أخبار

فيم أخطأ لبنان.. وكيف وصلت الأزمة إلى هذا الحد؟

الوقود

بدأت قصة الانهيار المالي الذي يعيشه لبنان حاليا في عام 2019، لتكون واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية التي يعيشها البلد الملقب سابقا بـ “سويسرا الشرق”، فما الأخطاء التي أوصلته إلى هذه المراحل الصعبة؟

كانت بداية الأزمة، عندما لجأت الحكومات اللبنانية المتعاقبة بعد انتهاء الحرب الأهلية إلى الاقتراض دون ضوابط تذكر، حتى بات حجم الدين يمثل 150% من الناتج المحلي، ليصبح دين لبنان واحدا من أكبر أعباء الديون في العالم.

في المقابل، لم ينجز لبنان شيئا آخر بجبل الديون، وجرى استخدام الأموال الناجمة عن عمليات الاقتراض في بناء ناطحات السحاب، ومراكز التسوق الفاخرة.

في الوقت نفسه، لم يعد بإمكان محطات الكهرباء أن تلبي الاحتياجات على مدار الساعة، وأصبحت الثروة البشرية هي الصادرات الوحيدة التي يمكن التعويل عليها.

احتيال منظم

عملية الاقتراض المحمومة من الحكومات اللبنانية، وصفت من اقتصاديين بأنها احتيال مُنظم على المستوى الوطني، على غرار خطة بونزي الهرمية، والتي يتم فيها اقتراض أموال جديدة، لسداد مستحقات الدائنين الحاليين.

تؤتي هذه الخطة ثمارها إلى أن تنفد الأموال الجديدة، وتشرع الحكومة في الاقتراض من جديد.

كيف وصل لبنان إلى هنا؟

انقضت الحرب الأهلية، وبدأ لبنان الاعتماد بشكل أساسي على إيرادات السياحة والمساعدات الخارجية، وحصيلة إيرادات القطاع المالي، إضافة إلى المساعدات من بعض دول الخليج، التي مولت الدولة لدعم احتياطيات البنك المركزي.

كان أحد المصادر الرئيسية للدولار، هو تحويلات ملايين اللبنانيين الذي يسافرون للعمل في الخارج، وحتى في الأزمة المالية العالمية عام 2008، واصل المغتربون اللبنانيون تحويل الأموال إلى بلادهم.

منذ 2011، بدأت وتيرة التحويلات تتباطأ، عندما أدت الخلافات الطائفية في لبنان إلى مزيد من الجمود السياسي، ودخول عدد من دول المنطقة فيما عرف بـ “ثورات الربيع العربي”.

بدأت دول الخليج بعد ذلك، في إعادة النظر في الأموال التي كانت تقدم للحكومات اللبنانية، وذلك على خلفيات سياسية.

فجأة، تفاقم العجز في الميزانية العامة للدولة، وارتفع عجز ميزان المدفوعات، بعدما عجزت التحويلات عن مجاراة الواردات، التي تشمل كل شيء من الأغذية الأساسية، إلى السيارات الفارهة.

ظل الوضع هكذا حتى عام 2016، عندما بدأت البنوك تعرض أسعار فائدة مرتفعة على الودائع الجديدة بالدولار – الذي كان عملة مقبولة رسميا – كذلك عرض أسعار فائدة أعلى كثيرا على الودائع بالعملة المحلية.

كانت العملة اللبنانية مربوطة لأكثر من 20 عاما بـ 1500 ليرة للدولار، يمكن تغييرها بحرية من البنوك أو حتى صراف السوبر ماركت، وبالتالي لم يخشى أصحاب الفوائض المالية من إيداعها في البنوك.

نتيجة لذلك، تدفقت الموارد الدولارية إلى القنوات المصرفية من جديد، واستطاعت البنوك مواصلة تمويل الإنفاق العام.

هندسة مالية جديدة

اخترع حاكم مصرف لبنان المركزي، رياض سلامة “هندسة مالية” بسلسلة من الآليات التي أدت إلى تقديم البنوك عوائد سخية على الودائع الدولارية الجديدة.

“هذا الأسلوب كان من الممكن أن يكون ملائما إذا ما تبعته إصلاحات سريعة، لكنه ليس كافيا دون هذه الإصلاحات وهو ما آلت إليه الأمور” بحسب اقتصاديين.

بعد ذلك، فقد المصرف المركزي اللبناني من أصوله ما يفوق ديونه، وفي الوقت نفسه صعدت كلفة خدمة الدين اللبناني إلى نحو ثلث الإنفاق في الميزانية أو أكثر.

ما قبل الانهيار

في الوقت الذي كانت فيه البلاد بحاجة ماسة لكبح الإنفاق العام، أسرف الساسة في زيادة أجور العاملين بالدولة قبل انتخابات عام 2018.

أيضا، أدى فشل الحكومة في تنفيذ الإصلاحات، إلى حجب المانحين الأجانب مساعدات بمليارات الدولارات كانوا قد تعهدوا بتقديمها.

في أكتوبر 2019، كانت خطة الحكومة لفرض ضريبة على مكالمات تطبيق واتساب، بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.

نظرا للحجم الهائل في أعداد المغتربين، وانخفاض النظام الضريبي في لبنان – الذي يميل لصالح الأثرياء – كان لفرض رسم على الطريقة التي يتواصل بها عدد كبير من اللبنانيين شرارة الانهيار.

تفجرت مظاهرات شعبية، يقودها شباب للمطالبة بتغيير كلي، احتجاجا على النخبة السياسية، التي أصبحت أكثر ثراء، في الوقت الذي استمرت فيه معاناة الآخرين.

تراجعت تدفقات النقد الأجنبي من الخارج، وخرجت الدولارات من لبنان، ولم يعد لدى البنوك دولارات كافية لسداد أموال المودعين، الذي اصطفوا في طوابير في الخارج، مما دفع البنوك لإغلاق أبوابها.

كذلك، عجزت الحكومة عن سداد التزاماتها على الدين الخارجي.

انهارت العملة من 1500 ليرة للدولار قبل الأزمة، حتى بلغت مؤخرا نحو 23 ألف ليرة للدولار، بعد أن هبطت في وقت سابق من الشهر الجاري إلى 34 ألفا.

تفاقمت المشاكل بانفجار في أغسطس 2020 في مرفأ بيروت، أسفر عن سقوط 215 قتيلا، وتسبب في أضرار بمليارات الدولارات.

وبعد انكماش اقتصادي سريع، وصل الدين الحكومي إلى ما يعادل 495% من الناتج المحلي الإجمالي في 2021 وفقا لبعض التقديرات، وهو ما يفوق بكثير المستويات التي عرقلت بعض الدول الأوروبية قبل نحو عشر سنوات.

هل يستمر الانهيار؟

تقود فرنسا حاليا مساعي دولية لدفع لبنان لمعالجة الفساد وتطبيق الإصلاحات التي يطالب بها المانحون.

تشكلت حكومة جديدة في أواخر العام الماضي، ووعدت بإحياء المحادثات مع صندوق النقد الدولي، لكنها لم تنفذ حتى الآن أي سياسات إصلاحية مهمة.

ومن الأمور بالغة الأهمية، ضرورة اتفاق الساسة والمصرفيين على حجم الخسائر الهائلة، وعلى ما وقع من أخطاء، حتى يمكن أن يغير لبنان مساره، ويتوقف عن العيش بما يتجاوز إمكانياته.

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

“بحوث نعيم” تتوقع نمو أرباح “طلعت مصطفي” في الربع الأول 2022

توقعت وحدة البحوث بشركة "نعيم القابضة" أن تحقق مجموعة "طلعت...

منطقة إعلانية