ملفات

«أكل العيش مُر» ..من ينقذ العاطلين فــى الشرق الأوسط؟

«أكل العيش مُر».. لكن مرارة البطالة فى حلق الشباب أشد، وتمثل خسارة لهم وللمجتمع حيث تبقى أزمة البطالة فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل عام فى حاجة لمشروع قومى عملاق للنهوض بهم وتوفير الحياة الكريمة لهم على مسارين.
المسار الأول هو خلق آليات تعزز اكتساب الشباب لمهارات سوق العمل التى تتطور بشكل مذهل بفضل التكنولوجيا وطفراتها المتلاحقة للقضاء على ظاهرة تأخر «البلوغ الوظيفى» لدى القوى العاملة اليافعة.
المسار الثانى يتمثل فى تبنى استراتيجية اقتصادية تخلق فرص العمل لاستيعاب هؤلاء الشباب بعد تأهليهم بشكل مناسب مثل دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع الإنتاجية التى تحتاج لعمالة كثيفة.
ولا توجد مبالغة إذا كان التقييم لمبادرات العقد الأول من القرن الحادى والعشرين العشرين أنها فاشلة على صعيد منطقة لديها أعلى نسبة من السكان الشباب فى العالم، وكذلك أعلى معدلات بطالة الشباب.
وبحلول عام 2010، فشلت المنطقة فى تحسين نتائج العمالة لسكانها الشباب وازداد شعور الشباب بالإحباط بسبب استبعادهم الاجتماعى والاقتصادى والسياسى، وانفجر فى2011 إلى احتجاجات فى جميع أنحاء المنطقة.
نظرة قاتمة لخريطة التوظيف فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
  السعودية والأردن الأسوأ والقطاع العام فى قطر يستوعب العمالة  استبعاد الفتيات اقتصادياً يعود إلى التمييز والتقاليد الاجتماعية
تعتبر معدلات بطالة الشباب فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الأعلى فى العالم منذ أكثر من 25 عاماً؛ حيث وصلت إلى %30 عام 2017، وعلاوة على ذلك، يقضى شباب المنطقة سنوات قبل العثور على عمل.
ويؤثر هذا الانتقال المتأخر إلى سوق العمل على مسارات أخرى، ومنها الزواج وملكية المنازل والمشاركة المدنية. ويشير العلماء إلى أن ذلك يخلق حالة تأخر مرحلة البلوغ «waithood» وهو مصطلح يعكس هدر الطاقة الشبابية وإمكاناتها.
وعلى الرغم من وجود اختلافات كبيرة فى الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية بجميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقى، فإنَّ بطالة الشباب تشكل تحدياً فى جميع أنحاء المنطقة والتى تفوق المتوسط العالمى البالغ %13.
وتوجد أعلى معدلات البطالة فى بلدان مثل فلسطين المحتلة (%43) والمملكة العربية السعودية (%42 من السعوديين) والأردن (%36) وتونس (%36)، وتعد معدلات بطالة الشباب فى قطر فقط أقل من المتوسط العالمى؛ نظراً إلى قدرتها على استيعاب الشباب فى وظائف القطاع العام.
وعمالة الشباب فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لها بعد نوعى من حيث الذكور والإناث، فبينما حققت الشابات مكاسب ملحوظة فى التحصيل العلمى على مدى العقود الخمسة الماضية لم تترجم هذه إلى زيادات مماثلة فى المشاركة بالقوى العاملة.
وفى عام 2017، كان %15 فقط من الشابات فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ناشطات فى القوى العاملة، مقارنة بـ%36 فى المنطقة التالية الأقل تصنيفاً، كما أن بطالة الفتيات أعلى بنسبة %80 من الشبان، مقارنة بمتوسط الفرق بين الجنسين بنسبة %20 على مستوى العالم.
وتعزو الأبحاث العلمية ظاهرة ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب لعدة عوامل؛ منها انتقال العمالة من بلد إلى آخر بكثافات مختلفة فى أوائل التسعينيات والألفينيات بجانب نظم تعليمية ضعيفة والافتقار إلى أنظمة معلومات سوق العمل وموارد التخطيط الوظيفى للباحثين عن عمل وعدم تلبية مستويات الرواتب والمكانة الوظيفية لتوقعات المتعلمين.
وبالنسبة للفتيات فقد واجهن مجموعة إضافية من العوامل التى أسهمت فى استبعادهن اقتصادياً، بما فى ذلك التمييز والمعايير الاجتماعية المحافظة.
وعلى جانب الطلب، استمرت الأجور والمزايا والأمن الوظيفى المرتفع نسبياً بالقطاع العام فى جذب الشباب وتشجيع طوابير الانتظار لفرص وظائف باتت نادرة بشكل متزايد.
وفى الوقت نفسه، أعاق التنظيم المفرط للقطاع الخاص الرسمى قدرته على خلق وظائف لائقة وقامت قوانين العمل غير المرنة بدعم العمال الحاليين على حساب الوافدين الجدد، ما خنق فرص العمل.
وأخيراً، خلقت المحسوبية على نطاق واسع شركات كبيرة غير فعالة لا تلقى بالاً لتوظيف أفضل العمال لتبقى مربحة.
وأدى العدد المحدود من الفرص فى القطاع الرسمى إلى توسيع وظائف القطاع غير الرسمى، والتى تقدم عموماً مزايا أو وسائل حماية أقل، فضلاً عن أن شركات الأخير أقل قدرة على النمو وخلق فرص عمل جديدة؛ حيث تصل معدلات تشغيل الشباب فى القطاع غير الرسمى إلى %80 فى فلسطين ومصر وتونس.
وفى مواجهة نقص فرص العمل اللائقة، يلجأ بعض الشباب إلى ريادة الأعمال والتوظيف الذاتى، ومع ذلك بلغ متوسط حصة الشباب فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذين يمارسون أنشطة ريادية فى مرحلة مبكرة فى البلدان التى تتوفر بها بيانات متاحة %9.3 وهى أقل من المتوسط العالمى.
وأحد العوائق الرئيسية أمام رواد الأعمال الشباب هو الافتقار إلى التمويل؛ حيث كان متوسط ترتيب الدول العربية من حيث الوصول إلى الائتمان 130 من أصل 190 اقتصاداً، وتجدر الإشارة إلى أن الشباب بصفة خاصة لديهم تاريخ ائتمانى محدود؛ بسبب نقص الضمانات.
وفى غياب فرص عمل لائقة، اختار العديد من الشباب بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ترك مجتمعاتهم؛ بحثاً عن عمل وهذا واضح بشكل خاص فى المناطق الريفية؛ حيث يغادر الشباب إلى المدن؛ بحثاً عن فرص أفضل، لكن فشلت الهجرة من الريف إلى الحضر فى حل المشكلة فمعدلات بطالة الشباب أعلى بالفعل فى المناطق الحضرية بجميع بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وتغادر أعداد كبيرة من الشباب المنطقة بالكامل فبين عامى 2000 و2015 وصلت مستويات الهجرة من بلدان المنطقة باستثناء دول الخليج 8.4 مليون نسمة وهى من بين أعلى نسب السكان فى العالم.
كما أن الهجرة داخل المنطقة مرتفعة، أيضاً، والتى تشمل بشكل رئيسى هجرة الشباب؛ بحثاً عن فرص اقتصادية فى الخليج بخلاف اللاجئين الذين فروا من النزاعات المسلحة.
 
عقدان من الاستراتيجيات الفاشلة لمحاربة البطالة
منذ عقدين من الزمن، بدأ الباحثون وواضعو السياسات فى التركيز بشدة على الشباب بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ففى عام 2004، قدر تقرير للبنك الدولى، أنه يتعين على اقتصادات المنطقة توفير 97 مليون وظيفة من عام 2000 إلى 2020 من أجل تلبية احتياجات العمالة لسكانها الذين يتزايد عددهم بسرعة.
وأشار تقرير التنمية فى العالم لعام 2007 بعنوان “التنمية والجيل القادم” إلى أن الاستثمار فى الشباب يسهم فى النمو الاقتصادى، وينطبق ذلك على المنطقة التى تتمتع بأعلى نسبة من السكان الشباب، وكذلك أعلى معدلات بطالة للشباب فى العالم.
وأسس جيمس ولفنسون، بعد أن ترك منصبه رئيساً للبنك الدولى “مركز ولفنسون للتنمية”، التابع لمعهد بروكينجز والذى أعطى الأولوية للبحث فى مجال الشباب بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وفى عام 2007، قام مركز ولفنسون ومدرسة دبى للإدارة الحكومية بتأسيس مبادرة شباب الشرق الأوسط (MEYI)، والتى أنتجت مجموعة كبيرة من الأبحاث الأصلية حول الإقصاء الاجتماعى – الاقتصادى للشباب، وانتهى عمل المبادرة فى عام 2011 لكنه فشل فى أبحاثه فى معالجة مسألة الإقصاء السياسى للشباب.
وعلى مدى العقد التالى، تم جمع كمية كبيرة من البيانات حول الشباب وفى عام 2005، أجرت منظمة العمل الدولية مسوحات حول الانتقال من المدرسة إلى العمل فى مصر وإيران وسوريا.
وتبعتها منظمة العمل الدولية فى عام 2012 بإجراء جولة ثانية من الدراسات الاستقصائية فى مصر والأردن ولبنان وفلسطين وتونس، وأجريت مسوحات وطنية للشباب فى العراق عام 2009، وكذلك المغرب وجاء دور تونس فى 2012 كما تم إجراء أول دراسة استقصائية مطولة للشباب فى مصر خلال الفترة من 2009 وحتى 2014.
واستجاب المجتمع الدولى، أيضاً، لقضية عمالة الشباب بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأطلق البنك الدولى ومنظمة العمل الدولية، العديد من المبادرات، بما فى ذلك الشراكة العالمية لتشغيل الشباب، والتى استمرت من عام 2008 حتى عام 2014 بالشراكة مع المؤسسة الدولية للشباب ومعهد التنمية العمرانية العربية، وركزت بشكل أساسى على الشرق الأوسط وأفريقيا.
وفى عام 2009، أطلقت شبكة تشغيل الشباب، وهى مبادرة أخرى من قبل البنك الدولى ومنظمة العمل الدولية، مبادرة تشاركية للمساعدة فى بناء القدرة على تقييم البرامج فى المنطقة. وفى عام 2009 تعاونت منظمة اليونيسيف مع الجامعة الأمريكية فى بيروت بمبادرة الشباب فى العالم العربى.
وركزت حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشدة على قضايا الشباب بين عامى 2000 و2015 وقد وضعت العديد من الاستراتيجيات الوطنية للشباب التى تغطى أبعاداً متعددة بما فى ذلك الهجرة والصحة والتعليم والعمالة والثقافة والمشاركة المدنية والسياسية.
وتوجد مبادرات وطنية كانت قيد التطوير، لكن لم يتم اعتمادها رسمياً فى دول البحرين ومصر والعراق والكويت والسودان والسعودية وسوريا، فقط اليمن تبنى قبل الحرب خطة عمل وطنية تركز بشكل خاص على تشغيل الشباب.
وانتشرت برامج الشباب، خلال هذه الفترة؛ حيث قامت بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بتطوير مجموعة واسعة من مبادرات التوظيف وريادة الأعمال، وبين عامى 2007 و2014، نفذت مصر وحدها أكثر من 180 مبادرة يتعلق بتشغيل الشباب.
ويشارك قطاع المنظمات غير الحكومية بشكل كبير فى هذه البرامج، فعلى سبيل المثال قامت مؤسسة «إنجاز العرب»، والتى تأسست عام 2004 بتدريب الشباب على الاستعداد لسوق العمل وريادة الأعمال فى جميع أنحاء العالم العربى، وتوسعت إلى 14 دولة بحلول عام 2018.
وفى عام 2008، أطلقت الشيخة موزة بنت ناصر، من قطر مؤسسة «صلتك» لربط الشباب العربى بالوظائف الضرورية والعمل على توفير الموارد اللازمة لبدء أعمالهم التجارية الخاصة.
ووجدت مراجعة لبرامج توظيف الشباب فى المنطقة، أن الغالبية ركزت فقط على التدريب على المهارات الفنية، يليها التدريب على مهارات الإدارة والاتصال، وفى المقابل كان هناك ضعف فى التدريب على تنظيم المشاريع وخدمات التوظيف وغيرها من برامج توظيف الشباب والتى شكلت أقل من %10 من البرامج الدولية والوطنية.
ويوجد العديد من برامج الشباب الواعدة الصغيرة الحجم والبدائل السياسية فى المنطقة التى أثبتت نجاحها، ويمكن تكرارها وتوسيع نطاقها مثل برنامج Know About Business، وهو برنامج لتعليم ريادة الأعمال طورته منظمة العمل الدولية، لزيادة المعرفة بمفاهيم الأعمال والاهتمام ببدء نشاط تجارى بين المشاركين.
وتم تصميم منتجات تمويل أصغر مخصصة للشباب لتسهيل الحصول على الائتمان لأصحاب المشروعات الصغيرة مع الحفاظ على معدلات سداد عالية مماثلة لتلك الخاصة بالبالغين.
 البيئة التنظيمية تقيد دور القطاع الخاص فى خلق فرص التشغيل
لا يمكن تحسين نتائج تشغيل الشباب بشكل كبير إذا كان هناك عدد قليل جداً من فرص العمل المتاحة، ولم تتمكن اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ببساطة من توفير فرص عمل كافية فى العقدين الماضيين.
ويؤدى تحسين التعليم وتنمية القوى العاملة دون خلق فرص عمل إلى الشباب المتعلم العاطلين عن العمل أو العمالة الناقصة أو المهاجرة؛ بحثاً عن فرص أفضل، ففى تونس على سبيل المثال، انعكست الجهود المبذولة لتوسيع نطاق الالتحاق بالجامعات فى صورة معدلات بطالة بين خريجى الجامعات الشباب الذين قدرت نسبتهم %68 فى عام 2013.
وتشير هذه الأرقام إلى أن خلق فرص العمل يتطلب من الحكومات السماح للقطاع الخاص الرسمى بالنمو والازدهار وفى معظم بلدان المنطقة شجعت الحكومات بشكل مفرط نمو القطاع الخاص، وتحول الكثيرون أيضاً إلى تشجيع روح المبادرة بين شبابهم كوسيلة لخلق فرص عمل خاصة بهم.
ومع ذلك، فإنَّ الشركات الناشئة التى يقودها الشباب تواجه صعوبة فى الازدهار؛ حيث يواجهون نفس بيئات العمل المقيدة مثل القدرة الأقل على الوصول إلى الائتمان، مقارنة بالشركات القائمة.
وتدرك حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أهمية تحفيز القطاع الخاص لخلق فرص العمل، ومع ذلك لم يتمكن سوى عدد قليل من تنفيذ التغييرات التنظيمية اللازمة مثل الإمارات وهى الدولة الوحيدة فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التى تصنف ضمن أفضل 50 دولة فى العالم من حيث سهولة ممارسة الأعمال التجارية.
ويتطلب الأمر إنشاء نظام جديد مشجع لإدارة الممارسات القانونية والتنظيمية والتصدى للبيروقراطية غير الصحية والحد منها لكن القول أسهل من الفعل، فليس لدى حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نقص فى استراتيجيات تطوير الأعمال وتبقى المشكلة فى تنفيذها بنجاح والتغلب على المصالح المتأصلة.
وتمثل المحسوبية واحدة من القضايا الرئيسية؛ حيث يسمح الإفراط فى التنظيم للشركات التى لها علاقات مع الأنظمة بالانتقال إلى النظام والحصول على ميزات على حساب المتنافسين، وتشمل القضايا الأخرى الفساد البسيط وإساءة استخدام السلطة البيروقراطية.
وفى الواقع، أنشأت معظم حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا برامج لدعم الشركات التى يقودها الشباب، ومع ذلك فإنَّ للقائمين على هذه البرامج مصلحة أساسية فى الحد من إنشاء الشركات التى يمكنها تحفيز النمو الاقتصادى، وخلق فرص العمل لصالح المقربين منهم، ما يظهر شكلاً من أشكال تضارب المصالح.
وعلى الرغم من الاهتمام بصياغة الاستراتيجيات الوطنية للشباب، اتبعت معظم حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نهجاً تدريجياً لتنفيذ سياسات وبرامج الشباب.
وتوجد مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة فى مجال السياسات مسئولة عن الجوانب المختلفة للانتقال من مرحلة الدراسة إلى سوق العمل، ما يتطلب مستوى عالياً من التنسيق بين الوزارات والوكالات ومقدمى الخدمات، وهو الأمر الذى نادراً ما يحدث.
وعلى سبيل المثال، أظهرت مراجعة لأحد برامج تشغيل الشباب بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن أقل من %5 فقط من مقدمى التدريب ينسقون جهودهم مع مكاتب التوظيف العامة، وهي الوكالات الأكثر مسئولية عن تشغيل الشباب.
ولتحسين التنسيق أنشأ العديد من بلدان المنطقة وزارات للشباب والرياضة، لكن فى حين أن هذه الوزارات قد تنسق صياغة السياسات، فإنها تلعب أدواراً قليلة فى تنفيذ السياسة أو البرنامج وغالباً ما تتجاهل وكالات أخرى جهودها.
ولا يبدو أن الاستراتيجيات الوطنية للشباب فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرتبطة بنتائج عمل الشباب الجيدة، فقد سقط العديد منها ولم تعد سارية أصلاً، فعلى النقيض من ذلك أدخل تحالف بلدان منطقة شرق أوروبا وآسيا الوسطى استراتيجيات توظيف الشباب وحقق نتائج أفضل فى خفض معدلات بطالة الشباب المرتفعة.
ويتمثل أحد الاختلافات فى أن العديد من بلدان هذا التحالف الاقتصادى قد أقرت أطر عمل قانونية لاستراتيجياتها، ما يمنح مكانة أعلى لقضايا الشباب ويضمن الاستمرارية إلى ما بعد الإطار الزمنى المحدود للاستراتيجيات.
بالإضافة إلى ذلك، اعتمد العديد من بلدان هذا التحالف خطط عمل لتفعيل استراتيجياتها، ويجب على حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زيادة استراتيجيات الشباب فى إطار قانونى وتشغيلها من خلال خطط عمل وطنية تحدد بوضوح الأدوار والمسئوليات وأهداف النتائج.
ويجب أن تكون، أيضاً، استراتيجيات الشباب متوافقة بشكل أفضل مع سياسات التوظيف الوطنية واستراتيجيات تطوير المؤسسات وتوفير جهد أكثر شمولية يهدف إلى تحسين خلق فرص العمل.
 
حل المشكلات يبدأ بإعادة صيغة هياكل وكالات وضع سياسات التوظيف
  العمل المؤسسى يتضمن آليات مراجعة ومراقبة للمسئولين التنفيذيين  ومبادرات مراكز الإبتكارية يمكنها تحسين الأوضاع
يؤكد الشباب أنفسهم فى استقصاء عالمى عام 2015 بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (من سن 16 إلى 30)، أن التعليم الجيد وفرص العمل الأفضل والحكومة الصادقة والمتفاعلة معهم تمثل ثلاثاً من أولويات التنمية الستة عشر التى ستصنع الفارق فى حياتهم.
وتعكس الأولويات الثلاث الحواجز التى يواجهها الشباب كجزء من الانتقال من المدرسة إلى العمل، والتى نوقشت فى قاعات بحثية. ولمواجهة هذه التحديات يجب على المجتمع تعبئة جيل جديد من الباحثين وواضعى السياسات والممارسين، ولتحقيق النجاح يجب معالجة العوامل المساهمة فى ضعف نتائج تشغيل الشباب ثم التغلب على إخفاقات التنفيذ فى الماضى.
ومما لا شك فيه أن التجارب الواقعية أكدت أن صانعى السياسات والمنظمات التى تخدم الشباب بحاجة إلى تحسين هياكل وعمليات التقدير لديهم ومن أجل القيام بذلك ينبغى عليهم التركيز على عدة حقائق.فى البداية يجب التركيز على الوصول إلى الأساسيات الصحيحة؛ حيث تهدف العديد من سياسات وبرامج توظيف الشباب بشكل أساسى إلى التعويض عن الإخفاقات الهيكلية فى المؤسسات التى تدعم الانتقال من المدرسة إلى العمل.
وتعوض البرامج التدريبية الثغرات فى النظم التعليمية التى لا توفر للطلاب المعرفة والمهارات والخبرات التى يحتاجون إليها للنجاح فى سوق العمل، كما تعوض برامج دعم ريادة الأعمال عن وجود نظام بيئى تجارى غير داعم وغير صحى.
وقبل البدء بسياسة أو برنامج جديد لتوظيف الشباب يجب على صانعى السياسة النظر فى التغييرات التى يمكن إدخالها على البرامج والسياسات والنظم العامة الحالية لتحقيق النتائج المرجوة.ويتطلب إضفاء الطابع المؤسسى على هذه العملية تمكين وحدات دعم القرار الحكومية الموجودة فى معظم بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من دراسة البدائل.
ويؤكد الباحثون، أهمية إضفاء الطابع المؤسسى على الابتكار فى السياسات؛ حيث يجب على حكومات المنطقة إدخال الابتكار الحقيقى فى عملية صنع السياسات.
وتتمثل إحدى طرق معالجة مشكلات السياسة العسيرة فى تمكين مجموعة من أصحاب المصلحة الرئيسيين من معالجتها باستخدام أساليب مبتكرة، وبشكل أساسى ستقود مثل هذه المجموعة عملية تغيير غالباً بدعم من صانع السياسة الرئيسى لضمان المشاركة وتحسين المتابعة.
وتقوم مراكز البحوث للسياسات بجمع البيانات ومتابعة التغييرات المستندة إلى الحقائق والتقييم المستمر وغالباً بمعدلات صغيرة يمكن التحكم فيها لكن يمكن أن يكون لها تأثير تراكمى كبير مع مرور الوقت.ومن الأمثلة الرائدة فى المنطقة، مختبر التسريع «فرصتى» فى وزارة التوظيف والتدريب المهنى التونسية ومركز السياسات فى الهيئة العامة لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة بسلطنة عمان، ومختبر الابتكار الحكومى فى مركز محمد بن راشد للابتكار الحكومى فى دبى.
وينصح الخبراء فى هذا المجال بالإشراف على المشرفين؛ حيث يجب على حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إزالة العوائق أمام نمو الأعمال التجارية من أجل إطلاق العنان لفرص العمل فى القطاع الخاص.
وقد ثبت أن هذا أمر صعب فى منطقة تصر فيها الحكومات على إدارة مشاريعها الخاصة التى تتنافس مع القطاع الخاص؛ حيث تلعب المحسوبية دورها ولا تطبق القواعد على قدم المساواة.
والمطلوب هو وكالة عامة على أعلى مستوى حكومى تقوم بمراجعة القواعد وتبسيطها، وتضمن تطبيقها بشفافية ونزاهة، ومن المهم بشكل خاص الحد من كمية المعلومات الزائفة المطلوبة من الشركات، والتى تعيق النشاط التجارى.
ويمكن ضرب مثل بالولايات المتحدة؛ حيث لديها مكتب الإدارة والميزانية وهو أكبر مكتب داخل المكتب التنفيذى للرئيس، فبالإضافة إلى إنتاج ميزانية الرئيس، فإنه يراقب جودة البرامج والسياسات والإجراءات الفيدرالية، بالإضافة إلى مطالبة الوكالات الفيدرالية بالحصول على موافقة قبل طلب أى معلومات من الشركات والجمهور بشكل عام.
ويعزز تقييم الأثر ببيانات موثقة نجاح تصميم حلول البرامج والسياسات، فيتعين على واضعى السياسات والمنظمات التى تخدم الشباب الاستفادة بشكل أفضل من البيانات، ويجب عليهم أيضاً دمج أدوات أكثر فعالية للرصد والتقييم بما فى ذلك حلقات التغذية العكسية، لضمان دمج الدروس المستفادة فى تصميم البرامج والسياسات.
وأخيراً، يتعين على صانعى السياسات والمنظمات التى تخدم الشباب ضمان أن تستهدف برامجهم وسياساتهم الفئات المحرومة والمهمشة، بما فى ذلك الشابات والشباب الذين يعيشون فى المناطق الريفية وبصورة كافية وفعالة.
7عوامل تعزز نجاح استراتيجيات سوق العمل الصديقة للشباب
حاول الكثير من البحوث، مؤخراً، الإجابة عن أسئلة، لماذا فشلنا؟، لماذا لم تؤت سياسات وبرامج تحسين نتائج توظيف الشباب ثمارها؟، ماذا حدث؟
وأدرك صانعو السياسات والجهات الفاعلة فى مجال التنمية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عدة حقائق متعلقة باستراتيجيات التوظيف بفضل هذه البحوث، وتضمنت الحلول المقترحة:
-1 إصلاح أنظمة التعليم لتحسين المهارات الفنية والإدراكية وغير المعرفية.
-2 الحد من تشوهات سوق العمل الناجمة عن أنظمة العمل وسياسات التوظيف فى القطاع العام.
-3 رعاية قطاع خاص أكثر ديناميكية وتنافسية لخلق فرص عمل.
-4 توفير الموارد لأصحاب المشاريع من الشباب بما فى ذلك الحصول على التمويل والإرشاد والأصول مثل الأراضى.
-5 دعم الابتكار الاجتماعى وريادة الأعمال الاجتماعية.
-6 توفير خبرات وفرص عمل مبكرة للشباب.
-7 تحسين نظم معلومات سوق العمل والتوجيه المهنى.
وأثبت واقع تجارب السنوات السابقة وجود علاقة متينة بين التحسينات فى مناخ الأعمال وإيجاد فرص العمل، بما فى ذلك تعزيز فرص الحصول على التمويلى، وتنظيم أفضل للأعمال بالإضافة إلى الحد من الفساد.
وفيما يتعلق بتدخلات عمالة الشباب، حدد استعراض حديث للأدلة المستقاة من تقييمات الأثر التدريب على المهارات وتعزيز روح المبادرة باعتبار أن لهما تأثيراً إيجابياً على العمالة والأرباح.
ويشير برنامج منظمة العمل الدولية الذى نجح فى تشغيل الشباب إلى أن السياق الوطنى ومراعاته فى تصميم الخطط له أهمية ويجب أن يتم التدريب على المهارات بالتشاور مع القطاع الخاص لتحديد الفجوات فى المهارات ذات الصلة، وينبغى أن يقترن بشكل مثالى بالتدريب أثناء العمل، وفى جميع الحالات يجب فحص المشاركين للتأكد من أن لديهم المتطلبات اللازمة للاستفادة من البرامج.
وعجز الكثير من البلدان عن تحديد كيفية ضمان تنفيذ سياسات وبرامج توظيف الشباب بشكل فعال، بما فى ذلك كيفية إدخال آليات فعالة للتغذية العكسية والتى من شأنها أن تؤدي إلى تصحيح مسار البرامج.
وتعتبر إخفاقات السياسة نتيجة إخفاقات تقدير الواقع، ففى حين أن كل دولة قدمت مزيجاً من السياسات والبرامج التى عالجت ظروفها الخاصة فإن عدم القدرة على تنفيذ هذه السياسات والبرامج بفعالية والتعلم من الأخطاء كان فشلاً شائعاً فى جميع أنحاء المنطقة.
وبرزت ثلاثة عوائق أمام التنفيذ الناجح فى جميع أنحاء المنطقة:
-1 سياسات الاقتصاد، لا سيما فيما يتعلق بخلق فرص العمل.
-2 ضعف آليات التنفيذ والتنسيق بين الجهات الفاعلة فى مجال التنمية.
-3 عدم كفاية استخدام الحقائق فى تصميم وتنفيذ السياسات والبرامج.
==
ضعف استخدام نتائج الأبحاث فى تصميم وتنفيذ وتقييم برامج التشغيل
عادة ما تفشل المنظمات التى تخدم الشباب فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، العامة والخاصة، فى الرجوع إلى الأدلة المتوفرة من البحوث والدراسات عند تصميم البرامج الوطنية.
على سبيل المثال، تشير البحوث إلى أن التدريب على المهارات يكون أكثر فاعلية عندما يقترن بالتدريب الداخلى، وأن خدمات ريادة الأعمال تكون أكثر فاعلية عندما تقترن بالحصول على التمويل.
ومع ذلك، فقد وجدت إحدى الدراسات، أن أكثر من %70  من برامج التدريب على المهارات فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كانت فى قاعات الدراسة، وتركز فقط على توفير المهارات التقنية، ولم توفر الوصول إلى الخبرة العملية، والتدريب على مهارات الإدارة والاتصال أو المعلومات.
وفى الواقع، فإنَّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أقل احتمالاً من أى منطقة أخرى فى دمج الخدمات فى البرمجة الشاملة لعمالة الشباب ويمتد انعدام الاهتمام بتصميم البرنامج إلى ضعف دقة الاستهداف، فقد تم تنفيذ معظم برامج الشباب فى المنطقة بالمناطق الحضرية ذات الجداول الزمنية محدودة التواصل وغير المرنة، ونتيجة ذلك، كان من غير المرجح أن يفيدوا السكان الريفيين والنساء والفئات الأقل تعليماً وذوات الدخل المنخفض.
وتشير المناقشات مع مديرى برامج تشغيل الشباب إلى أنهم نادراً ما يأخذون البيانات فى الاعتبار حتى عندما تكون متوفرة.
بالإضافة إلى الفشل فى دمج البيانات بتصميم وتنفيذ برامجها فنادراً ما تقيم المنظمات التى تخدم الشباب فى جميع أنحاء المنطقة تأثير تدخلاتها.
وكما قال أحد المسئولين التنفيذيين «ليست هناك حاجة لتقييم تأثير هذا البرنامج فإذا لم ينجح البرنامج فلن نكرره».
وفى الواقع تفتقر المنطقة إلى ثقافة جمع البيانات حول نتائج البرنامج وتأثيره مثل عدد الوظائف الناجحة والاكتفاء بالتركيز بدلاً من ذلك على مقاييس الإنتاج مثل أعداد المتدربين.
وتم إطلاق مبادرة شبكة توظيف الشباب فى عام 2009 لمحاولة سد الفجوة فى بيانات التقييم، ومع ذلك، بحلول عام 2014، كان %2  فقط من برامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المدرجة فى قائمة مراجعة تشغيل الشباب قد خضعت لتقييم التأثير وأقل بكثير من نطاق 10 إلى %35 فى مناطق أخرى.
ويعنى استمرار هذه الفجوة فشل خطط تحسين البرامج الحالية والسماح للبرامج غير الفعالة بالاستمرار.
الأكثر مشاهدة

سويفل ثالث أكبر صفقة تمويلية للشركات الناشئة بالمنطقة

بلغت قيمة الصفقات التمويلية للشركات الناشئة نحو 471 مليون دولار...

الصفقات بالشرق الأوسط تقفز 231% في 6 أشهر بفضل استحواذ أرامكو على سابك

الطاقة والكهرباء تستأثر بـ 80% من قيمة الصفقات إصدارات الأسهم...