مقالات

محمد العريان يكتب: مستوى التضخم الأعلى لن يجعل الفيدرالي أكثر فاعلية

شرع المصرفيون المركزيون فى الفيدرالى، كما تعهد رئيسه جيروم باول، فى مراجعة شاملة تستهدف جعل صناعة السياسة النقدية أكثر فاعلية، وسوف يستخدمون المدخلات الداخلية والخارجية، ويدرسون إذا كان يتعين عليهم السماح للتضخم بالارتفاع فوق المستوى المستهدف عند %2 بقدر أكبر فى الوقت الذى يتعاملون فيه مع احتمالية بقاء أسعار الفائدة أقل بكثير من السابق، وفقاً لتقرير نشر نهاية الأسبوع الماضى فى «وول ستريت جورنال».
ويمكنهم القيام بذلك بشكل مباشر من خلال تغيير مستوى التضخم المستهدف أو إضافة مكونات تقوم على الأحداث الماضية والتوقعات المستقبلية، أو بشكل غير مباشر من خلال استهداف مستويات معينة لمؤشرات الأسعار.
ويتعلق هذا التساؤل الأساسى بالتضخم، أحد المكونين الأساسيين للمهمة المزدوجة للفيدرالى، وسوف تكون الإجابة عليه أسهل بكثير إذا كانت صناعة السياسة بالمركزى تحدث فى «أفضل سياق» أى إذا كان المركزى مدعوماً بالكامل من الأجزاء اﻷخرى من الحكومة بإمكانات تساعده على صناعة السياسة الاقتصادية.
ولكن هذه لم تكن الحالة خلال السنوات العشرة الماضية أو نحو ذلك حيث تسبب الاستقطاب السياسى بـ«كابيتول هيل» فى إحباط استخدام مجموعة واسعة من الاستجابات السياسية التى تستهدف إنتاجية أكثر ديناميكية ونمو شمولى أعلى، ونتيجة لذلك تحملت البنوك المركزية عبء سياسى ضخم.
ورغم أن الوضع تحسن كثيراً فى السنوات القليلة الماضية بالنسبة للفيدرالى «ولكن ليس للبنك المركزى الأوروبى على سبيل المثال»، بسبب تبنى السياسات الداعمة للنمو فى السنوات القليلة الماضية، حيث لايزال يعيش فى عالم ليس الأمثل فيما يتعلق بصناعة السياسة والاقتصاد.
وسوف يستمر هذا الواقع لفترة، وتثير مراجعة مستوى التضخم المستهدف سؤالين جوهريين يرتبطان بالأحوال العالمية المائعة اليوم والعوائق الهيكلية المتبقية أمام ارتفاع النمو وشموليته، وهما هل سيتمكن الفيدرالى من مقابلة مستوى التضخم الأعلى إذا كان يكافح بالفعل لمقابلة المستوى الحالى بشكل متواصل؟، وكيف سيتطور ميزان مخاطر التكاليف والفوائد إذا سعى الفيدرالى وراء مستوى تضخم أعلى؟.
وبعد تحمله الأزمة المالية العالمية، وتغلبه على الاختلالات فى عمليات المدفوعات والتسويات، اضطر الفيدرالى فى 2010 إلى الاعتماد على «قناة الأصول» لتحقيق النتائج الاقتصادية الكلية، وكان يأمل الفيدرالى بحفاظه على أسعار الفائدة عند صفر وضخ السيولة عبر برامج مشتريات الأصول الواسعة أن ينشط الناتج المحلى الإجمالى الاسمى باستخدام تأثير الثروة والنزعات الحيوانية للمساعدة فى الوفاء بمهمته المزدوجة وهى العمالة القصوى والتضخم المستقر.
وما تعلمه الفيدرالى هو أن هذ النوع من التدخل ليس كافى، حتى إن كان ضرورياً، وعلاوة على ذلك، أصبحت الروابط الاقتصادية والمالية أقل فاعلية كلما اعتمد الفيدرالى على التدابير غير التقليدية، وفى نفس الوقت ترتفع المخاطر للاستقرار المالى، كما يهدد التدخل السياسى المصداقية والسمعة.
وببساطة توجد حدود لقدرة البنك المركزى الأمريكى على فصل أسعار الأصول عن أسس الاقتصاد والشركات، ناهيكم عن تجنب مخاطر تشجيع الوعود بسيولة أكبر وسوء توزيع الأصول.
وخفف تبنى تدابير داعمة للنمو فى شكل تيسير التنظيمات وخفض للضرائب بعض العبء السياسى على الفيدرالى، ولكنه، كما اتضح فى التحول السياسى الواضح الشهر الماضى، لم يلغي اتكالية الأسواق عليه.
وأحرز الفيدرالى تقدماً كبيراً فى أهداف البطالة والتضخم، وليس واضحاً إذا كان يحتاج توسيع إطاره السياسى أكثر إذا كان الهدف هو تحقيق مهمته الحالية، فالاقتصاد قريب بالفعل من حالة العمالة الكاملة، وفى نفس الوقت يقترب التضخم من مستواه المستهدف %2، ولكن هناك جدل حالياً لصالح توسيع الفيدرالى لإطاره السياسى لبناء مرونة أكبر فى أدواته للاستجابة لاحتمالية ركود كبير فى النمو بالمستقبل.
ولكى يكون لذلك معنى، يتعين على الفيدرالى أن يكون واثقاً أن الفوائد المحتملة تبرر التكاليف والمخاطر، وتتمثل أحد أكبر المخاوف في عدم الاستقرار المالى مستقبلاً، وسوف يزداد هذا التهديد إذا فشل الكونجرس والحكومة فى الاتفاق على مبادرات داعمة للنمو العام المقبل، بما فى ذلك برامج البنية التحتية.
ويدرس الفيدرالى إمكانية استخراج أرنب آخر من نفس القبعة المستهلكة، أى أن تكون للأدوات السياسية غير التقليدية نفس الفاعلية سابقاً، ولكن أفضل ما يمكن أن يأمله هو إعادة توجيه الإنتباه بطريقة تسمح لقناة الأصول تكرار بعض النتائج التى قد تحققها المناهج السياسية الأصلية والأكثر استهدافاً، وأن يفعل ذلك بطريقة تقلص التشوهات الواسعة فى الاقتصاد، وتكمن المخاطر فى عدم تحقق أياً من الأمرين، ما يترك البنك المركزى أكثر عرضة لمخاطر السمعة والتدخل السياسى.
وبقدر ما تعد هذه الفكرة غير مريحة للفيدرالى، فسوف يواصل هو والبنوك المركزية الأخرى العمل فى عالم لا يتسم بأحوال مثالية ليست من صنعهم، وسوف يستمر ذلك لفترة ويعرضهم بشكل متزايد لبيئة لا يفوزون فيها.

بقلم: محمد العريان

كبير المستشارين الاقتصاديين لمجموعة «اليانز»

الأكثر مشاهدة

الخطيب وتوفيق والطاهري وفايد ينضمون لمجلس إدارة صندوق مصر السيادي

أعلنت وزارة التخطيط منذ قليل عن تشكيل مجلس إدارة صندوق...