ملفات

هل حان الوقت لتجنب الاستثمار فى الصين؟

في الصين

حازت حملة الحكومة في الصين على الشركات المملوكة للقطاع الخاص ورجال الأعمال على اهتمام العالم وأذهلت العديد من مستثمرى المحافظ.

تتسبب التدابير التى تتخذها بكين فى تفاقم مخاوف المستثمرين من خلال التركيز أيضاً على شعار سياسى طويل الأمد- يُعرف باسم «الرخاء المشترك»- لتركيز الانتباه على عدم المساواة العميقة فى البلاد، وإعادة بعض الاشتراكية إلى مصطلح «الاشتراكية ذات الخصائص الصينية».

مع استفادة بكين من سياسات الأمن القومى والاقتصادى والمالى، يحاول الخبراء الصينيون فهم ما يعنيه كل هذا فى سياق نظام الرئيس شى جين بينج الاستبدادى قبل المؤتمر العشرين المهم للحزب الشيوعى الصينى العام المقبل، فبعد عقود زمنية من تشجيع الشركات الخاصة المحلية، يقوم شى بنوع من التحول، مما أدى إلى تحريك الحزب إلى اليسار بحدة وإعادة الاتصال بجذوره الماركسية.

وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية أن شى يقود حملة ضد رواد الأعمال والشركات الخاصة التى كان يتودد إليها سابقاً فى الأعوام الأولى من وجوده فى السلطة، فهو يريدهم الآن أن يخدموا الحزب ويسخرون إمكاناتهم التكنولوجية لغاياته السياسية.

لا غرابة فى أن الحملة المناهضة التى شنها شى تسببت فى انخفاض حاد فى تقييمات سوق الأوراق المالية لشركات التكنولوجيا والرقمية وغيرها، فعلى سبيل المثال، تراجعت أسهم تطبيق «ديدى»، وهو تطبيق لمشاركة سيارات الركوب أدرج ببورصة نيويورك فى يونيو، بأكثر من %40 منذ طرحه العام الأولى.

هذا الأمر كله يشكل أهمية كبيرة بالنسبة للمستثمرين الأجانب، الذين يمتلكون أكثر من 800 مليار دولار من الأصول المالية فى أسواق الصين الداخلية، وبالنسبة لأولئك الذين يمتلكون ويتداولون فى أسهم أكثر من 230 شركة صينية مدرجة فى البورصات الأمريكية ويبلغ رأسمالها أكثر من 2 تريليون دولار.

بالإضافة إلى المستثمرين الذين يمتلكون أسهم صينية فردية، يشمل هؤلاء العديد من مدخرين التجزئة الذين استثمروا أموالاً فى الصناديق الصينية وصناديق آسيا والعديد من الصناديق التكنولوجية والصناديق الموجهة نحو النمو.

ويقول الخبير الاقتصادى جورج ماجنوس إن العالم بحاجة إلى أن يقرر ما إذا كان استثمار المزيد من الأموال فى الصين فى الوقت الحالى، أو حتى الاحتفاظ بالممتلكات التى تم شراؤها فى الماضى، فكرة جيدة أم لأ، فليس هناك إجابات محددة للأمر لكن الآفاق لا تبدو جيدة.

منذ أن ذهب ماجنوس إلى الصين لأول مرة فى عام 1993، كانت هناك أوقات، كما هو الحال فى أى مكان آخر، تتسم فيها الأصول الصينية بكونها ضخمة ورخيصة بشكل يبعث على السخرية، وتخضع لتقييم المخاطر العادى، لكن لا يمكن تذكر أى وقت كانت فيه قضية الاستثمار تهيمن عليها سياسات وحوكمة لا يمكن التنبؤ بها كما هى الآن.
بعد هذا الانخفاض الكبير فى أسعار الأسهم الرئيسية، بما فى ذلك فى الشركات المعروفة مثل «على بابا» و«تينسنت» و «ديدى»، غالباً ما يميل المستثمرون إلى الشراء على أمل العودة إلى أوقات الازدهار.
ومع ذلك، يمكن سماع أصوات صفارات الإنذار محذرة من المخاطر المتزايدة المحيطة بالعديد من الأسهم الصينية، فعلى سبيل المثال، قال المستثمر الملياردير جورج سوروس مؤخراً إن المستثمرين الذين يشترون أى ارتفاع فى الصين كانوا فى حالة استيقاظ فظ.
إنها لحظة مهمة للسؤال عما يجرى فى الصيف وكيف ينبغى أن يؤثر أو يشكل هذا الأمر الطريقة التى نفكر بها بشأن الاستثمار هناك.

الأسهم

على مدى أعوام، كان المستثمرون يشاهدون عروض ترويجية بشأن مزايا الاستثمار فى الصين، والتى تشمل تنويع المخاطر بعيداً عن أوروبا وأمريكا الشمالية، والارتباط المنخفض بين أداء السوق الصينى والأسواق الرئيسية الأخرى، والحجم الاقتصادى للبلاد ومستوى نموها، والطفرة التى شهدتها الطبقة المتوسطة الضخمة، وتطور حملات «صنع فى الصين».
وفى ظل الاضطراب الحالى، يبدو أنهم، فى الوقت الحالى على الأقل، حازوا على المساعدة على نطاق واسع فى الأسواق البرية، مثل شنغهاى، من أجل الصمود بشكل أفضل من الأسواق الخارجية ذات التقنية العالية والرقمية الثقيلة فى هونج كونج ونيويورك، والتى تتميز بالعديد من الشركات المتأثرة بالهجوم التنظيمى الجديد والمخاطر السياسية.
ومع ذلك، فإن مشهد الاستثمار فى حالة تغير مستمر، حيث يتوقع المحللون الاستراتيجيون الصاعدون بانتظام أن التخصيص العادى المتواضع بنسبة 5% للصين فى المحافظ العالمية يجب أن يرتفع بمقدار مرتين أو ثلاث مرات لمطابقة حصة البلاد البالغة 16% من الناتج المحلى الإجمالى العالمى، وهو رقم يتوقع على نطاق واسع، وإن كان غير مؤكد، أن يرتفع فى العقد المقبل.
لكن بعيداً عن الارتفاع، انخفض هذا المخصص النموذجى مؤخراً إلى %4، ومن المعتقد أن تظل هذه النسبة منخفضة مقارنة بالتوقعات بسبب ضعف الإدارة وعدم القدرة على التنبؤ.
فى ظل الهجوم الذى شنه شى على رأس المال الخاص، يظل الاستثمار فى الصين اقتراحاً محفوفاً بالمخاطر، ويتطلب قفزة كبيرة فى الإيمان بالسياسة الصينية والحكم الشمولى ومستقبلها الاقتصادى على المدى الطويل.
كذلك، سيكون سلوك المستثمرين مهماً للمراقبة، فربما يكون للأموال التى يخصصونها للعمل فى أسواق الأسهم تأثير ضئيل على التوقعات الاقتصادية الدورية للصين، لكن التقييمات التى ينسبونها إلى الشركات تخبرنا بشيء- لا يشوبه التحيز أو السياسة- حول آفاق الأرباح والنمو الإنتاجى والابتكار.
ومن هذا المنطلق، لا يهم حقاً أن تصبح الصين أكبر اقتصاد فى العالم، وهو ما قد لا يكون كذلك، لكن ما يهم هو ما إذا كان بإمكان الشركات الصينية أن تزدهر وتكون منتجة وتنجو فى ظل نظام حوكمة منظم جيداً، لكنهم يواجهون الآن تحدى الحملة التنظيمية لعام 2021 وأجندة «الرخاء المشترك».

قبضة الحزب

كان الإلغاء المفاجئ فى نوفمبر من العام الماضى للاكتتاب العام الأولى الضخم لشركة «أنت فاينانشيال»، ذراع «على بابا»، والإقالة المنسقة لمؤسسها المشهور جاك ما دليلاً على بدء حملة شى.
وكان هذا بمثابة تكثيف كبير لحملة تأكيد السيطرة على القطاع الخاص، وبطريقة ما، الاستيلاء على القطاع الخاص من الداخل، إذا جاز التعبير.
كانت ممارسة وجود لجان حزبية معنية بالإدارة التشغيلية للشركات التى تضم أكثر من ثلاثة أعضاء حزبياً راسخة بالفعل عندما ألقى شى خطاباً فى ندوة لرواد الأعمال فى يوليو 2020، وناشد قادة الأعمال ببذل جهود أكبر للوفاء بكل من المسؤوليات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية أيضاً.
كما حث القطاع الخاص على التوافق مع القيادة السياسية للحزب، وزرع الامتثال والطاعة لأهداف الحزب، وشجع مسؤولى الحزب على قيادة التوظيف ومراقبة سلوك الشركات وتنفيذ أنظمة الامتثال والإدارة وتحسين أنشطة النقابات التى يقودها الحزب.
وشمل الهجوم التنظيمى الذى أعقب ذلك التجارة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعى والتكنولوجيا المالية والبيانات والدروس الخصوصية ومشاركة الرحلات ومنصات وأنشطة الألعاب والفيديو، فضلاً عن استهداف الشركات التى ترغب فى الإدراج فى الولايات المتحدة، أو التى تستخدم الخوارزميات على نطاق واسع، أو لديها سعة كبيرة للحوسبة السحابية، أو تجمع كميات كبيرة من بيانات العملاء.

ما ينبغى فعله

مع تطبيق نظام تنظيمى وحوكمة أكثر تقييداً على كل شيء من المدارس والجامعات الصينية إلى الشركات ووسائل الإعلام والترفيه، وغالباً بشكل مفاجئ ودون اللجوء إلى الاستئناف، سيتعين على المستثمرين فى الأصول الصينية تقييم المخاطر بعناية أكبر.
ومن المهم أكثر من أى وقت مضى أن تكون قادراً على الوثوق بالمشورة المالية والتحقق منها، وفهم طبيعة الأصول المملوكة أو المعدة للشراء.
كما يجب أن يتطلع المدخرون إلى الشركات التى لا يُرجح تعرضها للتصادم التنظيمى، وأن يدفعوا الأسعار التى تحسم المخاطر السياسية والاقتصادية والتنظيمية بشكل صحيح، ويمكن أن تكون هذه الشركات هى التى تتماشى مع السياسات الحكومية لتجنب العقاب، وتلك الموجودة فى المجالات الأقل إثارة للجدل من الناحية السياسية مثل التصنيع والتقنيات المتقدمة والمنتجات الاستهلاكية.
كذلك، يمكن للصين حظر الاكتتابات العامة الأجنبية تماماً، أو التراجع عن هيكل أعمال «كيان المصالح المتغيرة» الذى سمح للشركات الصينية بالإدراج فى الخارج متجاوزاً اللوائح المحلية والمستثمرين بالشراء فى الشركات الصينية بطرق لن يسمح بها فى الصين.
ويمكن أن يُلام المستثمرون الأجانب على التقلبات المالية أو الاقتصادية المحلية، مما قد يؤدى إلى قيود على الوصول إلى الدولار الأمريكى للكيانات الصينية وتشديد القيود على تحركات رأس المال إلى الخارج.
على المدى المتوسط، فإن القضية الأساسية هى استدامة نموذج التنمية الاقتصادية الصينى، لكن مع تزايد الرياح المعاكسة من المديونية وضعف التركيبة السكانية وتوقف الإنتاجية والبيئة الخارجية الصعبة منذ عهد ماو، تحتاج بكين بشكل عاجل إلى إجراء إصلاحات اقتصادية من شأنها المساعدة فى تنشيط الإنتاجية وتوسع القطاع الخاص والابتكار.
لكن هل ستساعد الحوكمة والنظام التنظيمى لشى أو يعرقلان ذلك؟.. إنه سؤال بلاغى، فربما يكون السبب المباشر لحملة الرئيس السياسية والأيديولوجية، التى تسارعت بسبب العلاقة المتدهورة مع الولايات المتحدة والوباء، هو تعزيز سلطته الدائمة قبل مؤتمر 2022.
ففى ظل محاولاته لتعزيز سلطته، يريد شى معالجة ما يعتبره تجاوزات رأسمالية فى نموذج التنمية فى البلاد، وقد يحاول أيضاً تحويل الانتباه بعيداً عن اقتصاد به العديد من المشاكل الاقتصادية الكامنة، وعن نظام سياسى لا يوجد فيه أى مادة لإجراء نقل منظم للسلطة.

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

“بلاك روك” تتوقع وصول سعر برميل النفط إلى 100 دولار

توقع لاري فينك، الرئيس التنفيذي لبلاك روك - أكبر شركة...

منطقة إعلانية