ملفات

أمريكا والصين وجهاً لوجه.. مرحلة إدارة الصراع

تحركت المواجهة بين الولايات المتحدة والصين من مرحلة المناوشات إلى نزاع مكتمل الأركان بحيث أن المنتصر فى النهاية سيكون الأفضل من حيث إدارة هذا الصراع.
وشهدت الأسابيع الأخيرة تصعيداً أمريكياً كبيراً توجته باستهداف شركة “هواوى” ووقف تعامل الشركات الأمريكية معها، لكن الرد الصينى لم يكن بنفس القوة وهو نهج حكيم مقبول من بكين لتقليل الخسائر التى ستكون على الجانبين بلا شك.
فى واشنطن توجد عدة أطراف تدير الصراع مع بكين والمفاجأة أن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب هو الأقل تشدداً بينهم بينما يقود الحزب الواحد فى بكين دفة المعركة من أجل تحقيق هدفه بحسب ما يعلن وهو إطعام الأفواه الجائعة.
ولن تكتفى الصين بأن تكون دولة غنية لانها تعلم أنه لابد من قوة لحماية نهضتها لذا تنشط فى الاستثمارات الحساسة وعالية التقنية لكنها تقول إن ذلك يمكن أن يجرى فى إطار من التعاون الدولى.
وفى المقابل تنظر الولايات المتحدة إلى ذلك بعين التهديد وتصر آلة السياسة الأمريكية على ضرورة احتواء هذا الطموح الذى يبدو أنه لا حدود له.

“بكين”: نركز فى “إطعام الأفواه الجائعة” وليس هزيمة أمريكا
دعم القدرات العسكرية والتقنية يحمى النهضة فأن تكون غنياً لا يكفى
التقليل من توقعات تصعيد الحرب التجارية أكبر خطأ لقادة الصين
جيل القادة الجدد يفضل طريقة ترامب للتركيز على الصراع الاقتصادى
الضغوط الأمريكية تدعم التيار الليبرالى الصينى لمزيد من الانفتاح
الحرب التجارية تعطل وصول خطط التنمية إلى المناطق المحرومة

يدرس العلماء والمسئولون الصينيون سلوك الولايات المتحدة، ويجرى فى بعض الأحيان إجراء مقارنات بين علاقات البلدين كزواج سيئ، فمن جهة تسعى الصين للحفاظ على مصالحها فى قارات أخرى، لكن هذه المساعى باتت مصدراً للقلق بالنسبة لأمريكا.
وبحسب مجلة “إيكونوميست”، فإنَّ توصيف الزواج فى حد ذاته ينطوى على قدر من الإعجاب المتبادل، لكنه فى هذه الحالة ممزوج بالحسد والاستياء المتأصلين فى عقول نخبة الصين لمنافسها العالمى، ومع ذلك أدت تصرفات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى عاطفة جديدة خطيرة على نحو متزايد وهى الاحتقار.
ومن الصعب للغاية التحدث إلى المسئولين الصينيين الأقوياء، فليس لديهم حوافز تذكر للنقاش مع الغرباء، لكن بعض الكوادر والعلماء المعروفين باطلاعهم على مواقف القيادات فى الحكومة والأحزاب يناقشون، حالياً، سجل هذه العلاقة.

