بقلم أ.د. أنور محمود النقيب
أستاذ السياسات الاقتصادية والتمويل بكلية العلوم الإدارية – أكاديمية السادات
يعتبر سعر الفائدة من أهم المتغيرات الاقتصادية، ليس فقط لأنه يحدد تكلفة الاقتراض والعائد على المدخرات، وإنما لأنه يمثل إحدى الأدوات الرئيسية لإدارة السياسة النقدية والسيطرة على مستويات السيولة داخل الاقتصاد. فعندما تتجاوز السيولة المتاحة في السوق المستويات المتوافقة مع النشاط الاقتصادي، يلجأ البنك المركزي إلى أدوات امتصاص السيولة، وعندما تعاني السوق من نقص السيولة، يمكنه استخدام أدواته لضخها. ومن هنا أصبح سعر الفائدة، إلى جانب أدوات أخرى مثل الاحتياطي القانوني وعمليات السوق المفتوحة، أحد أهم أدوات البنك المركزي في إدارة التوازن النقدي.
ولهذا، ومع كل اجتماع للبنك المركزي المصري، تتجه الأنظار إلى السؤال التقليدي: هل سيُبقي البنك المركزي على سعر الفائدة عند مستوياته الحالية، أم سيخفضه، أم يرفعه؟ وتظهر في كل مرة عشرات التوقعات والتحليلات التي تربط القرار بمعدلات التضخم، وسعر الصرف، وأسعار الفائدة العالمية، وتدفقات الاستثمار، والظروف الاقتصادية المحلية والدولية. إلا أن هذا التركيز على قرار سعر الفائدة نفسه يغفل، في كثير من الأحيان، السؤال الأكثر جوهرية: ماذا يحدث للسيولة في الاقتصاد المصري، ومن أين جاءت هذه السيولة أصلاً؟
ففهم اتجاه سعر الفائدة يبدأ من فهم اتجاه السيولة. فإذا كانت السيولة تتزايد بمعدلات تفوق بكثير قدرة الاقتصاد الحقيقي على إنتاج السلع والخدمات، فإن خفض سعر الفائدة يصبح أمراً بالغ الصعوبة؛ لأن خفض الفائدة في هذه الحالة لا يعني فقط تخفيض تكلفة التمويل، وإنما قد يعني أيضاً إضافة مزيد من السيولة إلى اقتصاد يعاني أصلاً من فائض نقدي وضغوط تضخمية.
وتكشف الحالة المصرية عن تطور بالغ الأهمية في هذا السياق، إذ اعتمد البنك المركزي المصري بدرجة كبيرة على النقود عالية القوة (High-Powered Money) كأحد مصادر التوسع النقدي، وارتفعت هذه النقود من نحو 318 مليار جنيه عام 2013 إلى نحو 2.2 تريليون جنيه عام 2025، أي بنحو سبعة أضعاف. وتكتسب هذه الزيادة أهميتها لأن النقود عالية القوة تمثل الأساس الذي يمكن أن تتوسع فوقه الكتلة النقدية والسيولة المصرفية من خلال آلية المضاعف النقدي.
وتأتي النقود المطبوعة والمتداولة خارج البنك المركزي في مقدمة مكونات النقود عالية القوة. وقد ارتفعت النقود المطبوعة في مصر من نحو 264 مليار جنيه عام 2013 إلى نحو 1.5 تريليون جنيه في يونيو 2025، أي بزيادة تقارب 470%. وهذه الزيادة الكبيرة في النقود المطبوعة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن أداء الاقتصاد الحقيقي، لأن المشكلة الاقتصادية لا تكمن في زيادة النقود في حد ذاتها، وإنما في مدى اتساق نموها مع نمو الناتج الحقيقي.
فالاقتصاد النقدي لا يمكن أن ينفصل عن الاقتصاد الحقيقي. ووفقاً للمنطق الأساسي للنظرية النقدية ومعادلة التبادل M × V = P × Y، فإن نمو عرض النقود (النقود المطبوعة) ينبغي أن يكون متسقاً بصورة عامة مع نمو الناتج الحقيقي، مع مراعاة أثر التغيرات في سرعة تداول النقود والمستوى العام للأسعار. وبمعنى أكثر وضوحاً، لا يمكن أن ينمو الاقتصاد النقدي لسنوات بمعدلات تفوق بكثير معدلات نمو الاقتصاد الحقيقي، دون أن تظهر آثار هذا الاختلال في صورة ضغوط تضخمية، إذا ظلت العوامل الأخرى على حالها.
وهذا تحديداً ما يجعل الفجوة بين معدل نمو النقود المطبوعة ومعدل نمو الناتج الحقيقي مسألة بالغة الأهمية في الحالة المصرية. ففي عدد من السنوات، تجاوز معدل نمو النقود المطبوعة معدل نمو الناتج الحقيقي بفوارق كبيرة للغاية، وفي بعض السنوات بلغ معدل نمو الإصدار عدة أضعاف معدل نمو الناتج. ويظهر ذلك بوضوح في أعوام مثل 2013 و2017 و2020 و2023، كما أنه منذ عام 2021 أصبح معدل نمو إصدار النقد، وفق البيانات المستخدمة في التحليل، يعادل نحو ثلاثة أضعاف معدل نمو الناتج الحقيقي.
وهذه الفجوة ليست مجرد نتيجة إحصائية عابرة، وإنما تعكس اختلالاً جوهرياً بين الاقتصاد النقدي والاقتصاد الحقيقي. فعندما تنمو كمية النقود والسيولة بمعدلات أعلى بكثير من قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات، فإن السيولة الإضافية تبحث، في النهاية، عن منافذ لها، سواء في زيادة الطلب على السلع والخدمات أو في الأصول والأسواق المختلفة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى ضغوط متزايدة على الأسعار، وبالتالي إلى تضخم أعلى، بافتراض ثبات العوامل الأخرى.
ومن هنا، لجأ البنك المركزي إلى استخدام أداة الاحتياطي القانوني كأداة لامتصاص جزء من السيولة المصرفية والحد من قدرة البنوك على خلق ائتمان إضافي. فقد ارتفعت نسبة الاحتياطي القانوني من 10% عام 2016 إلى 14%، ثم إلى 18% عام 2022، وهي النسبة المطبقة حالياً. ومن الناحية النظرية، فإن رفع الاحتياطي القانوني يمثل أداة تقييدية، لأنها تقلل من قدرة الجهاز المصرفي على إعادة توظيف الودائع في صورة ائتمان، وبالتالي تحد من التوسع في خلق النقود المصرفية.
لكن المشكلة تظهر عندما تعمل أدوات السياسة النقدية في اتجاهات متعارضة. فإذا قام البنك المركزي برفع الاحتياطي القانوني بهدف الحد من قدرة البنوك على خلق السيولة، بينما يستمر، في الوقت نفسه، في زيادة القاعدة النقدية وطباعة النقد بمعدلات مرتفعة، فإن جزءاً مهماً من أثر سياسة الاحتياطي القانوني يصبح محدوداً. وبعبارة أكثر وضوحاً، لا يمكن للسياسة النقدية أن تضغط بقوة على مكابح السيولة، بينما تستمر في الوقت نفسه في ضخ وقود نقدي جديد إلى الاقتصاد.
وقد ظهر هذا التناقض بين أدوات السياسة النقدية بدرجات مختلفة خلال السنوات الماضية. فحتى عام 2015، كان هناك قدر أكبر من التناسق بين اتجاهات بعض أدوات السياسة النقدية، بينما خلال الفترة 2017–2019، اتخذت سياسات سعر الفائدة والاحتياطي القانوني اتجاهاً تقييدياً، في الوقت الذي ظل فيه طباعة النقد ذا اتجاه توسعي. وفي عامي 2020 و2021، اتخذ الاحتياطي القانوني اتجاهاً تقييدياً، بينما اتخذ كل من سعر الفائدة وإصدار النقد اتجاهاً توسعياً. وفي عام 2022، أصبح التناقض أكثر وضوحاً، حيث اتخذ كل من سعر الفائدة والاحتياطي القانوني اتجاهاً تقييدياً، في حين ظل إصدار النقد توسعياً بدرجة كبيرة.
وفي ظل زيادة القاعدة النقدية والسيولة المصرفية، أصبح البنك المركزي بحاجة متزايدة إلى امتصاص فائض السيولة من الجهاز المصرفي. وهنا برز دور عمليات السوق المفتوحة وأدوات امتصاص السيولة من خلال سعر الفائدة، حيث أجرى البنك المركزي عمليات لسحب السيولة من البنوك من خلال مزادات لآجال مختلفة تراوحت بين أسبوع ونحو 258 يوماً، وبأسعار فائدة على أسس تجارية. وهذه العمليات تحقق هدفها المباشر المتمثل في امتصاص السيولة، لكنها في الوقت نفسه تؤدي إلى خلق التزامات على البنك المركزي لصالح البنوك. وتظهر تكلفة هذه الآلية بوضوح في الزيادة الكبيرة في التزامات البنوك لدى البنك المركزي بعائد.
ومن هنا، يجب أن تتغير طريقة النظر إلى سعر الفائدة. فسعر الفائدة ليس المرض، وإنما هو إحدى أدوات التعامل مع آثار المرض. فإذا كانت السيولة تتوسع بسرعة تفوق قدرة الاقتصاد الحقيقي على استيعابها، فإن رفع سعر الفائدة يصبح أداة ضرورية لاحتواء الطلب والحد من آثار السيولة الزائدة والضغوط التضخمية. أما إذا ظلت مصادر السيولة الجديدة قائمة، فإن خفض سعر الفائدة بصورة مستدامة يصبح أمراً شديد الصعوبة، لأن خفض الفائدة في ظل استمرار التوسع النقدي قد يؤدي إلى زيادة الطلب والسيولة، ومن ثم إعادة إشعال الضغوط التضخمية.
ولهذا، فإن السؤال الصحيح ليس: متى سيخفض البنك المركزي سعر الفائدة؟ وإنما: متى يصبح الاقتصاد المصري قادراً على تحمل خفض سعر الفائدة دون أن يؤدي ذلك إلى عودة الضغوط التضخمية؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تبدأ من سعر الفائدة نفسه، وإنما تبدأ من مصدر السيولة. فإذا استمرت معدلات طباعة النقود والنمو في النقود عالية القوة عند مستويات تتجاوز بصورة واضحة معدل نمو الاقتصاد الحقيقي، فإن خفض سعر الفائدة لن يكون ممكناً، وسيظل محفوفاً بالمخاطر؛ لأن خفض الفائدة في هذه الحالة يعني تخفيف إحدى أهم أدوات امتصاص السيولة، في الوقت الذي لا تزال فيه مصادر السيولة الجديدة تعمل.
أما إذا حدث تحول حقيقي في السياسة النقدية، وأصبحت معدلات نمو طباعة النقود متسقة مع معدلات نمو الناتج الحقيقي، فإن الحاجة إلى استخدام أسعار فائدة مرتفعة لفترات طويلة من أجل امتصاص السيولة ستتراجع تدريجياً، ويصبح من الممكن الانتقال إلى مستويات فائدة أقل دون خلق موجة جديدة من الضغوط التضخمية.
ومن ثم، فإن انخفاض سعر الفائدة بصورة مستدامة لا يمكن أن يكون مجرد استجابة لانخفاض مؤقت في معدل التضخم، ولا نتيجة لضغوط المستثمرين أو ارتفاع تكلفة الاقتراض، ولا مجرد قرار إداري يصدر في اجتماع من اجتماعات لجنة السياسة النقدية. فالخفض المستدام لسعر الفائدة يتطلب أولاً السيطرة على المصدر النقدي للسيولة، وتحقيق قدر أكبر من الاتساق بين نمو النقود ونمو الاقتصاد الحقيقي.
ولهذا، فإن من يريد أن يتنبأ بمستقبل سعر الفائدة في مصر، عليه ألا ينظر فقط إلى التضخم الحالي أو قرار البنك المركزي القادم، بل عليه أن يراقب، قبل كل شيء، معدل نمو النقود، ومعدل طباعة النقد، وحجم السيولة، ومدى توافقها مع معدل نمو الناتج الحقيقي.
وإن سألوك عن سعر الفائدة، فلا تبدأ بالإجابة عن موعد اجتماع البنك المركزي القادم، ولا عن توقعات المحللين، ولا عن اتجاهات البنوك المركزية العالمية؛ بل انظر أولاً إلى طباعة النقود.
وإن سألوك: متى سينخفض سعر الفائدة؟ فقل لهم – وببساطة شديدة – لن ينخفض بصورة مستدامة إلا إذا انخفضت معدلات طباعة النقود إلى مستويات تتسق مع معدل نمو الاقتصاد الحقيقي.
الآراء والأفكار والتحليلات الواردة في المقالات المنشورة تعبّر عن وجهة نظر كُتّابها فقط، ولا تمثل بالضرورة رأي أو توجه المؤسسة أو إدارة التحرير.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا
