اختتمت الصين عام 2025 بفائض تجاري قياسي يناهز 1.2 تريليون دولار، في نتيجة تعكس صلابة محرك الصادرات رغم الصدمة التي أحدثتها الرسوم الجمركية التي أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرضها، بحسب رويترز.
رقم تاريخي في بيئة معاكسة
بحسب بيانات رسمية صادرة عن الجمارك الصينية، سجلت الصين فائضا تجاريا غير مسبوق بلغ 1.189 تريليون دولار في 2025، وهو مستوى يقارب حجم الناتج المحلي الإجمالي لدولة ضمن أكبر 20 اقتصادا عالميا مثل السعودية، وتأتي هذه النتيجة في وقت تشهد فيه التجارة العالمية تباطؤا، وتتصاعد فيه القيود الحمائية، لا سيما من الولايات المتحدة.
قراءة ديسمبر عززت هذه الصورة؛ إذ ارتفعت الصادرات المقومة بالدولار 6.6% على أساس سنوي، بينما صعدت الواردات 5.7%، متجاوزة توقعات اقتصاديين استطلعت رويترز آراءهم.
الرسوم الأمريكية.. أثر محدود واتساع البدائل
تؤكد الأرقام أن الرسوم الأمريكية – رغم شدتها – لم تحدث كسرا جوهريا في المسار التجاري للصين، فمع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير الماضي، أعيد إحياء نهج تجاري يستهدف إبطاء التصنيع الصيني عبر تحويل الطلبات الأمريكية إلى أسواقٍ بديلة، غير أن قدرة بكين على امتصاص هذه الصدمة شجعت الشركات الصينية على إعادة توجيه الصادرات نحو جنوب شرق آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية.
تجلّى ذلك في تراجع الصادرات إلى الولايات المتحدة 20% بالدولار خلال 2025، مقابل قفزات لافتة في أسواق أخرى: 25.8% إلى أفريقيا، و13.4% إلى آسيان، و8.4% إلى الاتحاد الأوروبي، وهذا التحول الجغرافي أسهم في تجاوز الفوائض الشهرية عتبة 100 مليار دولار في سبعة أشهر من العام، مقارنة بشهر واحد فقط في 2024.
سياسة تنويع الشركاء وامتصاص المخاطر
في مؤتمر صحفي، قال Wang Jun، نائب وزير في إدارة الجمارك الصينية، إن “زخم نمو التجارة العالمية يبدو غير كافٍ، والبيئة الخارجية لتنمية التجارة الصينية لا تزال شديدة التعقيد”، لكنه أضاف أن “تنويع الشركاء التجاريين عزز قدرة الصين على تحمل المخاطر بشكل كبير”، مؤكدا أن “أساسيات التجارة الخارجية لا تزال متينة”.
الصادرات تسد فجوة الطلب المحلي
مع اعتماد بكين المتزايد على الصادرات لتعويض ركود ممتد في قطاع العقارات وضعف الطلب المحلي، بات الفائض التجاري أداة توازن اقتصادي داخلي.
ترى “Pinpoint Asset Management” عبر كبير اقتصادييها Zhiwei Zhang، أن “قوة نمو الصادرات تسهم في تخفيف ضعف الطلب المحلي”، مرجحة أن تبقي الحكومة سياستها الاقتصادية الكلية دون تغيير، على الأقل خلال الربع الأول.
رد فعل الأسواق.. ارتياح حذر
انعكست البيانات الإيجابية سريعا على الأسواق المالية؛ إذ استقر اليوان، وارتفعت الأسهم الصينية، مع صعود مؤشري “Shanghai Composite ” و”CSI300″ بأكثر من 1% في التعاملات الصباحية اليوم.
واشنطن تعود إلى سياسة التهديد
في موازاة ذلك، قال ترامب إنه يعتقد أن الصين “قد تفتح أسواقها أمام السلع الأمربكية”، بعدما هدد بفرض رسوم 25% على الدول المتعاملة مع إيران، بما قد يعيد فتح جراح قديمة مع بكين – أكبر شريك تجاري لطهران – وعلى الرغم من هدنة جمركية لعام واحد توصل إليها ترامب مع نظيره الصيني في أواخر أكتوبر، فإن الرسوم الأمريكية البالغة 47.5% على السلع الصينية لا تزال أعلى بكثير من مستوى 35% الذي يرى محللون أنه يسمح بهوامش ربح معقولة.
توسع خارجي وقواعد إنتاج بديلة
يتوقع اقتصاديون أن تواصل الصين زيادة حصتها من التجارة العالمية، مدعومة بتوسع الشركات الصينية في إنشاء قواعد إنتاج خارجية تمنح نفاذا بتعريفات أقل إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما يستمر الطلب القوي على الإلكترونيات منخفضة المواصفات والشرائح الإلكترونية، ما يعزز مسار الصادرات التقنية.
يبرز قطاع السيارات مثالا صارخا على ذلك؛ إذ قفزت صادراته 19.4% إلى نحو 5.8 مليون مركبة في 2025، مع نمو شحنات السيارات الكهربائية بنحو 48.8%، وترجح هذه الأرقام أن تحافظ الصين على موقعها كأكبر مصدر للسيارات عالميا للعام الثالث على التوالي، بعد تجاوز اليابان في 2023.
إشارات تهدئة من بكين
رغم هذا الزخم، بدأت بكين تظهر وعيا بالحاجة إلى تهدئة اندفاع الصادرات الصناعية، لتجنب احتكاكات تجارية أعمق، فبعد كسر الفائض عتبة التريليون دولار في نوفمبر، نقل عن رئيس الوزراء الصيني قوله إن على الصين “توسيع الواردات بشكل استباقي وتعزيز التنمية المتوازنة للصادرات والواردات”.
كما ألغت الصين إعفاءات ضريبية على الصادرات في قطاع الطاقة الشمسية، ومررت تعديلات سريعة على قانون التجارة الخارجية بعد قراءتين فقط، في رسالة إلى شركاء محتملين في اتفاقيات تجارة عابرة للمحيط الهادئ، بأنها مستعدة للانتقال من الدعم الصناعي إلى تجارة أكثر تحررا.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا