مع اقتراب شهر رمضان، دخلت سوق الدواجن في موجة صعود بدأت بارتفاع الأسعار 21% خلال فبراير، مدفوعة بزيادة الطلب الموسمي وسعي بعض المنتجين لتعويض خسائر سابقة تكبدوها مع ارتفاع تكاليف الإنتاج.
وبينما يبرر المنتجون القفزة بآلية العرض والطلب وضغوط التخزين، تحركت الحكومة على أكثر من محور؛ فلوّحت بالاستيراد ثم فعّلت آلياته بالتنسيق مع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة لتعزيز المعروض قبل رمضان، بالتوازي مع إحالة متهمين إلى المحاكمة في قضايا ممارسات احتكارية لضبط إيقاع السوق.
في الوقت نفسه، أطلقت وزارة التموين وجهاز مستقبل مصر مبادرات لخفض أسعار الدواجن المجمدة، إلى جانب طرح كميات إضافية عبر المنافذ الرسمية، في محاولة لاحتواء الضغوط السعرية وتخفيف العبء عن المستهلكين خلال ذروة الاستهلاك.
ما الذي حدث؟
قفزت أسعار الدواجن بنهاية فبراير الجاري بنحو 21% مقارنة بنهاية الشهر السابق، مسجلة أكبر نسبة زيادة في مطلع الشهر بالتزامن مع استعدادات الأسواق لشهر رمضان، ليبلغ سعر الكيلو حاليا من أرض المزرعة نحو 91 جنيهًا، بينما تزيد الأسعار للمستهلك النهائي بنحو 10 إلى 15 جنيهًا بحسب المنطقة وحجم العرض والطلب.
استمرار الارتفاع في الأيام الأخيرة يعود إلى تنامي الطلب ضمن تجهيزات رمضان، ولا يمكن التنبؤ بمسار الأسعار خلال الفترة المقبلة، إذ قد تشهد زيادات مفاجئة، إذ أن الطلب ليس العامل الوحيد المؤثر في السوق، وفق عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن بغرفة القاهرة التجارية.
تعويض خسائر سابقة يضغط على الأسعار
مصدر بقطاع إنتاج الدواجن أوضح أن موسم رمضان يمثل فرصة للمزارع لتعويض خسائر تكبدتها خلال فترات سابقة، خاصة في الربع الأخير من العام الماضي، عندما ارتفع متوسط تكلفة الإنتاج إلى نحو 70 جنيهًا للكيلو، في حين كانت الأسعار تدور غالبًا دون 60 جنيهًا، وهبطت في بعض الأسابيع إلى 54 جنيهًا للكيلو من أرض المزرعة، ما تسبب في خسائر مادية كبيرة.
وبشكل عام، شهدت السوق منذ بداية العام حالة من التذبذب بين الصعود والهبوط قبل أن تستقر عند المستويات المرتفعة الحالية.
الاتحاد: الزيادة مؤقتة والإنتاج يكفي الاستهلاك
أكد الاتحاد العام لمنتجي الدواجن في بيان له، أن الأسعار تخضع لآلية العرض والطلب، معتبرًا أن وصول السعر إلى 85 جنيهًا للكيلو “أمر طبيعي” في ظل ارتفاع الطلب.
وأوضح أن زيادة الأسعار ترجع إلى قيام عدد كبير من الأسر والمطاعم وفاعلي الخير القائمين على موائد الرحمن بتخزين كميات كبيرة استعدادًا لرمضان، ما أدى إلى ضغط مؤقت على السوق.
وبحسب الاتحاد، فإن حجم الإنتاج اليومي من الدواجن وبيض المائدة مرتفع ويكفي الاستهلاك المحلي مع وجود فائض، كما أن “المنتجات ستظل متوفرة خلال شهر رمضان ولن يحدث عجز في المعروض”، مع توقعات بأن تنقضي موجة الارتفاع الحالية بمرور الوقت وتراجع الطلب.
تنتج مصر سنويًا نحو 1.4 مليار طائر تسمين للاستهلاك المباشر، إضافة إلى نحو 14 مليار بيضة مائدة، وفق بيانات الاتحاد.
الاستيراد عصا لمواجهة الزيادات؟!
في يناير الماضي، لوّح وزير الزراعة علاء فاروق بإمكانية العودة إلى الاستيراد كأداة لكبح جماح الأسعار، في رسالة مباشرة إلى المنتجين بعدم المبالغة في الزيادات، في ظل توترات الصناعة بين خسائر سابقة وموجة زيادات حادة مع دخول الشتاء والاستعدادات لرمضان.
وفي خطوة عملية، اتفقت وزارتا الزراعة والتموين مع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة على استيراد كميات من الدواجن المجمدة ومجزءاتها (الأوراك والصدور) من عدة دول، على أن تصل الشحنات الأولى قبل رمضان وتُطرح عبر المنافذ الثابتة والمتحركة التابعة للجهات الثلاث.
يأتي ذلك ضمن جهود تعزيز المخزون الاستراتيجي وضبط الأسواق خلال فترات ارتفاع الاستهلاك، مع استمرار التنسيق لضخ الكميات المتفق عليها واتخاذ إجراءات إضافية عند الحاجة.
تحركات لخفض الأسعار
قررت وزارة التموين خفض سعر الدواجن المجمدة المطروحة عبر الشركة القابضة للصناعات الغذائية إلى 100 جنيه للكيلو، بعد تخفيض سابق من 120 إلى 115 جنيهًا، وذلك تنفيذًا لتوجيهات رئيس مجلس الوزراء باتخاذ إجراءات لتخفيف الأعباء عن المواطنين.
كما أطلق جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة مبادرة لطرح دواجن بوزن كيلو و100 جرام بسعر 90 جنيهًا، عبر منافذ “سوبر توفير” والسيارات المتنقلة في مختلف المحافظات، بهدف زيادة المعروض ومنع أي ممارسات احتكارية خلال الموسم.
ملاحقات قضائية لممارسات احتكارية
على صعيد الرقابة، أحالت النيابة العامة عددًا من المتهمين إلى المحاكمة الجنائية، بعد ثبوت تورطهم في ممارسات احتكارية بسوق الدواجن البيضاء، استنادًا إلى بلاغ من جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.
وكشفت التحقيقات عن وجود نمط متكرر من التوازي في الأسعار المعلنة وتنسيق مسبق بين بعض السماسرة لتحديد أسعار البيع بالرفع أو الخفض أو التثبيت، بما يخالف القانون.
سوق بين العرض والطلب وتدخل الدولة
على مدار العام الماضي، كانت أسعار الدواجن قد انخفضت بنحو 41 جنيهًا للكيلو من أعلى مستوى تاريخي سجلته مطلع 2025 عند 97 جنيهًا، قبل أن تعود للارتفاع مع اقتراب موسم رمضان.
وبين آلية العرض والطلب، ومحاولات تعويض الخسائر، والتدخلات الحكومية عبر الاستيراد والمبادرات الرقابية والتموينية، تبقى سوق الدواجن أمام اختبار توازن دقيق خلال الأسابيع المقبلة لضمان استقرار الأسعار وتوافر المعروض خلال ذروة الاستهلاك الرمضاني.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا