رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
أخبار

ضعف الدولار عالميًا.. ما فرص مصر في الاستفادة من إعادة توزيع الاستثمارات؟

الدولار - سعر صرف الدولار

كتبت – ندى عادل 

تشهد أسواق العملات العالمية حالة من الضبابية بشأن اتجاه الدولار الأمريكي خلال الفترة المقبلة، في ظل تداخل عوامل متعارضة بين الضغوط التي تدفع العملة إلى التراجع، والمخاطر الجيوسياسية والاقتصادية التي قد تمنحها دعمًا مؤقتًا.

ويرى محللون أن العلاقة التقليدية بين ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وقوة الدولار بدأت في الانكسار جزئيًا، بعدما أصبح ارتفاع العوائد مرتبطًا بصورة أكبر بالمخاوف بشأن مستويات الدين والعجز المالي الأمريكي، وليس فقط بقوة الاقتصاد أو تشدد السياسة النقدية.

هذه التطورات تطرح تساؤلات حول قدرة مصر على الاستفادة من ضعف الدولار، لا سيما في ضوء ارتفاع العائد على الجنيه وتحسين مستوى احتياطي البلاد من النقد الأجنبي.

اتجاه الدولار لا يزال محل جدل

في هذا الصدد، قال مصطفى شفيع،رئيس قطاع البحوث بشركة أسطول القابضة، إن اتجاه الدولار عالميًا ومحليًا لا يزال محل جدل، في ظل وجود قوى متعارضة تؤثر على أسواق العملات، مشيرًا إلى أن المشهد الحالي لا يسمح بالجزم بمسار محدد للعملة الأمريكية خلال الفترة المقبلة.

أوضح شفيع، لـ “ايكونومي بلس”، أن مؤشر الدولار «DXY» تراجع إلى نحو 99 نقطة، منخفضًا عن مستوى 100 نقطة، في ظل عوامل ساهمت في الضغط على العملة الأمريكية، من بينها تحركات وزارة الخزانة الأمريكية وشراء سندات الخزانة، بما أدى إلى تراجع عوائدها وانعكس على الدولار.

في المقابل، أشار شفيع إلى وجود قوة معاكسة قد تدعم الدولار، تتمثل في التوترات والحرب في المنطقة، وما قد تسببه من ارتفاع في أسعار النفط، وانعكاسات ذلك على معدلات التضخم وتوقعات قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكية بشأن أسعار الفائدة.

تآكل «الاستثنائية الأمريكية» يضغط على الدولار

فيما قال أحمد عزام، رئيس الأبحاث وتحليل الأسواق في مجموعة إكويتي (Equiti)، إن الدولار الأميركي قد يظل تحت ضغط خلال 2026، مع إمكانية وصوله إلى قاع دوري خلال النصف الثاني من العام، في ظل تراجع العوامل التي منحت العملة الأمريكية أفضلية واضحة خلال السنوات الماضية.

أوضح عزام لـ “ايكونومي بلس”، أن ما يحدث للدولار يتجاوز مجرد توقعات تحركات أسعار الفائدة، مشيرًا إلى أن العملة استفادت خلال السنوات الماضية من ثلاثة عوامل رئيسية، تمثلت في قوة نمو الاقتصاد الأمريكي مقارنة بالاقتصادات الكبرى، وارتفاع العوائد الأميركية، إلى جانب التدفقات الاستثمارية الضخمة نحو الأصول الأمريكية، إلا أن هذه العوامل بدأت تفقد جزءًا من قوتها.

أضاف أن العامل الأهم يتمثل في «تآكل الاستثنائية الأمريكية »، إذ لم يعد المستثمر العالمي يحصل على الرسالة نفسها التي كانت سائدة قبل عامين أو ثلاثة، والتي مفادها أن أفضل نمو وأفضل عائد وأفضل سوق موجودة جميعها في الولايات المتحدة.

كما أشار عزام إلى أن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية لا يعني بالضرورة دعم الدولار، حيث إن تأثير ارتفاع العائد يعتمد على أسبابه؛ فإذا كان نتيجة قوة الاقتصاد وتشدد الاحتياطي الفيدرالي فإنه يكون إيجابيًا للدولار، بينما إذا ارتفع بسبب المخاوف المتعلقة بالعجز المالي وزيادة إصدارات الدين وارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمر، فقد تكون النتيجة مختلفة.

“ارتفاع عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007، بالتزامن مع تدخل الخزانة الأميركية للحد من صعود العوائد، يعيد إلى الواجهة المخاوف بشأن الديون الأمريكية التي تجاوزت مستويات 40 تريليون دولار، وهذه المخاوف قد تكون أحد أهم أسباب ضعف الدولار في الوقت الحالي”، وفق رئيس الأبحاث وتحليل الأسواق في مجموعة إكويتي.

تراجعت حيازات الأجانب من سندات الخزانة الأمريكية تراجعت في يونيو إلى نحو 9.30 تريليون دولار، مقابل 9.37 تريليون دولار في مايو، مع انخفاض حيازات اليابان والصين وبريطانيا.

اعتبر عزام أن ذلك لا يعني هروبًا من الدولار، وإنما يمثل بداية لإعادة تقييم المخاطر الأميركية داخل المحافظ العالمية.

ارتفاع الدين الأمريكي يكسر العلاقة التقليدية بين العائد والدولار

من جهته، قال تامر يوسف، رئيس قطاع الخزانة وإدارة الأموال السابق بالبنك الأهلي اليوناني، إن إجمالي الدين الأميركي العام تجاوز حاجز 40 تريليون دولار، متجاوزًا توقعات مكتب الموازنة بالكونجرس، مشيرًا إلى أن ارتفاع الدين يمثل تحديًا أكبر مع صعود عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل، ما يعني أن الحكومة الأمريكية ستضطر إلى إعادة تمويل جزء من ديونها بتكاليف أعلى.

أوضح تامر، لـ “ايكونومي بلس” أن الأسبوع الماضي شهد اضطرابًا حادًا في سوق السندات، مع تصاعد التوترات في منطقة الخليج وارتفاع أسعار النفط الخام، ما دفع عوائد السندات الحكومية العالمية إلى مستويات مرتفعة، فيما لامس عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا مستوى 5.337%، وهو أعلى مستوى له منذ 19 عامًا.

أشار إلى أن هذه التطورات دفعت وزارة الخزانة الأمريكية إلى التدخل، عبر مضاعفة سقف عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل من ملياري دولار إلى ما لا يقل عن 4 مليارات دولار.

أوضح يوسف أن المنطق التقليدي يشير إلى أن ارتفاع العوائد يؤدي إلى زيادة التدفقات إلى الدولار، وبالتالي دعم العملة الأمريكية، إلا أن العلاقة تبدو مختلفة في الوضع الحالي، لأن ارتفاع العوائد يرتبط بدرجة أكبر بالمخاوف بشأن الاستدامة المالية الأمريكية، وليس بتشديد السياسة النقدية.

“ارتفاع العوائد نتيجة علاوة المخاطر بدلًا من قوة النمو الاقتصادي لا يدعم الدولار بالقوة المعتادة، بل قد يضغط عليه من خلال زيادة المخاوف بشأن الاستقرار المالي الأمريكي”، برأي رئيس قطاع الخزانة وإدارة الأموال السابق بالبنك الأهلي اليوناني.

كما لفت إلى أن العجز الأمريكي المتوقع عند نحو 1.9 تريليون دولار خلال السنة المالية 2026، بما يعادل 5.8% من الناتج المحلي، يعني استمرار إصدارات ضخمة من السندات، وهو ما يمثل ضغطًا هيكليًا على الدولار.

تابع يوسف: “مدفوعات الفائدة باتت تستهلك نحو 20% من الإيرادات الضريبية الأميركية، ما يحول قضية الدين من مجرد رقم كبير في الموازنة إلى مصدر ضغط مباشر على سوق السندات الأميركية”.

تدفقات قوية نحو الأسواق الناشئة

بينما أشار أحمد عزام، إلى أن ضعف الدولار يخلق تاريخيًا بيئة مواتية لأصول الأسواق الناشئة، إذ لا ينظر المستثمر إلى سعر الفائدة المحلي فقط، وإنما إلى العائد بعد احتساب حركة العملة والمخاطر.

ولفت إلى أن تدفقات رؤوس الأموال إلى ديون الأسواق الناشئة تجاوزت 214 مليار دولار حتى يوليو، وهو أعلى مستوى خلال أكثر من 20 عامًا، فيما جذبت أدوات الدين في الأسواق الناشئة نحو 26.7 مليار دولار خلال يوليو وحده.

بحسب تامر يوسف، فإن ضعف الدولار عادة ما يخفف أعباء الديون المقومة بالعملة الأمريكية على الأسواق الناشئة، ويعيد شهية المخاطرة نحو الأصول ذات العائد الأعلى، لكن الاستفادة تظل مرتبطة بدرجة المخاطر التي تواجهها كل دولة.

مصر.. مستفيد محتمل من ضعف الدولار

برأي عزام أن مصر تمثل حالة مثيرة للاهتمام، في ظل تقديمها حاليًا واحدة من أعلى العوائد الاسمية بين الأسواق الناشئة، مع بقاء سعر الإيداع لدى البنك المركزي عند 19%، مقابل تسجيل التضخم الحضري 14.9% في يوليو، بما يعيد العائد الحقيقي إلى المنطقة الموجبة، وهو عنصر أساسي في قرارات المستثمر الأجنبي.

أضاف أن المستثمر الأجنبي في أدوات الدين المصرية يركز كذلك على قدرة العملة المحلية على الحفاظ على أدائها، معتبرًا أن هذه القناة هي الأهم التي يمكن من خلالها انتقال تأثير ضعف الدولار إلى السوق المصرية.

أوضح أنه في حال دخل الدولار في اتجاه هبوطي عالمي واستقر الجنيه، فإن المستثمر يستطيع الحصول على عائد محلي مرتفع دون خسارة جزء كبير منه نتيجة تراجع العملة، ما يجعل مصر أكثر جاذبية ضمن صفقات الـ«Carry Trade».

توقع رئيس الأبحاث وتحليل الأسواق في مجموعة إكويتي أن يظهر التأثير الأول لضعف الدولار على مصر في صورة تدفقات إلى أدوات الدين قبل أن يظهر في ارتفاع قوي للجنيه، موضحًا أن دخول مليارات الدولارات إلى السوق المصرية لا يعني بالضرورة تسجيل الجنيه صعودًا قويًا ومستمرًا.

أشار إلى أن البنك المركزي قد يسمح بقدر من المرونة في سعر الصرف، مع توظيف جزء من هذه التدفقات في إعادة بناء الاحتياطيات وتعزيز السيولة الخارجية.

أوضح أن ارتفاع الثقة في الجنيه قد يسهم في خفض تكلفة التمويل على الحكومة، وتشجيع المستثمرين الأجانب على الانتقال من الآجال القصيرة إلى الآجال الأطول، فضلًا عن منح البنك المركزي مساحة أكبر لخفض أسعار الفائدة لاحقًا دون أن يؤدي ذلك مباشرة إلى خروج رؤوس الأموال.

وقد وصل الاحتياطي النقدي المصري إلى نحو 56.3 مليار دولار بنهاية يوليو، مقابل 52.6 مليار دولار في يناير.

في ضوء ذلك، اعتبر عزام أن استمرار تدفقات المحافظ الاستثمارية في بيئة يتراجع فيها الدولار قد يمنح البنك المركزي فرصة إضافية لتعزيز الغطاء النقدي.

توقعات سعر الدولار محليًا.. تجاوز 51 جنيهًا في هذا السيناريو

على المستوى المحلي، قال مصطفى شفيع، إن سعر الدولار يقترب من مستوى 51 جنيهًا، فيما تشهد أدوات الدين المصرية صافي تخارج للأجانب بنحو 400 مليون دولار، وفقًا للبيانات المتاحة حتى أمس.

أوضح أن مسار سعر الصرف خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بتطورات الأوضاع في المنطقة، خاصة مسار التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، لافتًا إلى أن زيادة حدة التوترات قد تؤدي إلى مزيد من تخارج المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المصرية، وهو ما قد يضغط على الجنيه.

توقع شفيع أنه في حال استمرار التخارجات الأجنبية، قد يتجاوز سعر الدولار مستوى 51 جنيهًا بسهولة، مؤكدًا أن حركة سعر الصرف ستظل رهينة بالتطورات الإقليمية خلال الفترة المقبلة.

اعتبر أن السيناريو الأقرب من وجهة نظره يتمثل في احتمالية ارتفاع الدولار عالميًا بفعل تداعيات ارتفاع أسعار النفط والتضخم، بالتزامن مع احتمالية انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار محليًا نتيجة نزوح الأجانب من أدوات الدين.

في المقابل، قال مصطفى بدرة، أستاذ التمويل والاستثمار، إن الجنيه قد يشهد تحسنًا نسبيًا أمام الدولار خلال الأشهر الأربعة المقبلة، إذا نجحت مصر في تعزيز مواردها من العملة الأجنبية، والقضاء على العجز التجاري، وزيادة النشاط الاقتصادي.

