تتجه أوروبا إلى مواجهة أحد أكثر مواسم الشتاء تحديًا منذ أزمة الطاقة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، في ظل توقعات بدخول موسم التدفئة بأدنى مستويات مخزون الغاز الطبيعي منذ أكثر من 15 عامًا، الأمر الذي يهدد بارتفاع أسعار الطاقة ويزيد الضغوط على الأسر والصناعات.
تشير تقديرات شركة “وود ماكنزي” للاستشارات إلى أن مرافق تخزين الغاز في الاتحاد الأوروبي ستنهي موسم إعادة التخزين، الممتد عادة من أبريل حتى أكتوبر، بنسبة امتلاء لا تتجاوز 76%، وهو أدنى مستوى منذ عام 2011، مقارنة بالهدف الذي سعت إليه المفوضية الأوروبية خلال السنوات الماضية والبالغ 90%.
بداية ضعيفة لموسم التخزين
بدأت أوروبا موسم إعادة التخزين هذا العام بمستويات منخفضة، إذ بلغت نسبة امتلاء المخزونات نحو 28% فقط بعد شتاء استثنائي البرودة، فيما وصلت النسبة حاليًا إلى نحو 48%، وهي مستويات تقل عن متوسط الأعوام السابقة.
جاء هذا التراجع نتيجة استنزاف المخزونات خلال الشتاء الماضي، إضافة إلى تباطؤ عمليات إعادة التعبئة بسبب ارتفاع أسعار الغاز خلال فصل الصيف، وهو ما حدّ من إقبال الشركات على شراء الغاز وتخزينه مبكرًا.
اضطرابات الخليج تضغط على الإمدادات
زادت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران من تعقيد المشهد، بعدما تسببت في تعطيل شحنات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، إلى جانب تراجع الإنتاج في قطر والإمارات خلال فترة النزاع.
ورغم إعلان اتفاق سلام مؤقت بين واشنطن وطهران، لا تزال الأسواق تترقب عودة الإمدادات الخليجية إلى مستوياتها الطبيعية، وسط شكوك بشأن سرعة استعادة الإنتاج بالكامل.
أسعار مستقرة مؤقتًا.. ومخاوف من الشتاء
تتداول أسعار الغاز الأوروبية حاليًا قرب 40 يورو لكل ميجاوات/ساعة، وهو مستوى يقل كثيرًا عن الذروة التاريخية التي تجاوزت 340 يورو عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022، إلا أن المحللين يحذرون من أن انخفاض المخزونات قد يؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار مع بداية موسم التدفئة، خاصة إذا جاء الشتاء أكثر برودة من المعتاد.
كما أن الأسعار الحالية لا تزال غير جاذبة بما يكفي لاستقطاب كميات إضافية من الغاز الطبيعي المسال، خصوصًا من الولايات المتحدة، ما يحد من وتيرة إعادة بناء المخزونات.
رهان على الغاز القطري
يعول الاتحاد الأوروبي على عودة صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر للمساعدة في تعزيز المخزونات قبل الشتاء، إلا أن التقديرات تشير إلى أنه حتى في حال عودة معظم منشآت التسييل للعمل بكامل طاقتها بحلول نهاية يوليو، فإن مخازن أوروبا قد تنهي موسم إعادة التعبئة عند نحو 74% فقط.
أما إذا تأخرت العودة إلى أغسطس، فقد تنخفض مستويات التخزين إلى نحو 70%، وهو ما يزيد احتمالات تقلب الأسعار خلال الشتاء.
تحديات إضافية
إلى جانب محدودية الإمدادات، تستعد أوروبا أيضًا للتخلص تدريجيًا من واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي، التي لا تزال تمثل نحو 14% من إجمالي وارداتها، مع اتجاه الاتحاد الأوروبي إلى حظرها بالكامل اعتبارًا من مطلع عام 2027، وهو ما يضيف تحديًا جديدًا أمام أمن الطاقة الأوروبي.
يرى محللون أن انخفاض المخزونات، واستمرار الضبابية الجيوسياسية في الخليج، والتخلص التدريجي من الغاز الروسي، تمثل عوامل قد تجعل أسواق الغاز الأوروبية أكثر حساسية لأي اضطرابات في الإمدادات خلال الأشهر المقبلة، بما يرفع احتمالات عودة تقلبات الأسعار مع حلول الشتاء.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا