ملفات

الاستهلاك الصينى محرك الاقتصاد العالمى فى العقود الأربعة المقبلة

أنفق المستهلكون الصينيون ما يصل إلى 4.7 تريليون دولار فى عام 2017 على كل شىء تقريباً، بداية من العناية بالحيوانات الأليفة إلى تذاكر السينما والسيارات، ليرتفع الإنفاق من 3.2 تريليون دولار فى عام 2012، وفقاً لبيانات صادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنى.
ومع ذلك، أظهرت المؤشرات سيطرة بعض المستهلكين الآن على إنفاقهم، فى وقت تحتاج فيه الصين والاقتصاد العالمى الضعيف إلى الإنفاق أكثر من أى وقت مضى.
أوضحت صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، أن إنفاق المستهلكين الصينيين المتزايد ليس أمراً جديداً، فقد ارتفعت مستويات الاستهلاك منذ السبعينيات وسط التوسع الاقتصادى، ولكنه شهد تحولاً تاريخياً فى الخمسة أعوام الماضية، حيث ارتفعت حصة الاستهلاك بالنسبة للناتج المحلى الإجمالى للصين إلى %54 فى عام 2017 من أقل من النصف فى عام 2011.
وفى الوقت نفسه، تجاوز نمو الاستهلاك كلاً من الصادرات والاستثمار للمرة الأولى منذ الثمانينات، حيث استحوذ استهلاك السلع والخدمات على %76 من النشاط الاقتصادى الجديد فى الصين العام الماضى، بزيادة من %47 فى عام 2013.
وقال جيم أونيل، كبير الاقتصاديين السابقين لدى بنك «جولدمان ساكس»، إن المستهلك الصينى هو الشىء الوحيد الأكثر أهمية فى الاقتصاد العالمى، فربما تتمحور الـ40 عاماً المقبلة من النمو العالمى حول المستهلك الصينى، متوقعاً عدم تدخل أى دولة أخرى فى دفع الاستهلاك العالمى، ويجب أن يوفر زيادة إنتاج السلع والخدمات الاستهلاكية ركيزة أكثر استدامة للنمو الاقتصادى فى الصين، وسط القطاعات السكنية والصناعية الغارقة فى القدرات الفائضة.
ولكن فى ظل اعتبار الاستثمار فى الإنتاج الجديد الركيزة الأساسية فى تنمية البلاد، يتوقع الاقتصاديون أن يكون الاقتصاد المدفوع بالاستهلاك أكثر الاقتصادات بطئاً، ففى الواقع تزامن التحول فى الاستهلاك مع تباطؤ النمو الصينى، الذى انخفض إلى أدنى مستوياته البالغة %6.6 العام الماضى منذ عام 1990.
وتواجه بكين عملية صعبة لتحقيق إعادة توازن، فهى تحاول تجنب الهبوط الاقتصادى الشديد، ويبقى الاستثمار أمراً حاسماً بالنسبة للنمو، كما أن تباطؤه بسرعة كبيرة قد يؤدى لتخفيض الاستهلاك، ولكن إذا ظل الاستهلاك عند مستوياته الحالية لايزال منخفضاً وفقاً للمعايير الدولية، فإن الاستثمار الضائع والافتقار إلى الطلب سيخفضان الاقتصاد على أى حال.
وقال كينو جين، الأستاذ فى كلية لندن للاقتصاد: «لايزال الاستثمار يدفع الطلب، وهو ما يخلق الوظائف»، مضيفاً: «يمكنك ملاحظة أن الاقتصاد يتباطأ بمجرد تباطؤ الاستثمار».
وفى ظل أحدث الاهتزازات التى ضربت الأسهم العالمية وسط مخاوف تباطؤ الصين، تتردد أصداء التحديات إلى خارج نطاق البلاد لتصل إلى ثروات مجموعات السلع الاستهلاكية، بداية من شركات صناعة السيارات إلى شركات التكنولوجيا والأدوية، ولكن المحللون يقولون إن بكين قد تتسامح مع تباطؤ قصير الأجل لتحقيق نمو طويل الأجل.
وقال بيتر بوتيلير، من برنامج الاقتصاد الدولى فى جامعة كارنيجى، إن تغيير نموذج النمو الصينى أو إعادة التوازن الاقتصادى لفترة قصيرة، لم يكن يهدف أبداً إلى تعزيز نمو الناتج المحلى الإجمالى، ولكن جعل النمو أكثر استدامة.
بالإضافة إلى ذلك، نما دخل اﻷسر الصينية بوتيرة أسرع بكثير مما كان عليه فى العالم المتقدم فى السنوات الأخيرة، فقد نما متوسط دخل الفرد بأكثر من %9 سنوياً بين عامى 2011 و2017، مما ساعد على تراكم رأس المال والتكنولوجيا الذى جعل العمال أكثر إنتاجية، ولكن وتيرة الزيادة فى دخل الأسرة فاقت النمو خلال نفس الفترة.
ويرجع السبب الأساسى فى ذلك إلى ديناميكيات التوظيف المتغيرة، التى شهدت ارتفاع حصة تعويضات العمل كنسبة مئوية من الناتج المحلى الإجمالى من %46 فى عام 2007 إلى أكثر من %60 فى 2016، ومنذ ذلك الوقت بدأت الموارد البشرية العاملة فى الانخفاض فى الوقت الذى أصبحت فيه الصناعات الخدمية كثيفة العمالة المصدر الرئيسى للناتج الاقتصادى، مما أدى إلى رفع الأجور.
وقالت «فاينانشيال تايمز»، إنه فى ظل النمو العالمى الفاتر والمقاومة السياسية المتزايدة للاختلالات التجارية، لم يعد بإمكان الصين البحث فى الخارج عن الطلب، كما فعلت قبل الأزمة المالية، فقد أصبح الاستثمار، الذى ارتفع فى قطاعى العقارات والصناعات الثقيلة مثل إنتاج الصلب بعد الأزمة المالية، أقل كفاءة، ووفقاً لعدد من المحللين فى شركة «جيفيكل دراجونوميكس» الاستشارية، تحتاج الصين إلى بدء استثمارات ذات عائد أعلى، تلك الاستثمارات التى تخلق طلباً ناجحاً من الطبقات المتوسطة والعليا المتنامية.
ووسط ازدياد حاجة الصين إلى المستهلكين، يتزايد حذر المستهلكين، فقد انخفضت مبيعات السيارات فى أكبر سوق للسيارات فى العالم للمرة الأولى منذ التسعينيات فى العام الماضي، بينما انخفض نمو مبيعات التجزئة إلى %8، وهو أدنى مستوى له منذ 15 عاماً، كما أن سوق الهواتف الذكية آخذ فى الانخفاض، ويعكس التذبذب الأخير فى ثقة المستهلك حقيقة أساسية حول الاقتصاد، حيث يأتى النمو فى إنتاجية العاملين بشكل أساسى من الاستثمار الذى تقوم به الشركات والحكومات المحلية، بالإضافة إلى ذلك، سجلت استثمارات الأصول الثابتة فى الصين أبطأ وتيرة نمو لها، منذ التسعينيات، فى العام الماضى، بينما انخفض نمو الدخل إلى ما يقل عن %7، ومن الناحية النظرية، يمكن أن تنخفض حصة الاستثمار فى الناتج المحلى الإجمالى دون تباطؤ النمو، طالما أن الاستثمار أكثر كفاءة.
وقال نيكولاس لاردى، الزميل بمعهد بيترسون للاقتصاد الدولى فى واشنطن، إنه من المستحيل استثمار %40 أو أكثر من الناتج المحلى الإجمالى بفعالية، حيث يمكن للكثير من تلك الاستثمارات الضياع.
وأضاف لاردى، أن زيادة الاستثمار المرتكز على المستهلك ستساعد فى الكفاءة، خاصة أن الشركات التى تركز على المستهلك تميل إلى أن تكون أكثر سيطرة على القطاع الخاص، مشيراً إلى أن الشركات الصينية مثل «تينست» و»على بابا» تستثمر مليارات الدولارات فى البنية التحتية للمستهلكين عبر شبكات الإنترنت وخارجها.
وحذر لاردى من أن الاستمرار فى الاستثمار غير فعال وتباطؤ معدلات الاستثمار قد تؤدى إلى تباطؤ النمو الاقتصادى، متوقعاً إمكانية تباطؤ الزيادة فى الناتج المحلى الإجمالى إلى %4 فى السنوات القليلة المقبلة، إذا لم يتحسن نظام الائتمان فى الصين.
المصدر : جريدة البورصة

الأكثر مشاهدة

الخطيب وتوفيق والطاهري وفايد ينضمون لمجلس إدارة صندوق مصر السيادي

أعلنت وزارة التخطيط منذ قليل عن تشكيل مجلس إدارة صندوق...