كتبت: فاطمة يحيى
أثار الصعود القياسي لسهم شركة “جلاكسو سميثكلاين – مصر” موجة من التحذيرات في سوق المال، بعدما قفزت القيمة السوقية للشركة إلى مستويات يرى محللون أنها لا تتناسب مع أساسياتها المالية ومؤشرات أدائها، وسط مخاوف من تكوّن فقاعة سعرية قد تنفجر مع حدوث تصحيح حاد للسهم.
شهدت جلسات التداول الأخيرة تحركات سعرية حادة وسريعة، دفعت إدارة البورصة المصرية إلى إيقاف التداول على السهم عدة مرات، نتيجة تجاوزه نسب الصعود والهبوط المسموح بها خلال الجلسة الواحدة، والبالغة 10% و20% وفقًا لآليات التداول المطبقة.
في ظل هذه التحركات، أصدرت إدارة الشركة عدة إفصاحات رسمية أكدت خلالها عدم وجود أي أحداث جوهرية غير معلنة تبرر الارتفاع المفاجئ في سعر السهم أو قيمته السوقية.
القيمة السوقية هي إجمالي القيمة المالية للشركة في البورصة، وتُحسب بضرب سعر السهم الحالي في إجمالي عدد الأسهم المصدرة للشركة.
الأهلي فاروس: السهم داخل “فقاعة سعرية”
حذّرت إدارة البحوث بشركة “الأهلي فاروس” لتداول الأوراق المالية المستثمرين الأفراد من مخاطر الاستثمار في سهم “جلاكسو سميثكلاين – مصر” “BIOC.CA”، معتبرة أن السهم يتداول داخل “فقاعة سعرية” منفصلة عن الأساسيات المالية للشركة.
أشارت “الأهلي فاروس” في تقرير بحثي حديث إلى أن التراجع الأخير للسهم بنسبة 20% قد يمثل بداية لموجة هبوط أكثر حدة، متوقعة إمكانية وصول الانخفاض إلى 60%–70% خلال الجلسات المقبلة.
بحسب التقرير، ارتفع سهم “جلاكسو سميثكلاين” بنحو 421% منذ بداية العام، لترتفع القيمة السوقية للشركة إلى نحو 27.5 مليار جنيه، وهي مستويات تتجاوز، وفقًا للتقييمات الواردة في التقرير، القيمة السوقية لكيانات أخرى أكبر حجمًا وأكثر ربحية في قطاع الرعاية الصحية والأدوية بالبورصة المصرية.
تقييمات مرتفعة.. ومضاعفات تتجاوز متوسطات القطاع
يتداول سهم “جلاكسو سميثكلاين” حاليًا عند مضاعف مبيعات يبلغ نحو 7.8 مرة، ومضاعف ربحية يبلغ 174.4 مرة استنادًا إلى نتائج آخر 12 شهرًا، مقارنة بمتوسطات قطاعية تبلغ 3.11 مرة لمضاعف المبيعات و22.34 مرة لمضاعف الربحية، وفقًا لبحوث “الأهلي فاروس”.
المقصود بمضاعف الربحية هو مؤشر تقييم يقارن بين سعر السهم الحالي ومقدار الأرباح التي يحققها السهم الواحد
رغم تسجيل الشركة أرباحًا قياسية خلال عام 2025 بلغت 213.2 مليون جنيه، لفت التقرير إلى أن هذا التعافي جاء بعد عقد من التراجع التشغيلي.
أوضح التقرير أن نسبة دوران الأصول انخفضت من 74% عام 2011 إلى 65% في 2022، قبل أن ترتفع إلى 92% خلال 2025، بدعم من تحريك أسعار الأدوية.
نسبة دوران الأصول هو مؤشر لقياس يوضح مدى كفاءة إدارة الشركة في استخدام أصولها لتحقيق المبيعات والإيرادات
تمويل الشركة يتحول إلى الشركة الأم
أبرزت “الأهلي فاروس” تحولًا جوهريًا في هيكل تمويل “جلاكسو سميثكلاين”، موضحة أن البنوك التجارية الرئيسية توقفت عن إقراض الشركة بعد عام 2022 على خلفية اضطرابات النقد الأجنبي، ليحل تمويل الشركة الأم، “GSK plc” البريطانية، التي تمتلك 91.2% من أسهم الشركة، محل التمويل المصرفي التقليدي.
بلغت الأرصدة المستحقة للأطراف ذات العلاقة نحو 921.6 مليون جنيه بنهاية 2025، بما يمثل 20% من إجمالي أصول الشركة، بحسب التقرير.
أشار “الأهلي فاروس” إلى أن هذا الهيكل التمويلي ساهم في تكبد الشركة خسائر فروق عملة بلغت نحو 240 مليون جنيه خلال الربع الأول من 2026.
“جلاكسو” في مواجهة “راميدا”.. فجوة كبيرة في التقييم
أظهرت المقارنة التي أجرتها “الأهلي فاروس” بين “جلاكسو سميثكلاين” و“راميدا” فجوة كبيرة في تقييم السهمين، رغم التقارب النسبي في حجم الإيرادات.
حققت “راميدا” إيرادات بلغت 4.2 مليار جنيه خلال 2025، مقابل 3.7 مليار جنيه لـ“جلاكسو سميثكلاين”.
ورغم هذا التقارب، يتداول سهم “راميدا” عند مضاعف مبيعات يبلغ 2.8 مرة، مقابل نحو 7.5 مرة لسهم “جلاكسو”، وهو ما وصفه التقرير بأنه مستوى تقييم مرتفع بصورة استثنائية بالنسبة لشركة أدوية تقليدية.
تظهر الفجوة بصورة أكبر عند مقارنة مضاعف الربحية؛ إذ يبلغ نحو 174.4 مرة لسهم “جلاكسو” استنادًا إلى نتائج آخر 12 شهرًا، مقابل 34.9 مرة لسهم “راميدا”.
فارق في هوامش الربحية
لا تقتصر المقارنة على مضاعفات التقييم، وإنما تمتد إلى مؤشرات الربحية التشغيلية.
بحسب التقرير، يبلغ هامش الربح التشغيلي الأساسي لدى “راميدا” نحو 26%، مدعومًا بارتفاع هامش مجمل الربح، بينما لا يتجاوز نحو 11% لدى “جلاكسو سميثكلاين”.
وأوضح “الأهلي فاروس” أن تحقيق “جلاكسو” لهذا الهامش يرجع بصورة أساسية إلى خفض المصروفات البيعية والإدارية إلى نحو 12% من المبيعات، وليس إلى ارتفاع كفاءة مجمل الربحية.
فيما يتعلق بتمويل رأس المال العامل، أوضح التقرير أن رأس المال العامل لدى “راميدا” يمثل نحو 63% من المبيعات ويتم تمويله من خلال التسهيلات الائتمانية التقليدية وما يرتبط بها من فوائد، بينما يمثل رأس المال العامل لدى “جلاكسو” نحو 74% من المبيعات، ويعتمد بدرجة كبيرة على ائتمان مجاني دون فائدة مقدم مباشرة من الشركة الأم.
ويرى التقرير أن هذا الوضع يمنح “جلاكسو” ميزة تمويلية مؤقتة، لكنها لا تعكس بالضرورة قوة مركزها المالي الذاتي.
أسطول: فقاعة سعرية حتمية
من جانبه، قال مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث المالية بشركة “أسطول لتداول الأوراق المالية”، إن القفزات السعرية الأخيرة لسهم “جلاكسو سميثكلاين” جاءت دون وجود أسباب جوهرية أو مبررات قوية تستدعي هذا الصعود الحاد.
أضاف أن هذه التحركات تشير إلى احتمالية وجود “فقاعة سعرية”، موضحًا أن الفقاعة قد تنفجر في أي لحظة، ما يدفع السعر السوقي إلى التراجع سريعًا والعودة إلى مستويات أكثر ارتباطًا بالأساسيات المالية للشركة، مع ارتفاع المخاطر الاستثمارية على حائزي السهم.
أوضح شفيع أن ارتفاع مضاعف ربحية سهم “جلاكسو سميثكلاين” يأتي في جانب منه نتيجة للمعادلة الحسابية لهذا المؤشر، والتي تعتمد على قسمة السعر السوقي للسهم على ربحية السهم.
بالتالي، فإن الارتفاع القياسي في السعر السوقي للسهم، باعتباره البسط في المعادلة، يؤدي بصورة مباشرة إلى زيادة مضاعف الربحية، حتى في حال عدم حدوث تغير مماثل في ربحية الشركة.
تشير هذه المعطيات إلى اتساع الفجوة بين السعر السوقي للسهم والأساسيات المالية للشركة، وهو ما يضع المستثمرين أمام مخاطر مرتفعة حال حدوث تصحيح سعري، خصوصًا في ظل الارتفاعات القياسية التي سجلها السهم منذ بداية العام.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا