ملفات

“صنع في الصين” طموح يواجه المخاوف الدولية والتحديات المحلية

تصنع الدول لتأكل، تصنع معدات زراعية، تصنع معدات تجهيز المنتج الزراعى للطعام، تصنع لتشغيل عمالة تملك المال لشراء ما يكفى من الغذاء.. فى النهاية يمكن القول، إنَّ وطناً لا يصنع لا يملك قوت شعبه.
يفسر هذا السياق مشروع الصين العملاق «صنع فى الصين 2025» الرامى إلى الوصول بالتصنيع الصينى لقمة العالم على صعيد الصناعات ذات التقنية العالية مستوحى من فكرة الثورة الصناعية الرابعة فى عصر التحول إلى التصنيع الآلى والميكنة.
يواجه المشروع نقداً كبيراً من المنافسين، أحياناً، لحد الكراهية خشية أن يسفر عن سيطرة كاملة للصين على سلاسل توريد كاملة فى قطاعات كبيرة خصوصاً المرتبطة بالمواد الأساسية.
تتصدر قائمة القلق الولايات المتحدة تليها كوريا الجنوبية وألمانيا واليابان وجميعها دول تمثل الصناعات فائقة التكنولوجيا الأساس فى نهضتها الاقتصادية والتى تعتبر قلب المشروع الصينى.
الملف التالى يتناول منهجية «صنع فى الصين» لريادة التصنيع العالمى بحلول عام 2025.

التكنولوجيا الفائقة فى مهمة تحديد بطل الصناعة العالمية

تسعى الحكومة الصينية لتصبح القوة المهيمنة فى صناعة التكنولوجيا الفائقة العالمية تحت مشروع أطلقت عليه اسم «صنع فى الصين 2025»، يهدف إلى تحقيق التفوق على براعة التكنولوجيا الغربية فى الصناعات المتقدمة.
وتجادل واشنطن بأن هذا المشروع يقوم على سياسة تعتمد على المعاملة التمييزية تجاه الاستثمار الأجنبى تتضمن نقل التكنولوجيا القسرى وسرقة الملكية الفكرية والتجسس الإلكترونى وأموراً أخرى كثيرة.
ويعنى مجمل هذه الممارسات خضوع الاستثمار الأجنبى لبيئة غير مرنة ومتشددة أشبه بالمراقبة الدائمة، ما خلق نقاشاً واسعاً حول أفضل طريقة للرد على سلوك الصين.
ويعتبر الرئيس الصينى، شى جين بينج، هو مصدر القوة الكامنة وراء مشروع «صنع فى الصين 2025»، وهو مخطط تحويل بلاده إلى قوة التكنولوجيا الفائقة، التى تهيمن على التقنيات المتقدمة لتصبح رائدة فى صناعات دقيقة للغاية مثل الروبوتات وتكنولوجيا المعلومات المتقدمة والطيران وسيارات الطاقة الجديدة.
وتشير مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية، فى تحليل لها، إلى أن هذا يبدو للوهلة الأولى منطقياً فى سياق مسار الصين للريادة العالمية؛ لأنها تسعى للانتقال بعيداً عن الصناعات كثيفة العمالة وتسلق سلسلة القيمة المضافة مع ارتفاع الأجور لتجنب الوقوع فى فخ الدخل المتوسط الذى يضعف الأداء الاقتصادى خاصة على جانب القدرة الاستهلاكية للمواطنين.
ويعتمد مشروع صنع فى الصين على فكرة «Industry 4.0» وهو مفهوم ألمانى متعلق بالثورة الصناعية الرابعة التى تركز على الأتمتة والتكنولوجيا فى التصنيع مستفيدة من تقدم التطبيقات مثل المستشعرات اللاسلكية والروبوتات، إلى جانب الإنترنت، ويمكن أن تحقق مكاسب كبيرة فى الإنتاجية والكفاءة والدقة.
ويشعر البعض بالارتياب إزاء المبادرة من أن نية الصين ليست مجرد الانضمام إلى صفوف اقتصادات التكنولوجيا الفائقة مثل ألمانيا والولايات المتحدة واليابان، بل استبدالها تماماً.
لكن الهدف الأساسى لمشروع «صنع فى الصين 2025» هو تحقيق الاكتفاء الذاتى لتصبح قوة تصنيعية عظمى تهيمن على السوق العالمية فى صناعات التكنولوجيا فائقة الأهمية.
ويعنى نجاح الصين إثارة العديد من القضايا بالنسبة للبلدان التى تعتمد على تصدير منتجات التكنولوجيا الفائقة.
هيكل استراتيجية التحول
تعمل الصين على جعل الخطة حقيقة واقعة بتطبيق 5 مبادئ و5 مهام رئيسية تركز على تحسين 10 قطاعات صناعية رئيسية.
*المبادئ الأساسية:
1. الابتكار هو الأساس
2. الجودة أولاً
3. صديقة للبيئة
4. هيكل قوى
5. تنمية المواهب

*المهام الرئيسية:
1. إنشاء مركز وطنى للابتكار
2. تعزيز القاعدة الصناعية
3. تعزيز التصنيع الذكى
4. تعزيز التصنيع الأخضر
5. استخدام المعدات المتطورة
تسلط الخطة الضوء أيضاً على 10 قطاعات رئيسية، تشمل:
1. الروبوتات: لتغطية %70 من السوق المحلية، ومن المتوقع أن تحتل واحدة من الشركتين المصنعتين مرتبة بين الخمس الأوائل فى العالم.
2. معدات الطيران والفضاء: لتصنيع الطائرات التجارية محلياً والطائرات التوربينية الإقليمية لتغطية ما يصل إلى %20 من السوق الدولية بجانب استكمال أعمال التطوير الرئيسية لنموذج أولى لمحرك طائرات كبير.
3. النقل بالسكك الحديدية: وتسعى الصين لاحتلال نهاية عالية من سلسلة القيمة للنقل بالسكك الحديدية العالمية.
4. معدات الطاقة: تهدف حكومة بكين للوصول إلى المستوى المتقدم عالمياً فى إنتاج معدات الطاقة الحرارية والطاقة الكهرومائية والطاقة النووية على نطاق واسع، كما تخطط للوصول بحجم صناعة الطاقة ونقل الطاقة الكهربائية إلى 3 تريليونات يوان.
5. مواد جديدة: يجب أن تلبى منتجات المواد الأساسية المنتجة محلياً %90 من الطلب المحلى.
6. الجيل الجديد من تكنولوجيا المعلومات: تبنى حفنة من الشركات لتصبح من الطراز العالمى لتلبى الطلب على معدات الاتصالات المتنقلة المنتجة محلياً لتغطية %80 و%40 من السوق المحلية والطلب الدولى على التوالى.
7. المعدات البحرية والسفن ذات التقنية العالية: تسعى لتطوير أكثر من خمس شركات تصنيع ذات شهرة عالمية فى مجال المعدات البحرية لتغطية %40 من السوق الدولية.
8. الطاقة الجديدة وتوفير طاقة المركبات: تهدف الصين إلى تصدير %20 من جميع المركبات التجارية، ومن المتوقع أن يكون لديها ثلاث شركات مصنفة ضمن أفضل خمس شركات للمبيعات على مستوى العالم.
9. المعدات الزراعية: يهدف الإنتاج الصناعى للوصول إلى 800 مليار يوان، وستصبح الصين أكبر صانع للمعدات الزراعية فى العالم، وتلبية طلب المعدات المصنعة محلياً بنسبة %95 أو أكثر من الطلب فى السوق الصينية، وتخطط إلى الاعتماد على تقنيات الأتمتة والمعدات للوصول إلى المعايير الدولية المتقدمة.
10. الأجهزة الطبية ذات التقنية العالية: تشمل الخطط الوطنية التطوير والإنتاج المبتكر للوصول إلى المعايير الدولية، وتسويق الأدوية الكيميائية المبتكرة والأدوية الصينية التى يتعين إنتاجها وفق براءات اختراع خاصة.
بضائع سيئة السمعة
بالنسبة لكثير من الناس، وخاصة أولئك الموجودين فى الغرب، أصبحت علامة «صنع فى الصين» مرادفة للتكلفة والجودة المنخفضة بل والسيئة.
ولكن بدأ العالم حالياً يستمتع بمنتجات من الصين ولمس الناس أن هناك منتجات مصنعة فى الصين فريدة من نوعها ذى جودة عالية حيث بات التصنيع الجيد جزءاً من الثقافة الصينية فى السنوات الأخيرة.
أصبحت الصين «مصنع العالم» وأنتجت عناصر لا تعد ولا تحصى لعلامات تجارية هائلة مما دفع الناس إلى تغيير وجهات نظرهم.
وكان هذا التحول بسبب مزيج من تجربة المستهلك وتأثير التغطية الإعلامية المتعلقة بالمنتجات الصينية الصنع، فعادة بالنسبة للأشخاص الذين ليس لديهم تجربة شخصية أو مباشرة مع دولة معينة ستقوم وسائل الإعلام بإملاء رأيها عليهم.
وفى فترة من الفترات كان الناس يقرأون الكثير من المقالات السلبية مما خلق إدراكاً سلبياً ولهذا السبب بدأ الأفراد فى التعامل مع الأشياء التى تحمل اسم «صنع فى الصين» على أنها رخيصة وذات جودة منخفضة، بدلاً من فريدة وذات قيمة عالية.
وتهدف مبادرة «صنع فى الصين 2025» إلى التخلص من هذه السمعة السيئة من خلال اقتحام صناعات التكنولوجيا الفائقة التى تسيطر عليها القوى الغربية.
تهديد التجارة العالمية
هل رغبة الصين فى أن تصبح قوة تقنية عالية تهديد للسوق العالمية؟ سوف يجيب منتقدوها بـ”نعم» وبإصرار، ويوجد قلق من أن طموحها للسيطرة على سلاسل التوريد يعنى أن صناعات بأكملها يمكن أن تخضع لسيطرة قوة جيوسياسية منافسة.
صناعة «الكوبالت» مثال رئيسى على ذلك وهو خام أصيل فى تصنيع معظم الإلكترونيات الحديثة، وإذا كانت الصين ستسيطر على سلسلة التوريد بأكملها، فقد تتسبب فى مشكلة.
ويشعر المنتقدون، أيضاً، بالقلق من أن الصين تشوه الأسواق العالمية من خلال إعطاء الأولوية للاعتبارات السياسية المقدمة بالنسبة لها على الحوافز الاقتصادية.
وفى مارس 2018، خلص تحقيق أجرته إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى أن تصرفات الصين كانت «غير معقولة وتمييزية» وهو ما يثير غضب البيت الأبيض.
ويمكن تفسير هذا الغضب ببساطة بأن هذه الخطط ستضع الصين فى منافسة مباشرة مع الولايات المتحدة وجاء تصريح ترامب واضحاً بأن التعريفات الأمريكية المقترحة مصممة لإعاقة برنامج «صنع فى الصين 2025».
ومن غير المرجح أن تكون هذه الاستراتيجية فعالة لدرجة أنها تهدد بتقويض قطاع التصنيع الأمريكى بدلاً من تعزيزه فمعظم الصناعات المتقدمة فى الصين بحلول 2025 لا تزال قيد التطوير ولم تصدر بعد إلى الولايات المتحدة.
وعلى سبيل المثال، تريد بكين تطوير صناعة الطيران الخاصة بها، لكنها لا تزال بعيدة عن المنافسة مع شركة «بوينج» لسنوات عديدة وفى الوقت الحالى، لا تزال الصين نفسها مشترياً كبيراً لطائرات «بوينج».
كراهية شعار «صنع فى الصين»
تخشى الدول أن تكون الحصص التى تضعها الصين تنتهك قواعد منظمة التجارة العالمية ضد الإحلال التكنولوجى؛ حيث تشمل استراتيجية «صنع فى الصين 2025» أهدافاً لتحقيق الاكتفاء الذاتى بنسبة 70% فى المكونات الأساسية والمواد الأساسية بحلول عام 2025، ويعنى نجاح هذه الاستراتيجية تدمير بلدان مثل كوريا الجنوبية وألمانيا، التى تعتمد بشكل كبير على صادرات التكنولوجيا الفائقة.
وعادة ما تمتد سلاسل الإمداد هذه عبر العديد من الحدود؛ حيث يتم إنتاج مكونات متخصصة بدرجة عالية فى بلد واحد ويتم تعديلها أو تجميعها بمكان آخر، فى حين تعتزم الصين استيعاب سلسلة التوريد العالمية للتكنولوجيا الفائقة بأكملها من خلال دعم الصناعة المحلية والسياسات الصناعية التجارية.

الصين

نجاح متوقع لـ«صنع فى الصين»
يمكن العثور على سبب إطلاق مشروع «صنع فى الصين 2025» فى أى طابق مصنع؛ حيث تستخدم أمواجاً من العمالة البشرية لكنها فى تراجع، وبات المرشحون للوظائف أقل من الماضى، كما أن ارتفاع تكاليف العمالة وظهور جيل جديد يتمتع بالقليل من الاهتمام بالعمل والكدح فى المصانع مما يجبرهم على التغيير.
الآن تجرى عملية الإحلال حيث أصبحت الآلات تغطى هذا العجز النسبى خاصة فى خطوط الإنتاج التى تحتاج أكثر من 15 شخصاً لإنهاء خطوات التصنيع.
هذا المشهد يخبر الجميع أن مبادرة «صنع فى الصين» ليست مجرد شىء يدفعه قادة الصين لكن القوة الهادرة تأتى من أسفل إلى أعلى بعد أن تأكدت الشركات والمدن فى جميع أنحاء الصين أنها يجب أن تحدث عملية الإنتاج أو تنتظر الهلاك.
ويتعلق النجاح بعوامل كثيرة لكنه قد يتأخر عن عام 2025 بسبب الاحتياج إلى مزيد من الوقت لكن الصين سوف تحقق هدفها لأنه يجب عليها أن تفعل ذلك لضمان استمرار نهضتها الاقتصادية.
الهدنة التجارية
تسعى الولايات المتحدة إلى عرقلة مشروع «صنع فى الصين 2025»، ووضعت إدارة ترامب سلسلة من الرسوم الجمركية ضدها رغم هدنة الـ90 يوماً التجارية المزعومة والحديث عن وجود تحركات جيدة والاستعداد لتمديدها، ويحذر الخبراء من القفز للتوصل لاستنتاجات تحت زخم المحادثات التجارية التى تسير فى اتجاه إيجابى حالياً مع الاعتراف أنه من الحكمة التمسك بالتفاؤل، لكن التسرع مرفوض ويجب انتظار نتائج على أرض الواقع.
مثل معظم الأشياء، لا سيما فى السياسة والتجارة العالمية، لا يوجد شىء يمكن وصفه بالأبيض والأسود حقاً عند الإشارة إلى «صنع فى الصين 2025» فمن وجهة نظر واحدة تبدو رغبة الأمة بمواكبة التطورات فى التكنولوجيا وجنى الفوائد، وقامت دول مثل ألمانيا واليابان بأشياء مماثلة قبل أن تضع الصين هذه الخطة موضع التنفيذ.
من ناحية أخرى، يبدو أن الصين تريد فرض قيود على بعض الصناعات فى السوق العالمية فمن خلال تحقيق بعض الأهداف التى حددتها ستضع العديد من الدول الأخرى فى وضع غير موات.
ومع مراقبة الولايات المتحدة وبلدان أخرى عن كثب للأحداث وتطورها سيحدد الوقت فقط ما سيحدث مع المبادرة الصينية.

الصين

«مقعد شاغر» طريق الصين مفتوح نحو الريادة الدولية

تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب، تنأى الولايات المتحدة الأمريكية تدريجياً عن دورها القيادى العالمى؛ حيث يرغب بوضوح فى إنفاق الدولارات الأمريكية على الشعب الأمريكى.
وتماشياً مع هذه الروح انسحبت أمريكا من المعاهدات الرئيسية للتركيز على الحصول على مكانة خاصة بها يمكن القول إنها تأتى بمعزل عن الثقافة الأمريكية للإيثار المفترض والتى يشهد عليها طبيعة الاتفاقات الاقتصادية للتعاون فى اتجاهات الشمال والجنوب وعبر الأطلسى ومع الصين نفسها عدوها اللدود.
تعهد الرئيس ترامب بوضع حد للتقليد الأمريكى القديم المتمثل فى كونه مانحاً شهيراً للعديد من الدول التى تأخذ من الولايات المتحدة، دون إعطاء أى شىء فى المقابل، ومثل هذا الموقف التطلعى الداخلى بالنسبة لمن يعتبرونه إيجابياً خلق وظيفة شاغرة لقائد عالمى يحرك المجتمع الدولى.

تطور التقنيات العسكرية
تتصدر الصين المرشحين الكبار فى القائمة القصيرة، والتى تضعها كثانى أكبر اقتصاد فى العالم، وقد وفرت ما يقرب من ثلث النمو العالمى فى عام 2017.
وتخطط الحكومة الصينية لاستخدام أكبر عدد من سكان العالم للاستفادة من تجربتها التكنولوجية، وتأمل أن تتفوق على جميع الدول الغربية من حيث تنفيذ برامج الذكاء الاصطناعى.
وأدت الرقابة التى فرضها الحزب الشيوعى على شركات الإنترنت الغربية إلى ظهور عمالقة التكنولوجيا الصينيين، والتى بدأت فى تشكيل مستقبل التكنولوجيا العالمية، وقد يصل الأمر إلى التحكم فيه بحسب خطط بكين الطموحة بامتلاك أكبر 5 شركات فى العالم.
ويشير تقرير لـ«فورين بوليسى» إلى أن منصب الريادة العالمية فى العصر الحديث يتطلب الابتكار والقدرة على مواكبة التطورات الرقمية، وهو تحدٍ يأخذه الصينيون بجدية بالغة.
وعلى الجبهة العسكرية، تتمتع الجمهورية الشعبية بأحد أعلى النفقات العسكرية فى العالم رغم أنها تتخلف كثيراً عن الإنفاق الأمريكى من الناحية الاستراتيجية؛ بسبب اختلاف طبيعة الجغرافيا والتهديدات والتحديات الإقليمية، لكن بيانات الموازنة العسكرية تقول إن الطموح الصينى فى التنافس مع القوى الكبرى المتصارعة لا حدود له.
وتقف الصين وفقاً لتقرير صادر عن وكالة المخابرات الأمريكية فى المقدمة على صعيد مجموعة من التقنيات العسكرية التى ستسمح للصين بفرض إرادتها فى المنطقة، وهذا يمكن أن يهدد النظام الدولى بالنسبة للولايات المتحدة المترددة بشكل ملحوظ وهذا التردد يمكن أن يعزز نفوذ الصين الإقليمى، وحتى العالمى.
سياسة أمريكية حمائية
تركز الولايات المتحدة وإدارة البيت الأبيض فى عهد دونالد ترامب على كبح النفوذ الاقتصادى للصين وتنتهج واشنطن موقفاً أكثر حمائية.
وتبرر الأرقام الصدمة فى الداخل الأمريكى حيث يصل العجز التجارى 29 مليار دولار بين البلدين لصالح الصين وهو أمر يحتاج إلى خطة شاملة للمواجهة.
ويعتقد المسئولون الأمريكيون فى البيت الأبيض أنه من خلال فرض ضرائب على واردات الصين، ستبدو المنتجات الأمريكية المحلية أكثر جاذبية للعملاء الأمريكيين وستعزز الاقتصاد الأمريكى.
تتبع الصين طوال الوقت نهجاً يركز على الصادرات الخارجية لتدعيم خططها التجارية العالمية معتمدة على قوة هائلة لبنيتها التحتية وقد صاغ الرئيس «شى» أكبر مشروع للبنية التحتية فى العالم، ومبادرة «الحزام والطريق» التى تبلغ تكلفتها 900 مليار دولار، وترمى هذه الخطة الطموحة للغاية إلى تعزيز وجود الصين فى العالم لعدة قرون قادمة كرائدة وقائدة.
وتفتح المبادرة أسواقاً جديدة للسلع والتكنولوجيا الصينية وتربط آسيا مع إفريقيا وأوروبا ومن خلال الاستثمار فى الطرق والموانئ والمطارات والسكك الحديدية والطرق البحرية سيصبح الوصول أكثر يسراً وأقل تكلفة فى حين تبقى الولايات المتحدة مترفعة حتى الآن عن مناقشة المبادرة من حيث الفوائد الممكنة لها.
خطة مارشال صينية
تمثل منطقة المبادرة ثلث التجارة العالمية والناتج المحلى الإجمالى وأكثر من %60 من سكان العالم، ويشرح هذا النطاق الهائل للمشروع فائدته فى تعزيز دور الصين كقائد عابر للقارات مرتكزاً على شبكة علاقات تجارية واقتصادية وسياسية قوية من حيث الروابط المتينة.
ويقارن بعض الخبراء مبادرة «الحزام والطريق» بما قدمته خطة «مارشال» لعام 1948 التى رسمتها الحكومة الأمريكية لإعادة بناء أوروبا الغربية التى دمرتها الحرب العالمية الثانية وتكلفت مليارات الدولارت.
ولا يمكن تجاهل الدور السياسى لخطط الصين الاقتصادية بما فيها مباردة «الحزام والطريق» لتوحيد الدول الشريكة ضد الولايات المتحدة الأمريكية على نفس نهج خطة «مارشال» التى طورت بعداً سياسياً يرمى إلى احتواء الاتحاد السوفيتى الشيوعى السابق، ويمكن للصين استخدام هذه الخطط لاحتواء النفوذ الاقتصادى العالمى لأمريكا، فضلاً عن انتزاع النفوذ السياسى الدولى المدعوم بقوتها العسكرية الهائلة.
ولا تتحرك الولايات المتحدة بالسرعة المطلوبة لمواجهة النفوذ الإقليمى المتزايد للصين ويمكنها ذلك بعدة طرق.
وتستطيع أمريكا خلق معارضة فى الدول الشريكة لكن يجب توفير بديل بتعزيز المشاركة الاقتصادية للولايات المتحدة معها ومع المنطقة إجمالاً، كما تحتاج الولايات المتحدة لتشجيع حلفائها على تجنب المشاركة وكذلك تعويضهم بعلاقات أقوى وميزات تنافسية.
لكن تقرير «فورين بوليسى» يعترف بأن هذه الجهود قد لا تفعل الكثير لردع خطط الصين العالمية واسعة النطاق والتأثير.
الدوافع السياسية
لفت التقرير إلى أن الدول المشاركة بمبادرة «الحزام والطريق» فى الأساس جرى تسويق المشروع لها على أساس أنها فى أمس الحاجة إليه كى تطور البنية التحتية لديها ومعظمها دول تعانى مشكلات اقتصادية مستعصية مثل باكستان وبنجلاديش وكينيا، على سبيل المثال لا الحصر من بين 65 دولة مشاركة.
وتجد هذه الدول فى مثل هذه الاتفاقيات التعاونية فرصة لا تعوض كبرنامج تنمية داخلى يفوز فيه الجميع سواء الصين والدول المشاركة، خاصة أن الدوافع السياسية فى هذه البرامج تحرص بكين على عدم إظهارها بشكل مباشر على عكس الولايات المتحدة.
ومع ذلك، لن تخلو بالقطع هذه الخطط من استراتيجية جيوسياسية وهى مسالة ذات أهمية كبيرة فى المنطقة المحيطة.
ورغم ذلك، صرح الرئيس الصينى شى جينج بين، صاحب أحد أهم تصنيفات الشخصيات الأكثر تأثيراً فى العالم بأن بلاده لن تسعى أبداً للهيمنة أو التوسع أو الاستحواذ على مجال للنفوذ الخاص.
ويشير واقع السياسة الخارجية الصينية إلى خلاف ذلك؛ حيث سعت الإدارة الصينية لتوسيع عملياتها العسكرية فى بحر الصين الجنوبى المتنازع عليه بشدة، من خلال عسكرة الجزر الاصطناعية التى يمر عبرها أكثر من 5 تريليونات دولار من التجارة كل عام.
وتهدف هذه الجهود إلى سحق حقوق تايوان وفيتنام والفلبين وماليزيا وإندونيسيا المجاورة والتى تطالب جميعها بنصيبها من جزر ومناطق مختلفة فى بحر الصين الجنوبى.
ويثبت مضيق «ملقا» أن هناك حاجة صينية لإحداث تحول فى طريقها لقيادة العالمية الصينية، وهى مسألة تسعى مبادرة «الحزام والطريق» إلى معالجتها، ففى حين يحمل مضيق «ملقا» ما يقدر بـ25 إلى %40 من إجمالى التجارة كل عام فإنه يربط الاقتصاديات الآسيوية الكبرى من خلال تسهيل تجارة البترول والموارد الطبيعية ومختلف المنتجات المصنعة.
الوجه الآخر من العملة يقول، إن المضيق هو نقطة خنق بحرية وعرضة للقرصنة والاختطاف، وهو ما يمثل تخوفاً كبيراً للصين؛ حيث تعتمد على المضيق فى 70 إلى %85 من إمداداتها البترولية المستوردة.
للتغلب على «معضلة ملقا» ستعتمد الصين على الاستفادة من تطوير النبية التحتية فى مشروع «الحزام والطريق»؛ حيث يجرى خلق مصادر مختلفة للطاقة، وبالتالى تقوم الصين بإنشاء طرق استيراد جديدة مثل ميناء «جوادار» الذى يتم تطويره فى باكستان تحت الممر الاقتصادى الصينى الباكستانى، ما يوفر طريقاً بديلاً للشحن إلى مضيق «ملقا».
الصين فى أفريقيا
بالإضافة إلى ذلك، تعمل الصين على تعزيز التجارة فى القارات الأخرى لعرض نفسها كحليف رقم واحد للدول التى تتعاون معها اقتصادياً فمنذ ما يقرب من عقد من الزمان، تفوقت الصين على الولايات المتحدة لتصبح أكبر شريك تجارى لأفريقيا، ومنذ ذلك الحين تكثف الجهود لتطوير العديد من البلدان فى أفريقيا.
وأعلن الرئيس الصينى خلال منتدى التعاون بين الصين وأفريقيا عن تمويل خطط بقيمة 60 مليار دولار فى أشكال مختلفة، بما فى ذلك القروض والمنح بدون فوائد.
وتحمل الصين سجلاً تاريخياً فى محاربة الفقر مثيراً للإعجاب، ومن المحتمل أن يكون ذلك تفسيراً مهماً فيما يتعلق بحضور 53 من القادة الأفارقة القمة لتعزيز العلاقات الصينية – الأفريقية للاستفادة من تجربة بكين.
وعلى الصعيد المحلى، نجحت الصين فى خفض معدل الفقر المدقع من 84% عام 1980 إلى 10% الآن وتأمل الدول الأفريقية فى أن يكرر التوجيه الصينى هذا النجاح فى أفريقيا، كما تشير بيانات البنك الدولى إلى أن 28 بلداً أفريقياً ضمن أفقر 34 دولة على مستوى العالم.
من تنافس تجارى إلى صراع مسلح
الخلاصة أنه فى الوقت الذى تتراجع فيه واشنطن وتنسحب تسير بكين للأمام وتحتل مكانها لكن الأمر ليس بهذه البساطة.
يشكل التأثير الاقتصادى المتنامى للصين مصدر قلق كبيراً للولايات المتحدة لكن كما يقول المؤرخ اليونانى «ثوسيديدس» توجد حتمية لأن الحرب ستندلع بين قوة متنامية وقوة موجودة فعلاً بسبب مصالحهما المتعارضة تماماً.
صاغ هذا المفهوم العالم السياسى جراهام أليسون باعتباره «مصيدة ثوسيديدس» استناداً إلى فكرة أن القوة الصاعدة فى هذه الحالة الصين تنافس قوة حاكمة هى الولايات المتحدة الأمريكية، ويمكن أن تزعزع النظام الدولى وتثير الصراع، لكن الرئيس «شى» زعم أن الصين تفتقر إلى الجينات اللازمة للانخراط فى مثل هذا السلوك المدمر.
ويبقي الوضع رهن ما إذا كانت الصين ستعدل وراثياً الحمض النووى الخاص بها لتبنى موقف أكثر عدوانية وإضافة المزيد من العداء للعلاقة الصينية الأمريكية وهى مسألة لا يمكن رؤيتها بعد.
ومن الواضح أن الرئيس «شى» يعزز مكانة الصين فى المجتمع الدولي لقرون قادمة، فى حين أن الرئيس ترامب لا ينظر إلى أبعد من إدارته، بينما تتراجع واشنطن وتنسحب، تتواصل بكين وتتقدم.
ولا تسعى الصين إلى الإخلال بالنظام الدولى، ولكن لإعادة اختراعه، وعند القيام بذلك، قد يؤدى الطريق الطويل فقط إلى وجهة أكبر تحمل لافتة: «القيادة العالمية الصينية».

المصدر: جريدة البورصة 

منطقة إعلانية

منطقة إعلانية

الأكثر مشاهدة

“موانئ دبى” تدرس 3 فرص استثمارية فى مصر

تخطط شركة موانئ دبى العالمية لإنشاء ميناء على ساحل البحر...

2.5 مليار دولار فجوة تأمينية فى مصر.. كيف يمكن سدها؟

يقدر الاتحاد المصرى للتأمين قيمة الأصول غير المؤمن عليها بالسوق...