كتب – محمد غنيم
ارتفاع تكلفة التمويل والقيود التنظيمية والتحديات الفنية.. 3 تحديات رئيسية تواجه طموحات التوسع في استخدام الطاقة الشمسية داخل المصانع المصرية في إطار مبادرة الحكومة “شمس الصناعة”، بحسب ما كشفه متخصصون وصناع لـ”إيكونومي بلس”.
في وقت تواجه فيه مصر ضغوطًا متزايدة على قطاع الطاقة وارتفاعًا في تكلفة استيراد الغاز والمواد البترولية اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، تسعى الحكومة للتوسع في استخدام الطاقة المتجددة داخل القطاع الصناعي، باعتباره أحد أكبر القطاعات استهلاكًا للكهرباء.
في المقابل يواجه التوسع في استخدام الطاقة الشمسية داخل القطاع الصناعي تحديات فنية تختلف من صناعة لأخرى، مع حقيقة وجود صناعات لا يمكنها الاستغناء عن الغاز الطبيعي بشكل كامل، نظرا لطبيعة خطوط الإنتاج نفسها، قال أيمن راسخ، رئيس مجلس إدارة شركة سولار سول للطاقة.
أوضح راسخ في تصريح لـ”إيكونومي بلس”، أن صناعات مثل صهر المعادن والأفران الصناعية تحتاج إلى درجات حرارة مرتفعة جدًا، وهي درجات يصعب في كثير من الحالات الوصول إليها بالكهرباء.
تكلفة إنشاء المحطات
من أبرز التحديات أيضا أمام التوسع في استخدام الطاقة الشمسية داخل القطاع الصناعي، ارتفاع تكلفة إنشاء المحطات، خاصة أن شركات الطاقة الشمسية تواجه صعوبة في توفير التمويل اللازم بسبب طول فترة استرداد الاستثمار، أضاف راسخ.
تابع: “تكلفة محطة الطاقة الشمسية تعادل تقريبًا قيمة استهلاك الكهرباء لمدة 36 شهرًا، لكن تبقى ميزتها الأساسية هي تثبيت تكلفة الطاقة على المدى الطويل، بحيث لا يتأثر المصنع بارتفاع أسعار الكهرباء مستقبلًا”.
أوضح أن من مميزات استخدام الطاقة الشمسية أن الألواح تستمر في العمل والإنتاج لمدة تصل إلى 25 عامًا، مع احتياجات صيانة محدودة للغاية مقارنة بمصادر الطاقة التقليدية.
خلال مايو الماضي أطلقت الحكومة مبادرة “شمس الصناعة”، التي تستهدف إنتاج نحو 1000 ميجاوات من الكهرباء عبر استغلال أسطح المصانع لتركيب الألواح الشمسية، من خلال برنامج وطني يربط الصناعة بالطاقة النظيفة.
تستهدف المبادرة نحو 7000 مصنع، بما يعادل 10% من إجمالي المنشآت الصناعية، عبر استغلال ما يقرب من 7 ملايين متر مربع من المساحات داخل المصانع، بهدف خفض استهلاك الوقود التقليدي وتقليل تكلفة الإنتاج وتعزيز تنافسية المنتجات المصرية، خاصة في الأسواق الأوروبية التي أصبحت تفرض معايير أكثر تشددًا فيما يتعلق بالبصمة الكربونية.
قيود تنظيمية
“القواعد الحالية تشترط إقامة محطة الطاقة الشمسية داخل نطاق المنشأة نفسها أو على أسطحها، ولا تسمح بنقل الكهرباء المنتجة عبر الشبكة القومية من مكان إلى آخر، وهو ما يحد من قدرة بعض المصانع على الاستفادة من الطاقة الشمسية بصورة أكبر، كمصانع الأسمنت مثلا إذ يصعب إنشاء المحطات داخلها بسبب الغبار” بحسب راسخ.
وأشار راسخ إلى أن جهاز تنظيم مرفق الكهرباء يتحفظ على التوسع الكبير في العدادات التبادلية، وهي التي تسمح بضخ فائض الكهرباء المنتجة إلى الشبكة القومية، بسبب مخاوف تتعلق بقدرة البنية التحتية الحالية على استيعاب كميات كبيرة من الطاقة الشمسية.
أكد أن مستقبل القطاع يرتبط بشكل كبير بتكنولوجيا تخزين الطاقة، موضحًا أن البطاريات الحديثة أصبحت قادرة على تخزين فائض الكهرباء المنتجة نهارًا لاستخدامها ليلًا، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى الربط بالشبكة القومية ويجنب العديد من المشكلات الفنية.
الحاجة لتمويلات ميسرة
تقديم دعم حكومي مباشر للمصانع، أو توفير تمويل ميسر عبر البنوك، سيكون عاملًا رئيسيًا في تسريع انتشار استخدام الطاقة الشمسية داخل القطاع الصناعي، خاصة مع ارتفاع التكلفة الاستثمارية للألواح، بحسب ما أوضحه هاني برزي، رئيس مجلس إدارة إيديتا، لافتًا إلى أن بعض الدول تقدم دعمًا يصل إلى 30% من تكلفة المشروعات.
أضاف برزي، في تصريح لـ”إيكونومي بلس”، أن مصر ما تزال متأخرة نسبيًا في ملف الطاقة الشمسية، معتبرًا أن استخدام سخانات المياه بالطاقة الشمسية كان يجب أن يكون منتشرًا على نطاق واسع منذ سنوات.
بدأت شركة إيديتا للصناعات الغذائية بالفعل في تركيب ألواح شمسية بمقرها الرئيسي، وتدرس حاليا التوسع في استخدامها داخل مصانعها، مع استهداف أن تمثل الطاقة الشمسية نحو 10% من إجمالي استهلاك الشركة للكهرباء، بحسب برزي.
تطبيق نظام “صافي القياس”
من جانبه أكد عمرو رضا، الرئيس التنفيذي لشركة تيتان مصر للأسمنت، أن تشجيع استخدام الطاقة المتجددة داخل المصانع يتطلب التوسع في تطبيق نظام “صافي القياس”، إلى جانب السماح بنقل الكهرباء المنتجة عبر الشبكة القومية مقابل رسوم نقل، بما يمنح المصانع مرونة أكبر في إنشاء مشروعات الطاقة المتجددة والاستفادة منها اقتصاديًا.
*يتمثل نظام صافي القياس في آلية تسمح لأصحاب محطات الطاقة الشمسية بتبادل الكهرباء مع الشبكة العامة، حيث يتم تصدير الفائض من الإنتاج وسحبه عند الحاجة، ويساهم النظام في تقليل تكاليف الكهرباء وتشجيع استخدام الطاقة المتجددة.
ورأى حاتم شاهين، مدير علاقات المستثمرين بشركة العز للسيراميك والبورسلين – الجوهرة، أن الطاقة الشمسية لا تناسب جميع الاستخدامات داخل المصانع، مثل أفران مصانع السيراميك، مضيفا “لكن الاعتماد على الطاقة الشمسية يمكن المصانع من تشغيل الأحمال المساعدة”.
أكد شاهين أن شركة “الجوهرة” لا تزال تدرس مبادرة “شمس الصناعة” ولم تتخذ خطوات تنفيذية حتى الآن، مشيرًا إلى وجود مشروع للطاقة الشمسية بالفعل في مصنع الدخيلة من خلال تركيب ألواح على الأسوار.
معضلة الحافز الاقتصادي
فيما رأى محمد علي حسن، رئيس القطاع المالي وعضو مجلس إدارة ليسيكو مصر، أن الاستفادة من الطاقة الشمسية تختلف وفقًا لطبيعة كل صناعة والمساحات المتاحة داخل المصانع، موضحًا أن بعض المصانع لا تمتلك المساحات الكافية لتركيب ألواح توفر قدرات كهربائية مناسبة.
أضاف حسن في تصريح لـ”إيكونومي بلس” أن بعض خطوط الإنتاج مصممة للعمل بالغاز الطبيعي، كما أن بعض الشركات ترى أن أسعار الكهرباء الحالية لا تختلف كثيرًا عن تكلفة إنتاج الكهرباء بالطاقة الشمسية، ما يقلل الحافز الاقتصادي للتحول إليها.
قواعد مرنة وتمويل منخفض التكلفة
قال حافظ السلماوي، أستاذ هندسة الطاقة والرئيس الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، إن الصناعة تمثل نحو 28% من إجمالي استهلاك الكهرباء في مصر، مع وجود نحو 86 ألف منشأة صناعية، ما يعكس حجم الفرصة المتاحة للتوسع في الطاقة الشمسية.
استطرد: لكن إنجاح مبادرة شمس الصناعة يحتاج إلى توافر عدة عوامل أهمها:
– مبادرة تمويلية جذابة للمصانع بدلا من الفائدة المرتفعة حاليا، فلا يصلح تمويل نشاط الطاقة النظيفة بنفس فوائد القرض التجاري
– دليل متكامل يشمل جميع القواعد المنظمة والإجراءات والأليات حتى لا تكون الجوانب التشريعية عائق أمام تركيب الألواح، إلى جانب تطوير وتحسين نظام صافي القياس
– منظومة من الحوافز لتشجيع المصانع على التوجه للطاقة النظيفة.
وأشار السلماوي إلى أن خفض أسعار الكهرباء للقطاع الصناعي خلال فترة كورونا قلل من الحافز الاقتصادي لبعض المصانع للتحول إلى الطاقة الشمسية.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا