجية تسهيل التجارة لدى دول القارة لجعل أفريقيا منافساً عالمياً أفضل.
وأطلق الإتحاد الأفريقى فى يناير 2018 سوق النقل الجوى الأفريقى الوحيد وفتح باب التوقيع على بروتوكول معاهدة إنشاء الجماعة الاقتصادية الأفريقية المتعلقة بحرية تنقل الأشخاص وحق الإقامة وحق تأسيس الشركات.
ويجرى العمل على الانتهاء بحلول عام 2020 من التفاوض بشأن البروتوكولات المتعلقة بالاستثمار والمنافسة وحقوق الملكية الفكرية ومن خلال هذه الخطوات يتم التمهيد لتفعيل اتفاق تحرير التجارة البينية ليصبح سلم صاعد نحو سوق داخلية خالية من الحواجز المادية أو التقنية أو المالية.
وتوقع التقرير، أن ينجح هذا الاتفاق فى تجاوز تحدياته بمسار سريع يسبق الخمس سنوات لدخوله حيز التنفيذ وستستفيد الدول فى مراحل الاتفاق الأولية من سيادة أفريقيا الموحدة وتجارتها الموسعة، مما يدعم الثقة فى أن هذا الاتفاق التاريخى سيوفر سبل عيش كريمة لجميع الأفارقة بما يتماشى مع جدول أعمال استراتيجية 2063.

ضعف الناتج الصناعى يعرقل الاندماج فى سلاسل القيمة العالمية

تمثل التجارة البينية الإقليمية فى الوقت الحالى %17 من صادرات إفريقيا مقارنة بـ %59 فى آسيا و%69 فى أوروبا، كما تؤدى السلع المصنعة دوراً أكثر محدودية فى صادرات أفريقيا، مقارنة بالمناطق الأخرى، مما يبرز اندماج القارة المحدود فى سلاسل القيمة العالمية، وقد قامت الدول الأفريقية بتبادل السلع المصنعة فيما بينها، حيث شكلت %42 من التجارة البينية الإقليمية، مقارنة بنسبة %15 من الصادرات خارج المنطقة.
ومن المتوقع أن يعزز تنفيذ الاتفاقية الأفريقية للتعاون التجارى والتنمية الأفريقية التجارة الإقليمية والدولية، ونقل تقرير المعهد الأمريكى الدولى فى عن مقال لفيرا سونج، السكرتيرة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا قولها إن إمكانية زيادة التجارة البينية بين 50 مليار و70 مليار دولار بحلول عام 2040 فقط بسبب إزالة التعريفات دون أى تطوير تنموى.
علاوة على ذلك، إذا نفذت التجارة البينية الإقليمية بشكل جيد، يمكن أن تشكل ما يصل إلى %50 من الصادرات بحلول عام 2040، بزيادة عن النسبة الحالية البالغة %17، ومع ذلك يؤكد المقال أن جعل التجارة أكثر إنصافاً وتحسين تنويع الصادرات وجودة المنتج سيكون أيضاً من العلامات المهمة لنجاح الاتفاقية.
ولم تتمكن معظم البلدان الأفريقية من تنويع صادراتها بين عامى 1990 و2014 وعلاوة على ذلك، شهد العديد من المصدرين المتنوعين مثل المغرب وجنوب أفريقيا تراجع فى الأداء.
ومن المتوقع أن تساعد اتفاقية السوق الأفريقية على زيادة التنويع والسماح بالوصول إلى الأسواق الإقليمية وللمجموعة الأكبر من السلع المنتجة، وهذا مهم بشكل خاص للاقتصادات المصدرة للسلع الأساسية والبترول، مما يساعد على عزلها عن تقلبات الأسعار، كما ينبغى أن يسمح تنويع التجارة لمزيد من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة للمشاركة فى التجارة الدولية، مما يحفز الابتكار ويعزز الإنتاجية.


ويؤكد التقرير على إمكانات أفريقيا غير المستغلة فى مجال الأعمال وعلى الفرص الهائلة المتاحة القطاع الخاص فى الأسواق الأفريقية التى يمكن أن تولد فرص العمل والتوظيف وتساعد العديد على تسلق سلم الدخل نحو مزيد من الازدهار.
وتتمثل إمكانات النمو الأكثر دراماتيكية فى المعالجة الإقليمية بما فى ذلك قطاعات الأغذية والمشروبات والابتكار العالمى للأسواق المحلية والمواد الكيميائية والسيارات، وتحقق هذه القطاعات إيرادات يمكن أن تشهد طفرة كبرى من 2 إلى 5 أضعاف ففى حين أن معظم النمو قد يأتى من تصنيع بدائل الواردات وتلبية الطلب المحلى فهناك أيضاً فرصة لزيادة الصادرات وجعل أفريقيا مركز التصنيع الكبير القادم فى العالم.
لكن لاتزال هناك عقبات كثيرة أمام الشركات فى أفريقيا، خاصة بدول جنوب الصحراء الكبرى وقد أشار مسح للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة أجراه بنك الاستثمار الأوروبى بين عامى 2011 و2017 إلى صعوبة الوصول للتمويل باعتباره أكبر عقبة فى أعمالها بجانب نقص الكهرباء والمنافسين فى القطاع غير الرسمى، فضلاً عن عدم الاستقرار السياسى.
ويؤكد التقرير، أنه بالنسبة لأولئك الذين يرغبون فى تعلم وفهم تعقيدات المنطقة يمكن تحويل التحديات إلى فرص للنمو والنجاح.
ويحذر معهد «بروكينجز» من أن تصور المخاطر فى الأعمال التجارية بأفريقيا غالباً ما يكون مبالغ فيه ويتجاوز واقع المخاطر الحقيقى، مما يعيق القدرة على إيجاد حلول دائمة لتحديات التنمية وخلق جيل من رواد الأعمال والذى يتطلب الاستفادة من القدرات الموجودة مع سد الثغرات وتوسيع نطاق المسارات الناجحة.

الشركات الصغيرة والمتوسطة تعزز دور القطاع الخاص فى تنمية التجارة

لا يمكن بناء سوق أفريقية مشتركة بدون دور رئيسى للقطاع الخاص، خاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة والتى تمثل أدنى معدلات الأعمال التجارية فى القارة السمراء مقارنة بجميع أنحاء العالم.
ومثلها مثل بقية الأعمال فى دول جنوب صحراء إفريقيا من الصعب عموماً تطوير الأعمال التجاربة للشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث تصارع الشركات القابلة للحياة تحديات نمو جراء صعوبة الوصول إلى رأس المال وضعف الأسواق وفجوة المهارات للكوادر الوظيفية.
يتطلب الأمر فى هذا الواقع المثبط إيجاد حلول مستدامة لهذه التحديات الأساسية فى تنمية القطاع الخاص واستكشاف مناطق خارج نطاق توفير الدعم الموجه للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، بما فى ذلك بناء بيئة أعمال أكثر شمولاً لتنظيم المشاريع واعتماد سياسات أكثر فعالية لسوق العمل والحماية الاجتماعية.
وتحتاج روح المبادرة لرجال الأعمال المبتدئين إلى رعاية، والتى ينبغى أن تبدأ بتشخيص الموارد الأكثر ندرة لتنمية المشاريع لتعزيزها وتعظيم الأثر لأن ضمان تمويل موثوق هو شريان الحياة لأى شركة ناشئة.
وتحتاج الشركات الأفريقية إلى معرفة متعمقة وخبرة فى الأسواق المحلية والدولية وقدرة إدارية على إدارة شركة ذات حجم كبير مما سيكون مصدراً لعوامل نجاح القطاع الخاص وهى مسألة أكثر أهمية بكثير من المعرفة الأساسية لعلمية الإنتاج نفسها.
وتتنوع الآراء حول كيفية دعم أصحاب الأعمال الخاصة وتتراوح بين منح المال لاستخدام المهارات الحالية وبناء قدرات ثابتة والتغلب على عدم التوافق مع القطاع الاقتصادى ومكان المشروع للمساعدة على الانتقال من الموقع أو طبيعة النشاط.
وفى العديد من الحالات، قد يفشل الائتمان المصغر وتقديم التدريب الأساسى فى مجال الأعمال على المهارات الفنية فى إحداث تأثير ملموس على أداء الشركات الصغيرة والمتوسطة فى الأعمال التجارية، ولاسيما بالنسبة للأعمال التجارية المملوكة للنساء، وفى حين أن الشركات الصغيرة والمتوسطة ساعدت على انتشال الملايين من الفقر من خلال التوظيف، ووفرت فرص العمل لأول مرة للشباب، وحسنت رفاهية أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فقد فشلت فى خلق وظائف واسعة النطاق وعالية الجودة تحتاج إليها أفريقيا، ومن أسباب الفشل الأساسية فى صلب التحدى الذى تواجهه تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة فى أفريقيا تكمن سياسات سوق العمل الهشة ونقص استراتيجيات الاستثمار فى المهارات لتلائم احتياجات المهارات بالصناعات المتنامية.
وإذا كان نمو الشركات الصغيرة فى المشاريع المتوسطة أو الكبيرة مقياساً للنجاح فإن أفريقيا تحتاج إلى مزيج صحيح من سياسات تطوير القطاع الخاص وسياسات سوق العمل والحماية الاجتماعية مع توضيح الأهداف التى يتم الترويج لها لتطوير الخطط الملائمة.
وبعيداً عن السياسات الذكية، يجب على الدول أن ترصد مجموعة أصحاب المصلحة عن كثب حيث ينبغى أن تنعكس أولوياتهم فى سياسات المشتريات الحكومية، والميزانية، فضلاً عن المشاركة مع رواد الأعمال والمبتكرين الاجتماعيين، وكذلك فى مشاركة القطاع الخاص بنماذج الأعمال الشاملة للنهوض بالعائدات الاقتصادية والاجتماعية للاستثمار.
وعلى وجه الخصوص، بالنسبة لمجتمعات أصحاب المصلحة الذين اختاروا دعم شريحة من السكان مثل النساء والشباب فعليهم تعزيز نقاط القوة الأساسية، وتقديم الدعم الفعال المباشر لصاحب لمشروع.
وتجدر الإشارة إلى أن المرأة تجلب مجموعات مختلفة من المهارات لأسواق العمل لكنها تواجه تحديات مختلفة داخل وخارج مؤسساتها ويزدهر دورها فى الأماكن التى تعمل فيها شبكة من المؤسسات ومجموعة من أصحاب المصلحة الذين يشجعونها على الإدماج.
ويشكل «رأس المال التمكينى» للمرأة عنصراً أساسياً لدعم وتشجع مصالحها ومعالجة تحدياتها الخاصة، لكن تكمن القدرة الحاسمة هنا فى تحديد المهارات والموارد التى تحتاجها المرأة للحصول على رأس المال التمهيدى لها ومن ثم توسيع وإثراء مصادر التمويل، وقد ساعدت الأدلة الناشئة من علم النفس والاقتصاد التجريبى على تحسين فهم المسارات الفعالة لتقديم أفضل دعم للشركات الصغيرة والمتوسطة المملوكة للنساء.
والجدير بالملاحظة أنه لكى تكون التدخلات ناجحة، فإنها تحتاج إلى تجاوز الوصول الأساسى إلى تمويل رأس المال ورأس المال البشرى ومعالجة القيود النفسية والاجتماعية ومشكلة نقص المهارات التى تواجهها رائدات العمل من النساء.
وركزت التدخلات الناجحة فى خلق تأثيرات ملموسة على أصحاب المشاريع من السيدات على برامج رأس المال وتدريبات تضفى عليها مهارات مرنة مع حركة السوق بجانب القيادة والاعتبارات المعرفية التى يتطلبها السوق مثل التدريب على تحديد فرص فتح أسواق جديدة والاستثمار فى استيعاب مزيد من الأيدى العاملة من الإناث والمساعدة فى توفير رعاية أطفال مجانية أو ميسورة التكلفة.

التجارة البينية شريان الحياة لمشروع السوق الأفريقية الموحدة

سيطر النقاش حول تحرير التجارة فى أفريقيا على هذا العقد وألقت القارة بثقلها خلف تعزيز التعاون فيما بينها أكثر من ذى قبل وبطريقة أفضل حتى وصلت فى مارس 2018 بتوقيع البلدان الإفريقية اتفاقية تجارية تاريخية، وتقضى الاتفاقية بإنشاء منطقة التجارة الحرة الأفريقية القارية التى تلزم البلدان بإزالة التعريفات على 90% من السلع وتحرير التجارة فى الخدمات تدريجياً، والعمل على التخلص من مجموعة حواجز أخرى غير جمركية.
ويبشر النجاح فى تنفيذ الاتفاقية بخلق سوق أفريقى واحد لأكثر من مليار مستهلك مع إجمالى ناتج محلى يزيد على 3 تريليونات دولار، وسيجعل هذا أفريقيا أكبر منطقة تجارة حرة فى العالم.
وأهم ما ييز الاتفاق، لكن كثيرين لا يلتفتون إليه هو أن نطاقه يتجاوز مجال منطقة التجارة الحرة التقليدية، والتى تركز بشكل عام على التجارة فى السلع، لتشمل التجارة فى الخدمات والاستثمار وحقوق الملكية الفكرية وسياسة المنافسة والتجارة الإلكترونية، وتدعم هذه الاتفاقية مبادرات قارية أخرى، بما فى ذلك بروتوكول حرية حركة الأفراد، والحق فى الإقامة والحق فى إنشاء مشروع، وسوق النقل الجوى الأفريقى الموحد.
ويجعل نطاق التأثير المحتمل لاتفاقية تحرير التجارة بين دول القارة من الضرورى فهم الدوافع الرئيسية وراءها وأفضل الطرق لتسخير فرصها والتغلب على مخاطرها وتحدياتها.
وبحسب معهد “بروكينجز”، فإن اتفاقية تحرير التجارة القارية لم تعد رفاهية فى وقت تشهد فيه التجارة الدولية منافسة شرسة دفعت حتى القوى العالمية التى تروج تقليدياً للتجارة كمحرك أساسى للنمو مثل الولايات المتحدة فى عهد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تشكك الآن فى مبادئها ذاتها وتلجأ إلى إجراءات حمائية غير مسبوقة.
هذه المخاطر ليست بلا سبب فمن المسلم به على نطاق واسع أنه فى حين أن العولمة والتجارة أنتجتان التوسع الاقتصادى المثير للإعجاب فى العقود الثلاثة الماضية، فإن المكاسب لم توزع توزيعاً عادلاً، ويبين مؤشر “جينى” للبنك الدولى أن انعدام المساواة ارتفع بشكل حاد بين عامى 1988 و1998 وانخفض بشكل لا بأس به بحلول عام 2013، ورغم أن الفقر العالمى قد انخفض، فإن الرخاء لم يتم تقاسمه بالكامل.
ولايزال البعض ينظر إلى التجارة فى أفريقيا من منظور أنها غير مستعدة للأفضل وإنها حققت أقصى ما يمكنها حيث زادت حصة الصادرات البينية الأفريقية كنسبة مئوية من إجمالى الصادرات الأفريقية من حوالى 10% عام 1995 إلى حوالى 17 % فى 2017، ولكنها تظل منخفضة مقارنة بمستويات فى أوروبا 69% وآسيا 59% وأمريكا الشمالية 31% كما أنها منخفضة بالنسبة لإمكانياتها الحقيقة وفرصها غير المستغلة.
ومع رصد الفرص غير المستغلة الهائلة فإنه تعد سبباً مهماً لتوقع أن تكون التجارة محركاً رئيسياً للنمو فى أفريقيا فوفقاً لنتائج تقرير أعدته اللجنة الاقتصادية للإتحاد الإفريقى من المتوقع أن تزيد قيمة صادرات القارة.
ويشير التقرير إلى أن الاتفاق الجديد سوف يكون بمثابة لعبة تحفيز التجارة البينية الأفريقية فمن المتوقع زيادة قيمة التجارة البينية فى القارة بدون حساب تإثيره بما يتراوح بين 15% أو 50 مليار دولار و25% أو 70 مليار دولار بحلول عام 2040، لكن فى حال تفعيل الاتفاق فان حصة التجارة البينية الإفريقية ستزيد بما يقرب من 40% إلى 50% اعتماداً على طموح إزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية فى الفترة من 2020 وحتى 2040.
وتبين الأدلة الأخيرة الصادرة عن اللجنة الاقتصادية لأفريقيا أنه عندما تتاجر البلدان الأفريقية فيما بينها فإنها تتبادل المزيد من السلع المصنعة والمعالجة، وتجرى المزيد من عمليات نقل المعرفة وتخلق قيمة أكبر للاقتصاد.
وفى الواقع، تشكل السلع المصنعة نسبة أعلى بكثير فى الصادرات الإقليمية من تلك التى تصدر خارج القارة فالنسبة تصل إلى 41.9 % مقابل 4.8% فقط عام 2014، ومع ذلك فإن الاختبار الحقيقى لاتفاق تحرير التجارة سيكون مدى سرعة البلدان الأفريقية فى تسريع تنويع الصادرات وتطوير المنتجات، وجعل أعمال التجارة أكثر شمولاً.
وتنويع الصادرات أمر مهم لأنه يسمح للبلدان ببناء القدرة على تحمل اضطرابات الطلب الخارجى بسبب الانكماش الاقتصادى فى البلدان المستوردة وكذلك أيضا الانخفاضات فى الأسعار، وفى حالة البلدان المصدرة للسلع، فإنها تدعم التحول من الاعتماد المفرط على السلع إلى المنتجات والخدمات ذات القيمة المضافة الأعلى حيث يسمح التنويع الاقتصادى بإدراج المزيد من الشركات الصغيرة والمتوسطة ويساعد على تشجيع الابتكار مع فتح المزيد من الأسواق فضلاً عن تعزيز الإنتاجية.
وبين عامى 1990 و2014، نجحت معظم بلدان النمو السريع فى العالم بتنويع اقتصاداتها لكن معظم البلدان الأفريقية اعتمدت بدلاً من ذلك على عائدات الصناعات الاستخراجية مثل البترول والمعادن.
وباستثناء رواندا والسنغال والسودان، لم تنوع الاقتصادات الأفريقية من صادراتها وحدث تحسن فى تنويع الصادرات القارية بشكل هامشى فقط بين عامى 1990 و2014، وأصبحت الصادرات من وسط وشمال أفريقيا أكثر تركيزاً على سلع وخدمات معينة على نحو متزايد، وحتى البلدان ذات الصادرات المتنوعة مثل المغرب وجنوب أفريقيا عانت من شدة المنافسة، وعلى النقيض من ذلك، تمكنت معظم اقتصادات شرق آسيا من تنويع الصادرات بوتيرة سريعة ومتقاربة مع مستويات الصين وكوريا الجنوبية.
وفى ظل هذه الخلفية، لا يمكن لبلدان إفريقيا دخول أسواق جديدة بدون تنويع أنشطتها حسب وجهة التصدير ونوع السلع المطلوبة والمنتجة، وعلى صعيد إمكانات المنتجات الزراعية، فى عام 2015، أنفقت البلدان الأفريقية حوالى 63 مليار دولار على الواردات الغذائية ذهب معظمها إلى خارج القارة.
ومن المنتظر وفق بيانات اللجنة الاقتصادية لأفريقيا بحلول عام 2040 زيادة التجارة فى السلع بين البلدان الإفريقية بالمنتجات الزراعية بنسبة تتراوح بين 20 و 30% خاصة السكر والخضراوات والفاكهة والمكسرات والمشروبات ومنتجات الألبان، ومن المتوقع أن يؤدى اتفاق تحرير التجارة إلى توسيع الوصول للأسواق على المستويين الإقليمى والدولى، وبالتالى توليد إيرادات للحكومات وزيادة دخل المزارعين وتوسيع قدرة المزارعين والدول على الاستثمار فى تحديث القطاع الزراعى من خلال المعالجة والميكنة، ونتيجة لتحسن الأوضاع الاقتصادية ينبغى أن يتحفز الطلب على الواردات الغذائية داخل أفريقيا، مما يدعم القطاع الذى يتميز بمشاركة قوية للمرأة فى الغالب، كما ينبغى أن يؤدى التنويع إلى زيادة عمليات معالجة المنتجات التصديرية ويشير تطور أى منتج إلى زيادة حصة القيمة المضافة إليه والعائدات على تصديره، وتعنى زيادة القيمة المضافة زيادة الإنتاجية والقيمة الإجمالية للصادرات.
وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، زادت الصادرات من شرق آسيا من حيث التنويع والجودة، فداخل آسيا تقاربت عدة بلدان مثل كوريا الجنوبية والصين وفيتنام وتايلاند من حيث مستوى الجودة العالمية إلى حد كبير كنتيجة للتكامل فى سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية، وكان نمو الجودة كبيراً بشكل خاص فى التصنيع، على الرغم من أن جودة السلع قد ازدادت أيضاً نتيجة لتطور الصناعات المتكاملة رأسياً، وفيما يتعلق بمعايير التنوع، تخلفت الصادرات الأفريقية بشكل عام عن الركب، ولا يوجد دليل على تقارب فى مستوى الجودة.
ويأمل المراقبون فى أن اتفاقية تحرير التجارة القارية ستؤدى إلى تحسين مستوى التصدير فى جميع أنحائها من خلال تمكين المزيد من الدول من الاندماج فى سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية وبالتالى زيادة جودة الصادرات، وعلى المستوى الإقليمى، تمتلك اقتصادات منطقة جنوب أفريقيا فى المتوسط، أكثر الصادرات تطوراً حيث تصدر بوتسوانا وجنوب أفريقيا السلع الأكثر تطوراً بينما حققت كل من رواندا وأوغندا أكبر قدر من التطوير على مدى العقود الثلاثة الماضية، ومع ذلك يعد تحسن جودة سلة الصادرات بطيئا فى أماكن أخرى بل ووقعت بعض الانتكاسات فهناك قدر كبير من عدم التجانس بين البلدان داخل المناطق الإقليمية للقارة السمراء.
ويبين تحليل الجودة القطاعية أن بعض البلدان الأكثر ثراءً وانفتاحاً لديها صادرات صناعية راسخة مثل جنوب أفريقيا والمغرب، وعلى غرار اقتصادات شرق آسيا، ربما تكون قد وصلت إلى نقطة التشبع لتحسين الجودة داخل القطاعات القائمة وقد تحتاج إلى استهداف أسواق جغرافية جديدة يمكنها توفير مجال أكبر للنمو والابتكار لتحسين ميزتها التنافسية.
وقد نجحت بلدان أخرى، مثل بوتسوانا ومالى فى الارتقاء بسلسلة القيمة بقطاعات الموارد الطبيعية لديه، وفى هذه البلدان، يمكن لعمليات نقل المعرفة إلى قطاعات التصدير الأخرى أن تطلق العنان لإمكانيات الصناعات القائمة أو الناشئة، وتبين الفروق فى أداء الصادرات وتطور المنتجات أن هناك إمكانية لزيادة التنويع بجميع أنحاء القارة وإنشاء صناعات إقليمية متكاملة وتطوير سلاسل قيمة إقليمية للتنافس على المستوى العالمى.
وإذا كان الاتفاق يساعد فى تحقيق التنويع وتحويل الاقتصادات الأفريقية بطريقة شاملة فعلى الحكومات أن تضع سياسات واستراتيجيات فعالة للصادرات، وأن تحدد فرصاً جديدة للتنويع والتصنيع وتطوير سلسلة القيمة، وعلاوة على ذلك، على الرغم من أن منظمة تحرير التجارة القارية فى أفريقيا يمكن أن تعالج العديد من القيود المهمة على جانب الطلب فى التجارة لاسيما تلك المرتبطة بحجم السوق، إلا أنه يجب معالجة قيود يعانى منها السوق فى جانب العرض.
ويقول تقرير اللجنة الاقتصادية لأفريقيا، إنه من خلال النقاط البارزة فى اتفاقية البلدان الأفريقية للتجارة يجرى تجسيد نهج “ربح الجانبين” بحيث تحصل جميع البلدان فى جميع أنحاء أفريقيا والمجتمعات الضعيفة فى هذه البلدان أيضاً على فوائد منها.
ولتحقيق ذلك، ستحتاج الاتفاقية سياسات مرافقة وتركيز قوى على تحقيق نتائج ملموسة من مبادرتها الشقيقة وهى “خطة العمل المعززة للتجارة بين أفريقيا BIAT”، وتقدم هذه المبادرة إطاراً لمعالجة المعوقات الرئيسية للتجارة داخل إفريقيا وتنويعها فى 7 مجموعات “السياسة التجارية، وتيسير التجارة، والقدرة الإنتاجية، والبنية التحتية المتداولة، وتمويل التجارة، والمعلومات التجارية، وتكامل عوامل السوق”.
وينبغى إيلاء اهتمام خاص لتيسير التجارة وبناء القدرات اﻹنتاجية لأن تيسير التجارة أمر أساسى لتخفيض تكاليف التجارة غير الجمركية وهو أمر مهم لضمان الفوائد الشاملة، لأن البلدان غير الساحلية والمتداولين الصغار وغير الرسميين والنساء عادة ما يتحملون عبئاً أكبر بسبب عدم معوقات التجارة، بالإضافة إلى ذلك، سيكون بناء القدرات الإنتاجية من خلال برامج بناء وتطوير المهارات أمراً حاسماً لضمان قدرة العمال النازحين والضعفاء على المشاركة فى البلدان الأفريقية التى تعزز الرفاهية، ووضع سياسات واستراتيجيات فعالة للصادرات، وتحديد فرص جديدة للتنويع والتصنيع، وتطوير سلسلة القيمة.
ويؤكد تقرير المعهد الأمريكى أن اتفاق التجارة الإفريقى هو فرصة وعلى وجه الخصوص، يجب أن يكون الأفارقة مجهزين بالمهارات اللازمة للانخراط فى الصناعات التحويلية كثيفة المهارات مثل الملابس والآلات لاستغلالها.
ومن المبشر أن تقوم كل بلد أفريقية بالفعل بوضع استراتيجية حول كيفية الاستفادة من الاتفاقية ووضع خطط عمل واضحة للاستفادة من الأسواق الوطنية والإقليمية والعالمية فى سياق الإطار الأفريقى لتنمية التجارة الخارجية، حيث يمكن أن تلعب دوراً لتغيير قواعد اللعبة فى التنوع الاقتصادى وإدماج أفريقيا، هذه ليست فرصة يجب تفويتها وسيكون عام 2019 عامًا حاسماً.
المصدر: جريدة البورصة

الأكثر مشاهدة

أحمد علي كامل هداف الدوري المصري

تعرف على أهم الأرقام حول اللاعب, أحمد علي كامل, هداف...

اليونان تتخطى الأزمة بعد الامتثال للإصلاحات الاقتصادية الصعبة

فى يناير 2015 وصل ألكسيس تسيبراس، زعيم حزب «سيريزا» اليسارى...