أوضح بدرة، في حديث مع “ايكونومي بلس” أن تحسن تدفقات النقد الأجنبي من شأنه دعم قيمة الجنيه، مؤكدًا أن تحديد نسبة أو قيمة محددة للتحسن يظل صعبًا في ظل ارتباط سعر الصرف بعدد من العوامل الاستراتيجية والاقتصادية.

أضاف أن خروج الأموال الساخنة بصورة سريعة يمثل أحد العوامل التي تضغط على قيمة الجنيه، إلى جانب استمرار تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران على الاقتصاد المصري.

أشار إلى أن تراجع موارد قناة السويس وضعف الاستثمارات غير المباشرة يمثلان بدورهما عوامل تضغط على قوة الجنيه، ما يجعل تحسن موارد النقد الأجنبي عاملًا أساسيًا لدعم العملة المحلية.

 تحسن الجنيه يجب أن يكون هدفًا للحكومة

أكد أستاذ التمويل والاستثمار أهمية أن تضع الحكومة تحسن قيمة الجنيه ضمن أولويات برنامجها الاقتصادي خلال الفترة المقبلة، مشددًا على أن قوة الجنيه تمثل عاملًا مهمًا في مواجهة التضخم والحد من ارتفاع الأسعار.

قال إن تعزيز موارد الدولة من العملة الأجنبية وزيادة النشاط الاقتصادي يمكن أن يسهما في دعم الجنيه، بما يساعد على تحقيق استقرار أكبر في الاقتصاد والحد من الضغوط التضخمية.

رغم الفرصة التي يوفرها ضعف الدولار عالميًا لمصر، فإن الاستفادة الكاملة من هذه التطورات تظل مرتبطة بعوامل محلية، وفي مقدمتها العجز التجاري وتدفقات النقد الأجنبي واستقرار الأوضاع الجيوسياسية.

وبالتالي، فإن ضعف الدولار عالميًا قد يساعد على زيادة الإقبال على أدوات الدين المصرية، لكنه لا يستطيع بمفرده ضمان استقرار الجنيه على المدى الطويل ما لم يترافق مع تحسن مستدام في مصادر النقد الأجنبي وهيكل التجارة الخارجية.

السيناريو الأقرب لمصر.. استفادة إيجابية بحذر

رأى عزام أن السيناريو الأفضل لمصر خلال ما تبقى من 2026 يتطلب اجتماع ثلاثة عوامل، هي ضعف الدولار عالميًا، وهدوء نسبي للمخاطر الجيوسياسية، واستمرار العائد الحقيقي الإيجابي على أدوات الدين المصرية.

وقد يجعل اجتماع هذه العوامل مصر من الأسواق الأكثر استفادة من إعادة توزيع السيولة العالمية، مع إمكانية عودة قوية للمستثمرين الأجانب إلى أدوات الدين، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار للجنيه وتحسن علاوة المخاطر.

لكن في المقابل، فإن تصاعد المخاطر الجيوسياسية أو حدوث أزمة ثقة أوسع في الأصول الأمريكية قد يؤدي إلى زيادة التقلبات في الأسواق العالمية، وهو ما قد يضر بالأسواق الناشئة رغم ضعف الدولار نفسه.

وبالنسبة لسعر الدولار محليًا، فإن المصادر التي يستند إليها التقرير لا تتضمن مستهدفًا رقميًا محددًا لنهاية 2026، وإنما تتراوح التوقعات بين إمكانية تجاوز مستوى 51 جنيهًا في حال استمرار التخارجات الأجنبية، وفقًا لشفيع، وبين احتمالية تحسن الجنيه خلال الأشهر الأربعة المقبلة إذا تحسنت موارد النقد الأجنبي، وفقًا لبدرة.

في النهاية، سيظل مسار الجنيه مرتبطًا بقدرة مصر على تحويل أي تحسن في البيئة العالمية إلى تدفقات مستدامة من النقد الأجنبي، بدلًا من الاعتماد بصورة أكبر على التدفقات قصيرة الأجل المرتبطة بفروق أسعار الفائدة.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

التضخم الأمريكي يستقر عند 3.7% في يوليو ويعزز احتمالات رفع الفائدة

استقر معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة خلال يوليو عند...

منطقة إعلانية