* أفواه جائعة

يسعى قادة الصين إلى الحفاظ على العلاقات مع النبلاء فى الغرب، ويمكن القول بثقة، إنَّ الطبقات الحاكمة كانت تشعر بخيبة أمل شديدة تجاه أمريكا التى انتخبت الرئيس دونالد ترامب، ويطلقون عليه الخاسر والمفسد الخطير ليس لأنه فقط غير راغب فى لعب بكين دوراً قيادياً فى العالم، ولكنه يغضب إذا أصبحت أكثر نشاطاً.
ووفقاً لهذا التوجه الفكرى، على سبيل المثال ينظر الصينيون بتعجب شديد من الاستماع إلى شكوى واشنطن من طموحاتهم فى مبادرة الحزام والطريق وخطة البنية التحتية التى يدعمها الرئيس شى جين بينج، ويصفون ذلك بالجنون فعندما باتت أمريكا غير مستعدة للعب دور رائد فى تحديد المعايير الدولية يركز هو بشكل كبير على الاستثمار كأداة للارتباط بالعالم.
وإذا كان هذا خلافاً زوجياً فعلاً، فإن السطر الذى يلخص الحالة المزاجية فى بكين سيكون سؤالاً متحدياً وغاضباً موجهاً إلى البيت الأبيض: “لماذا تعتقد دائماً أن أى فعل مقصود به أنت؟” فلم تسع الصين لهزيمة أمريكا إذا خططت لتصبح أكبر اقتصاد بدلاً من القول إنها تسعى للتعاون معها؟ والحقيقة كما تقول بكين، أن لدى الحكومة “الكثير من الأفواه الجائعة”، وتريد أن توفر لهم حياة أفضل وهذا فقط سبب بحثها عن النفوذ الاقتصادى العالمى.
وحققت الصين بالفعل الكثير على مدار 40 عاماً من النجاح بفضل العمل الدؤوب الذى قام به شعبها، ومع ذلك فقد سقطت العديد من المناطق من خريطة التنمية وتناشد الدولة أنه حان الوقت للحصول على حقوقها.
هذه الحاجة للحفاظ على النمو الاقتصادى هى سبب لخوف الصين من حرب تجارية مع ترامب، وهى أيضاً سبب للسخط، ما يسمى سياسة الاحتواء الأمريكية؛ حيث تعتبرها الصين محاولة للخنق وتشكيكاً بحق الصين فى بناء الثروة لصالح شعبها سواء من خلال بناء قوات مسلحة قوية أو تطوير تكنولوجيا متقدمة.
ويقول الصينيون، إنه لا يكفى أن تكون غنياً، بل يجب أن تكون الدول قوية عسكرياً وتكنولوجياً، مبررين ذلك بأسلوب الازدراء من قبل القوى الأوروبية الأصغر منها وقت ما كانت تعانى مشكلات كثيرة.
ويرون أن هذا الحسد والازدراء والقلق غالباً يفسر قيام كندا بالقبض على مينج ونزهو، وهى مسئولة تنفيذية رفيعة المستوى فى “هواوى” وابنة مؤسس شركة الاتصالات العملاقة.
وبحسب المجلة البريطانية، فإنه من المحزن أن المناقشة تصبح ساخرة حول القوة النسبية للصين وأمريكا وكندا فى حسم هذه القضية، فنادراً ما يتعلق الأمر بتفاصيل القضية القانونية ضد “منج” التى جرى توقيفها بناءً على طلب المدعى العام الأمريكى الذى يتهمها بالمساهمة فى تجنب إيران العقوبات المفروضة عليها.
وينظر الصينيون إلى اعتقال “منج” على أنه إشارة بأن أمريكا قد تتسامح مع الصين الأكثر ثراءً ولكنها لا تريد أن تكون قوية.

* التعامل الغربى

وعلى صعيد مناقشات النزاعات الإقليمية تؤكد الحكومة الصينية حقها التاريخى فى سيادتها على الشِعاب المرجانية والجزر فى بحر الصين الجنوبى وعندما يحتج المسئولون على إصرار أمريكا على إرسال سفن حربية وطائرات عبر تلك المياه المتنازع عليها ترتكز الشكوى فى أنها تبدى عدم احترام، مؤكدة أنها لن تتسامح مع هذا القصور فى التعامل مع مناطق تعتبرها الفناء المنزلى الخلفى لها.
ويعتقد الصينيون، أنه بعد 40 عاماً من الثراء المتزايد حان الوقت لمعالجة مثل هذه القضايا التى تم تجاهلها منذ فترة طويلة باعتبار أنهم باتوا فى موقف قوة الآن.
وتسيطر على أصوات رسمية أخرى داخل النقاش فكرة أن الصين لم تطور سلوكها كما طورت اقتصادها، فقد نمت فقط بشكل أكبر وأكثر نجاحاً لكنها تحتاج للحسم أكثر فى مواجهة الادعاءات الغربية، فإذا كانت الصين من منتهكى النظام الدولى فإن السؤال لماذا لم يتذمر الأمريكيون والأوروبيون من قبل؟
وتشير مجلة “إيكونوميست” إلى أن الصين وعدت مراراً وتكراراً بفتح الأسواق ومنح المزيد من المعاملة العادلة للشركات الأجنبية لكن بعد 20 سنة من كسر هذه الوعود بدأ يختفى الصبر، لكنَّ هذا التساؤل يعتبر وجيهاً إلى حد ما ومن حق الصينيين أن يتعجبوا.
وعلى صعيد تواجد الشركات الأجنبية، فعلى مدار سنوات جرى إرسال رسائل مختلطة للقادة الصينيين، ففى لقاءات مع قادة الحكومة المركزية يتحدث الزعماء الغربيون عن تجاربهم الإيجابية وبحذر شديد؛ لأنهم لا يرون فائدة تذكر فى إثارة المشاكل الناجمة عن مشكلات حدثت داخل المقاطعات والحكومات المحلية مع العلم أن الحكومة المركزية قد تطلب ببساطة من الجهات المحليات التحقق بأنفسهم من أى شكاوى.
وتكتفى الشركات الأمريكية من التعبير عن تذمرها إلى حكومة البيت الأبيض والتى من المفترض سترفع شكواها إلى القادة الصينيين مما يكشف أزمة تواصل من قبل الأمريكان مع نظرائهم الصينيين.
ويقسم “ترامب” المسئولين والعلماء الصينيين إلى جيلين، فهناك جيل أكبر سناً وخاصة أولئك الذين كانوا من أوائل من درسوا فى أمريكا ويشعرون بالذهول من حصوله على شعبية كبيرة بين الناخبين.
ويوجد جيل آخر من كبار المسئولين فى منتصف العمر وأكثر ميلاً إلى الشعور بالفرح بقدومه للبيت الأبيض فذكرياتهم عن أمريكا تنطوى على كوارث الغزو العراقى عام 2003 والأزمة المالية فى 2008.
ويرى هذا الجيل أن تشخيص ترامب للعلل الأمريكية هو الصحيح تماماً، ويعنى ذلك أنه محق فى القول إن على أمريكا أن تسحب قواتها من الشرق الأوسط وآسيا، وأن تركز بدلاً من ذلك على بناء الدولة فى الداخل، ويضيفون فى الوقت نفسه أن تدنى نوعية المسئولين المعينين لديه تفوق نظام الحزب الواحد فى الصين.
إنَّ أكثر الأصوات صراحة تعترف بأن الصين أخطأت فى تقييم ترامب، ففى البداية كان يعتقد أنه رجل أعمال براجماتى فى نيويورك وفقاً لتصور الآخرين الذين عرفوه وقللت الصين أيضاً من متانة دعمه شعبياً.
وقد صدم تصعيد ترامب للمعركة التجارية الزعماء الصينيين الذين أكدوا للزعماء الغربيين الزائرين فى ربيع عام 2018، أن صخبه كان عملاً مسرحياً، وأن كلا الجانبين لديه الكثير مما سيخسره حال بدء حرب تجارية حقيقية.
وفى أعقاب تهديدات ترامب بإمطار “النار والغضب” على كوريا الشمالية فى عام 2017، والتى أثارت قلق الصين حقاً، باتت حكومة بكين تنظر لسياسات ترامب الحالية بشىء من الإعجاب، ففى الوقت الحالى توجد لا مبالاة بانتهاكات حقوق الإنسان فى كوريا الشمالية، وكذلك رغبة فى تعليق التدريبات العسكرية الأمريكية فى كوريا الجنوبية ما دام الشمال يوقف اختبارات القنابل أو الصواريخ.
وهذه هى بالأساس سياسة “التجميد مقابل التجميد” التى حث عليها القادة الصينيون الإدارات الأمريكية السابقة، لكنها رفضت ذلك باعتباره خيانة للتحالفات الأمنية الآسيوية والتى باتت الإدارة الجديدة لا تلقى لها بالاً كثيراً.

* ليبراليون لأجل ترامب

خلال عام 2018، شعر السياسيون الأجانب وقادة الأعمال الذين يزورون بكين بصدمة جراء ظاهرة غير متوقعة يمكن أن يطلق عليها “ليبراليون من أجل ترامب”، وشمل ذلك علماء صينيين إصلاحيين يرحبون بنهج ترامب.
ويعتقد هذا الفريق أن الضغوط الخارجية هى أفضل طريقة لتحقيق التغييرات المطلوبة، من تفكيك الاحتكارات التى تديرها الدولة إلى مزيد من نهج السوق المفتوحة.
لكنَّ هؤلاء الليبراليين أصبحوا أكثر حذراً الآن؛ حيث تشعر الصين بالاعتداء، ويبدو أن ترامب أقل حرصاً على الإصلاح الهيكلى فى الصين.
المصلحون الصينيون غير راضين؛ لأنهم كانوا يأملون فى أن يكون الرئيس الأمريكى أقوى من “شى” بحيث يضغط عليه للتراجع عن خطوات تشديد قبضة الحكم؛ حيث يتعرض لانتقاد داخلى لعودته إلى مزيد من الحكم الاستبدادى، وتصفه نخبة بكين بأنه مهتم بالإحصاء ولا يفهم بالاقتصاد، ويلوم آخرون خطابه الحازم حول نهوض الصين، ما أثار رد فعل عنيفاً فى الخارج كما يتهمونه بأنه أفسد الحرب التجارية مع الولايات المتحدة.
ويوجد، أيضاً، فريق آخر من الغاضبين على الرئيس الصينى، لكنهم ليسوا أصدقاء للغرب، فذكرت بونى جلاسر، المتخصصة فى شئون الصين والتى لها صلات جيدة فى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث فى واشنطن، أن الرتب العليا فى جيش التحرير الشعبى تعانى الخوف، وسط شعور بأن حملة مكافحة الفساد التى يشنها “شى” قد تذهب بعيداً جداً.
ووفقاً لمذكرة دبلوماسية مسربة، شكا “شى” إلى زعماء الاتحاد الأوروبى فى قمة خلال يوليو الماضى، أن أمريكا قد انسحبت من منظمة التجارة العالمية عندما تمكنت الصين أخيراً من الانضمام إليها، كما أشار إلى أن أوباما أقنعه بالانضمام إلى اتفاق باريس بشأن تغير المناخ وفجأة جاء ترامب وانسحبت أمريكا.
نفاد الصبر بين العملاقين ليس بالأمر الجديد، ومع ذلك اعتاد المسئولون الصينيون على احترام أمريكا، وسألوا لماذا لا يمكن أن تقبل القوة العظمى أن نظامهم السياسى مناسب لبلدهم ولا يزالون يبذلون قصارى جهدهم للإشارة إلى أن أمريكا بلد أقوى وأكثر ثراء ولا يسعون إلى إثارة عدوانها لكن أن تشكل أمريكا رأياً جيداً عن الصين بات يهمهم بدرجة أقل.
وسيكون أمراً سيئاً بشكل خاص إذا بدأت الطبقات الحاكمة فى الصين تصديق أن أمريكا مصممة على احتواء الصين، فإذا أرادت أمريكا الانتقامية إيذاءها، فهناك حوافز قليلة للمسئولين الصينيين لاقتراح تنازلات خيالية أو تنفيذ الإصلاحات التى قد تحسن العلاقات بينهما، ويمكن القول إن الحال فى الجغرافيا السياسية أشبه بالزواج فالازدراء هو العاطفة التى تؤدى إلى نتائج سيئة.

“واشنطن”: “الصين” لصوص التكنولوجيا وشركاتها بوابة لأعمال التجسس
دوائر الحكم الرسمية تتفوق على “ترامب” فى تشددها بمواجهة التهديدات
الرئيس الأمريكى يبحث عن الربح والاستثمار فى علاقات قوية مع الصين
التجارة أولوية البيت الأبيض قبل السياسية وحقوق الإنسان
“ترامب” يتجاهل مصالح الحلفاء ويعتبرهم عبئا سياسيا وماليا
10 مجالات صناعية وتقنية تسعى بكين للسيطرة عليها عالمياً
لجنة الاستثمار الأجنبى تضع خريطة منتجات تخضع لتدقيق شامل
وزارة العدل تؤسس “مبادرة التهديد الصينى” لكشف السرقات التجارية

لبى رؤساء بعض الشركات الكبيرة والمبتكرة الدعوة لحضور عرض فى ملحق بالبيت الأبيض خلال أكتوبر الماضى، وسط الأعمدة العالية فى قاعة المعاهدة الهندية ووقعوا على اتفاقيات عدم إفشاء للمعلومات التى سيطلعون عليها تسمح لهم برؤية مواد سرية، ثم أخبرهم مدير المخابرات الأمريكية دان كوتس واثنان من أعضاء مجلس الشيوخ كيف تسرق الصين أسرارهم.
كان هذا اللقاء غير المعلن بحسب مجلة “إيكونوميست” البريطانية فكرة السيناتور مارك وارنر، وهو ديمقراطى كبير فى لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ وهو نفسه مستثمر ناجح بمجال التكنولوجيا، وانضم إليه السيناتور ماركو روبيو وهو جمهورى باللجنة.
يقول روبيو إن الاعتقالات الأخيرة للجواسيس الصينيين المزعومين تكشف فقط عن جزء صغير مما يجرى بل ويعتبرها هى أكبر تهديد شامل واجهته بلاده على الإطلاق لكنه يؤكد أن الهدف من مثل هذه التحركات الحفاظ على السلام.
وأضاف أن أى خلل فى العلاقات بين أمريكا والصين سيؤدى حتماً إلى نزاع خطير للغاية إذا ترك دون معالجة.
وخلال هذا اللقاء الذى دعا إليه روبيو أصحاب رؤوس الأموال المغامرة لحضور عرض عن تهديدات الصين أبدى انزعاجه من أن خطة عمل بعض الشركات فى “وادى التكنولوجيا” يتم التوغل فيها دون أن يهتم أحد بالضرورة إذا كان المستثمرون صينيين أم لا.
ودفعت التهديدات الصينية أعضاء الكونجرس إلى صياغة مقترحات لسلسلة من ضوابط التصدير الجديدة على المنتجات التى تعتبر مهمة للأمن القومى والاقتصادى، لا سيما من الصناعات التى تم تحديدها كأولويات بخطة “صنع فى الصين 2025”.
وتمثل هذه المنتجات خريطة صينية لبناء شركات تسيطر على العالم فى عشرة مجالات عالية التقنية حيث تواجه الاستثمارات الصينية تدقيقاً أكثر تشدداً من قِبل لجنة الاستثمار الأجنبى فى الولايات المتحدة.
ووسع تحديث قانون مراجعة مخاطر الاستثمار الأجنبى فى الآونة الأخيرة من مجالات عمل اللجنة مثل شراء العقارات بالقرب من المواقع الحساسة.
ويفرض مخطط يجرى تجربته إجراء مراجعات على أى حصص أجنبية فى مجموعة واسعة من “التقنيات الحيوية” مثل الاتصالات السلكية واللاسلكية والحوسبة الكمية والذكاء الاصطناعى وأى صناعة تشمل مجموعات البيانات الضخمة.

*آلة السياسة

يمثل هذا العرض مسعى من الحزبين بمشاركة الكونجرس ووكالة المخابرات قرب البيت الأبيض توصيفاً للحالة التى باتت تتصاعد معها الآراء ضد الصين عبر الدوائر الرسمية الأمريكية.
ويوجد إجماع جديد صارم يوحد ما يمكن أن يسمى آلة السياسة الخارجية الأمريكية، بما فى ذلك أعضاء من كلا الحزبين فى الكونجرس ووزارة الخارجية والبنتاجون ووزارة العدل ووكالات التجسس ومجلس الأمن القومى التابع للرئيس.
وتضم هذه الآلة نائب الرئيس مايك بينس الذى حول خطاباً فى أكتوبر الماضى إلى ورقة اتهام للأفعال الصينية بينما وقف ترامب بعيداً يستمع.
وبدأ قيادات البنتاجون وأعضاء الكونجرس أكثر من أى وقت مضى يدقون ناقوس الخطر بشأن نوايا الصين تجاه تايوان تلك الجزيرة الديمقراطية التى يبلغ عدد سكانها 24 مليون نسمة والتى تعتبرها أمريكا حليفاً، لكن الصين تعتبرها جزءاً من أراضيها قائلة إنه يجب أن تتوحد مع الوطن الأم وبالقوة إذا لزم الأمر.
ومما أثار قلق الصين إصدار الكونجرس قوانين تشير إلى التضامن مع تايوان وحث الحكومة على السماح للوزراء والسفن الحربية الأمريكية لزيارة الجزيرة فى حين أن بعض أقرب مساعدى الرئيس دونالد ترامب هم من داعمى تايوان منذ فترة طويلة.
وكرئيس منتخب فى عام 2016 تم إقناعه بالتحدث عبر الهاتف مع رئيس الجزيرة “تساى إنج ون” لكنه منع المقترحات الخاصة بالزيارات رفيعة المستوى لإظهار الدعم لتايوان كحليف ديمقراطى فهو يرى أن الحلفاء عبئاً والصين القوية هى نظير جدير بالمنافسة مع أمريكا.

*جدل داخلى

من الصعب تمييز وجود نظرة موحدة للصين ضمن فريق عمل ترامب حيث يستخدم مساعدى ترامب لغة قاسية ففى إشارة إلى قمع مسلمى الإيجور فى منطقة شينجيانج الشمالية الغربية، وصف وزير الخارجية مايك بومبو الصين بأنها واحدة من أسوأ دول حقوق الإنسان التى شهدها العالم منذ الثلاثينيات.
وتعبر هذه النبرة عن اتجاه عام يمارسه بعض أفراد الفريق بنسق رئيسهم لسحق مبدأ المجاملات الدبلوماسية، لكن فى حين تتفاعل آراء ترامب مع الصين مع آلة واشنطن السياسية فهى ليست متطابقة.
وكثير من المسئولين يشعرون بالاشمئزاز الشديد من أوضاع شينجيانج مع احتجاز مليون من الإيجور فى معتقلات تسمى “معسكرات إعادة التعليم” لكن رداً على سؤال حول كيف يمكن أن تتعايش العلاقات التجارية بين أمريكا والصين مع سياسات صارمة أجاب أحد كبار المسئولين فى الإدارة بشكل غير جاد قائلاً: “معسكرات الاعتقال تفسد المزاج ، أليس كذلك؟”
ومن المعروف أن مناقشات حقوق الإنسان على غرار الحرب الباردة ليست ذات أهمية تذكر لترامب لدرجة أن مايكل بيلسبرى المتخصص فى الشأن الصينى بمركز أبحاث معهد هدسون ومستشار متعاون من الخارج للبيت الأبيض يعتبر الرئيس الأمريكى ليس من الصقور الكبار فى مواجهة الصين.
وأضاف أن قضايا مثل تايوان أو شينجيانج لا يتردد صدى لها مع ترامب مثلما تفعل قضايا التجارة، وحتى على هذا الجانب يصفه بأنه أكثر حذراً من المستشارين مثل بيتر نافارو والذى يرغب فى استدعاء جميع الشركات الأمريكية من الصين.
ويردد ترامب كثيراً أنه لا يريد الإضرار باقتصاد الصين بل ويراها كمصدر لتحقيق الربح والاستثمار.
وتبدو رؤية ترامب وفق هذا التصور أقل عنفاً مما تريده الآلة السياسية فى واشنطن من تغيير المبادئ الأساسية لتعطيل نهضة الصين والذى أشاد بنظيره الصينى شي جين بينج لأنه وضع مصالح بلاده فى المرتبة الأولى.
ومع ذلك، من السهل إثارة غضب ترامب حين يخبره مساعديه بأن الصين “تسرق أسرارنا”، كما أنه يرى مخاطر سياسية فى أى صفقة تجارية يمكن اعتبارها علامة تصاعدية فى الحرب التجارية الدائرة.
ويرى بيلسبرى أن الرئيس الأمريكى يراعى بوضوح تام أن الديمقراطيين ينتظرونه أن يكون هادئاً فى التعامل مع الصين وهذا ما يؤيده السيناتور كريس كونس وهو ديموقراطى محذراً من أن فريق الصقور المعادى للصين فى الكونجرس الحالى يشبه الخمسينيات فى الحالة السوفييتية.
من جانبه حرص ترامب مع الإعلان عن زيادة التعريفات الجديدة فى 10 مايو الجارى ضد البضائع الصينية على نشر تويت دفاعية تؤكد أن الصين تتطلع إلى فوز مرشح ديمقراطى “ضعيف للغاية” فى انتخابات 2020 بدلاً من فوزه هو لتخفيف الضغط عليها.
ويسعى مسئول كبير فى إدارة ترامب إلى التوفيق بين المعسكرات المختلفة ليس على صعيد الشأن الاقتصادى كما يقول ولكن هدفه وضع إطار يحمى الصناعات الحساسة مع استمرار ارتفاع المخاطر السياسية والمالية المرتبطة بممارسة الأعمال التجارية فى الصين.
ويندهش الصينيون المعاصرون فى الوقت الحالى من وجود خلافات داخل إدارة “ترامب” ولا يدركون أن تصلب مزاج واشنطن سابق على وجود ترامب ويلاحظ إيفان ميديروس الأستاذ فى جامعة جورج تاون وهو مستشار رئيسى سابق لشئون آسيا فى عهد الرئيس السابق باراك أوباما أن هناك استراتيجية لبيروقراطية علاقة أكثر تنافسية بين واشنطن وبكين يجرى وضعها حالياً.

*نظرة أمنية

فى نوفمبر الماضى، أنشأت وزارة العدل “مبادرة التهديد الصينى” التى يديرها مدعون ومحققون تابعون لمكتب التحقيقات الفيدرالى، لاكتشاف المحاولات الصينية لسرقة الأسرار التجارية والتأثير على الرأى العام، لا سيما فى حرم الجامعات.
وفى وزارة الأمن الداخلى، يراقب المركز الوطنى الجديد لإدارة المخاطر الشركات عالية المخاطر التى تعمل فى مجال البنية التحتية الحيوية.
وبالنسبة لمكتب وزارة الخارجية الذى كان يركز سابقاً على الإرهاب وهو بمثابة مركز المشاركة العالمى بات لديه مهمة جديدة لمواجهة الدعاية المضادة من الصين وروسيا وإيران.
وتتزامن مخاوف البنتاجون حول الصين مع إدراك أنه عندما تعتمد القوات المعادية على مجموعة عالية التقنية يمكن أن تقتل عبر الهجمات الإلكترونية.
ويعتقد أيكنبرى الجنرال السابق بالجيش الأمريكى أنه فى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضى ربما كان 70% من التكنولوجيا التى كانت تهم القادة العسكريين مملوكة للحكومة لكن 30% بقيت غير متداولة لكن الآن وصل تداول هذا النوع من التكنولوجيا الدقيقة إلى 70% فالكثير منها يأتى من “وادى السيليكون” حيث توجد شركات تعمل لأغراض مدنية.
وفرض الصراع الحالى أنه عندما يناقش المفاوضون التجاريون الأمريكيون سياسة الصين فإن رجال الأمن موجودون فى الغرفة للإدلاء بوجهة نظرهم.
وحذرت دراسة للبنتاجون بعنوان “تسليم غير منقوص” من أن سلاسل الإمداد غير الآمنة تعرض القوات المسلحة الأمريكية لـ”خطر جسيم” من القرصنة والتخريب عالى التقنية على سبيل المثال يمكن إحداث ذلك بإدراج برامج ضارة أو مكونات مصممة لإفشال مهام قتالية.
وتشير الدراسة التى أجرتها جماعة “ميتر” البحثية لصالح وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن الطائرات المقاتلة الحديثة قد تعتمد على 10 ملايين سطر من كود البرنامج، لذلك من المهم أن تستخدم شركات التكنولوجيا رمزاً لمصدر غير معروف لتجنب الاختراق.
أنشأ قادة البنتاجون مكتباً جديداً للتحليل التجارى والاقتصادى تتمثل مهمته فى استنباط العقود الدفاعية للشركات الصينية، وصولاً إلى الموردين من الدرجة الثالثة.
ويوضح جيمس مولفينون، خبير فى الأمن السيبرانى الصينى، أن البنتاجون قرر أن أشباه الموصلات هى التلة التى يرغبون فى الموت عليها لأن سيطرة الصين عليها أمر خطير للغاية.
وتعتبر أشباه الموصلات هى آخر صناعة تتقدم فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وهى الصناعة التى بُنى عليها كل شئ آخر ولا يزال المزيد من عقود الدفاع عالية القيمة تذهب إلى مسابك أشباه الموصلات فى أمريكا.
وأجاب آندال شريفر مساعد وزير الدفاع للشئون الأمنية فى منطقة المحيط الهادئ والمحيط الهندى ومتخصص فى الشأن الصينى على سؤال حول ما إذا كان البنتاجون سيضغط على الشركات الأمريكية لمغادرة الصين بأنه يمكن للشركات أن تفعل ما تراه فى مصلحتها لكن على الولايات المتحدة أن تكون أكثر وعياً وحرصاً على معالجة نقاط الضعف فى سلسلة التوريد الدفاعية لديها.
ولقد تجاوزت دوائر واشنطن الرسمية السؤال عما إذا كانت الصين شريكة أم منافسة فالنقاش الوحيد يتعلق بحجم طموحات الصين التى باتت مؤهلة كما يراها البعض لتتبوأ مكانها الصحيح وهو أقوى بلد فى العالم.
ويبدو أن بعض المعينين السياسيين فى وزارة الخارجية حريصون على إعلان أن صدام الحضارات بين الشرق والغرب مستمر ففى 29 إبريل الماضى صرحت مديرة تخطيط السياسة بوزارة الخارجية، كيرون سكينر فى منتدى استضافته مؤسسة نيو أمريكا وهى مركز أبحاث فى واشنطن، بأن هناك حاجة لاستراتيجية خاصة بالصين مثل استراتيجية احتواء جورج كينان للاتحاد السوفيتى.
وقال تحليل مجلة “إيكونوميست” إنه بالنسبة لفكرة احتواء واحد من أكبر اقتصادين فى العالم، فإن هذا سيكون هراء حتى لو كان الحلفاء الأمريكيون وبلدان أخرى على استعداد للمساعدة وهو ما لم يفعلوه.
وتوجد أصوات أكثر حذراً يمثلها مقال نشره معهد “بولسون” لإيفان فيجنباوم مساعد شئون آسيا فى إدارة الرئيس جورج بوش الإبن يقول إن أولئك الذين يتهمون الصين بإعادة تشكيل النظام العالمى يسيئون فهم التحدى وتقديره.
وأوضح أن الصين تخضع لمراجعة انتقائية فبدلاً من السعى لاستبدال النظام الدولى الحالى فإنها تدعم العديد من “أشكال” تعددية الأقطاب بينما تقوض المسلمات المتعارف عليها داخل الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات الدولية.
ويأتى صوت عاقل من مكتب بلا نوافذ فى أعماق الكونجرس، عندما يحث كونز الكونجرس على محاولة العمل الجاد فى التعامل مع الصين كما هى، وليس كما ترغب أمريكا، رغم تصرفها بشكل سئ للغاية على الساحة الاقتصادية العالمية.

الأكثر مشاهدة

السويدي اليكتريك» تستحوذ على 4 مشروعات للطاقة المتجددة باليونان»

فيما تعد خطوة جديدة في طريق التوسع بقطاع الطاقة المتجددة،...