مقالات

التعافى.. فترة ما بعد الوباء قد يكون أكثر تعقيداً

ألقى التقلب وانعدام الأمن بموجة كئيبة على الأسواق العالمية منذ أن بلغ مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» ذروته فى 2 سبتمبر، وكانت سياسة حافة الهاوية فى الكابيتول هيل بسبب رفع سقف الديون الأمريكية مرة أخرى من الكوابيس، كما أن تمديد حد الدين الجديد، مهما كان موضع ترحيب، لا يلغى تمامًا مخاطر التخلف عن السداد فى المستقبل من قبل الحكومة الفيدرالية.

ولا يمكن إطلاقا تجاهل تهديد العدوى العالمية من شركة التطوير العقارى الصينى المتعثرة «إيفرجراند»، ولايزال المد والجزر وتدفق الأخبار حول الوباء غير قابل للتنبؤ بشكل مثير للقلق، ثم أن هناك خطر متجدد من التضخم المصحوب بركود، بجانب انقطاع التيار الكهربائى، واضطراب سلسلة التوريد، ونقص فى المتاجر، وارتفاع أسعار الطاقة، ونقص العمالة، وتراكم الديون – قائمة الأخبار السيئة تستمر.

وفى نفس الوقت، أظهر الخطاب الأخير لرئيس مجلس الاحتياطى الفيدرالى جاى باول تلميحا بأن الارتفاع التضخمى الحالى قد يكون أقل انتقالية مما كان يعتقده محافظو البنوك المركزية فى العالم فى البداية، ومن المؤكد أن بعض هذا القلق مبالغ فيه، رغم أن كثير من الجمهوريين قد يرغبون فى استخدام سقف الديون لإلحاق الضرر بحكومة بايدن وتخريب خطط الإنفاق الخاصة بها، فإنهم بالتأكيد سيفكرون مرتين قبل إغراق سوق الخزانة الأمريكية، والتسبب فى ركود خطير محتمل وتسليم مكانة الدولار كرائد عالمى للعملة الاحتياطية للصينيين.

وبغض النظر عن تداعيات أزمة «إيفرجراند» فى أسواق السندات والائتمان، لاتزال السلطات الصينية تتمتع بالقدرة المالية على بث الاستقرار فى نظامها المالى، وبالنسبة لجميع حالات النقص تلك، فيمكن الاعتماد فى النهاية على اقتصاد السوق لحلها رغم وجود مجال للجدل حول التكلفة التضخمية المحتملة.

وتكمن الصعوبة وسط كل هذه الشكوك فى أن نفهم بدقة أين نحن فى دورة اختطفها Covid-19؟

فمنذ تذبذب السوق فى مارس من العام الماضى، نجح صانعو السياسة فى إدارة الانتعاش الاقتصادى العالمى، والأمر المربك الآن هو أن الضغط التضخمى ينشأ فى وقت أبكر بكثير من المعتاد فى فترة الانتعاش، ويرتبط هذا إلى حد كبير بالضرر الذى ألحقه الوباء بجانب العرض فى الاقتصاد.

والجانب المقلق هو أن السياسة النقدية المتساهلة للغاية مصحوبة الآن بارتفاع الأجور، وتستند حجة التفاؤل الاقتصادى إلى حد كبير على المدخرات المكبوتة وإمكانات الإنفاق فى القطاع الخاص، وتقبع الكثير مدخرات الأسر لدى الأشخاص الأكثر ثراءً الذين يكون ميلهم إلى الإنفاق أقل من ميل بقية السكان.

ومع ذلك، يقدر هارى كولفين من «لونغ فيو إيكونوميكس» أن الأسر الأمريكية لديها 3.3 تريليون دولار نقدا فى الحسابات المصرفية أكثر مما كانت ستحصل عليه لو لم يكن هناك وباء، وهذا يبدو وكأنه فائض قابل للإنفاق بشكل بارز.

ويعد موقف قطاع الشركات أكثر تعقيدا إذ انخفضت ديون الشركات الأمريكية غير المالية من %42.5 من الناتج المحلى الإجمالى فى يوليو 2007 إلى %52.3 يوليو 2020، وانخفضت منذ ذلك الحين إلى %49.3 فى أبريل من العام الجارى، لكن كولفين يشير إلى أن النقدية وما يعادلها فى ميزانيات الشركات الأمريكية قد زاد بما يقرب من تريليون دولار منذ بداية الوباء.

لذلك لا يوجد نقص فى السيولة فى القطاع الخاص مهما كان الشكل العام للميزانيات العمومية، وتحتاج الأسر والشركات الآن إلى الثقة لإطلاق هذا الطلب المكبوت فى صورة استهلاك واستثمار.

فى الوقت نفسه، نعلم أنه لمساعدة الحكومات على تحقيق أهدافها المناخية، ستحتاج الشركات فى جميع أنحاء العالم إلى إصلاح جزء كبير من مخزون رأس المال العالمى، يشير ذلك إلى أن التعافى بعد كوفيد لا يجب أن يكون قصير الأجل، لاسيما بالنظر إلى أن قدرة البنوك المركزية على تشديد السياسة مقيدة بشدة بسبب التراكم الهائل للديون منذ الأزمة المالية.

ولن يرغب أى مصرفى مركزى فى إلقاء اللوم عليه فى دفع الانتعاش قبل الأوان إلى الركود، ولكن كما أشار مجلس المخاطر النظامية الأوروبى قبل خمس سنوات، وربما يبدو مبررا أكثر اليوم، فإن الانتقال إلى صافى الانبعاثات الصفرية سيأتى «متأخرا جدا ومفاجئا للغاية».

وسيلحق التقادم المتسارع لمخزون رأس المال من خلال خفض انبعاثات الكربون وإعادة تخصيص الهائلة للعمالة ضرراً كبيرا بالشركات والأسر، وهو ما يعنى أن سياسات عالم خفض انبعاثات الكربون قد تكون أكثر صعوبة من سياسات عالم ما قبل الوباء.

بقلم: جون بلندر
كاتب مقاالت رأى فى صحيفة “فاينانشيال تايمز”، ومحرر مالى سابق فى “ذى ايكونوميست”

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

“العربي الأفريقي” يفتتح أحدث فروعه بـ”ميفيدا” التجمع

افتتح البنك العربي الأفريقي الدولي فرعا جديدا في كومباوند "ميفيدا"...

منطقة إعلانية