رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
أخبار

التعليم للجميع.. ارتفاع المصاريف الدراسية يحول الحق الأساسي إلى سلعة

كتبت: فاطمة يحيى 

“وأنا أعمله إيه؟ ما يروح مدرسة حكومة.. ده بيزنس!”.. كانت هذه إجابة المندوه الحسيني، رئيس الجمعية المصرية لأصحاب المدارس الخاصة، على سؤال حول كيفية تحمل أولياء الأمور ارتفاع تكاليف التعليم في المدارس الخاصة خلال حلقة ببرنامج “بتوقيت مصر” علي شاشة BBC.

تأتي هذه الكلمات بعد أكثر من 75 عاما على مقولة عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الخالدة بأن ‘التعليم كالماء والهواء، يجب أن يكون مباحاً لكل فرد’، ليضع حجر الأساس لفلسفة اجتماعية تقوم على أن المعرفة ليست رفاهية، بل هي عصب الحياة وضرورة بقاء للمجتمعات الحديثة.

تحولت أحلام الأسر المصرية في توفير تعليم جيد لأبنائها إلى سباق محموم مع أرقام لا تنتهي وتكاليف تلتهم ما تبقى من الدخول، ولم تعد الأزمة مقصورة على شريحة اجتماعية دون أخرى، بل امتدت لتطال كل من يحاول التمسك بمستوى تعليمي جيد لأولاده، لتصبح المدارس أشبه بأسواق مالية مصغرة تخضع لقانون الربح وحده.

أحمد.. والتعليم “الناشيونال” الذي ينهك الميزانية 

يقول الأستاذ أحمد، الذي يسكن شرق القاهرة، أحد أولياء الأمور لـ”إيكونومي بلس”، “مدرسة أبنائي زادت المصاريف بحوالي 10 آلاف جنيه العام الماضي، وهذا العام زادت المصاريف بأكثر من الضعف خلال 4 سنوات دراسية فقط. للعلم، المدرسة في منتهى الاحترام وأنا أقدر هذا جداً، ولا يخلقون مصروفات جانبية كما أسمع عن مدارس أخرى، لكنهم يشترطون دفع القسط الأول الذي يمثل 55% من إجمالي المصروفات كاش.”

معاناة أحمد تعكس واقع ملايين الأسر في قطاع التعليم (الناشونال)، حيث لم يعد الاستقرار الإداري أو الأخلاقي للمدرسة مانعاً أمام فداحة الأقساط. فالزيادات المتتالية التي تتضاعف في سنوات معدودة، تضع العائلات تحت ضغط عصبي ومالي هائل لتدبير السيولة النقدية المفاجئة.

جيهان.. بيع الذهب ومطاردة “الـ Supplies” 

أما في عوالم المدارس الدولية (الإنترناشونال)، فالحكاية تأخذ أبعاداً أقسى. تروي جيهان، والتي تعيش في حي المعادي، لـ”إيكونومي بلس”، وهي أم تعول أطفالها بعد وفاة أبيهم، قصتها باختصار:

“اضطررت لبيع جزء من مقتنياتي الذهبية هذا العام لسداد مصاريف أولادي في إحدى المدارس الإنترناشونال بعدما تضاعفت المصروفات، بالإضافة إلى تكاليف الـ Supplies التي تخطت 3 آلاف جنيه للطفل الواحد.”

الأمر هنا لا يتوقف عند المصاريف الأساسية التي قفزت، بل تمتد لتلتهم ما تبقى من مدخرات العائلات عبر بنود فرعية ومستلزمات دراسية (Supplies) باتت تكلفتها توازي مصاريف دراسية كاملة في مراحل سابقة، ما يضع الأهالي أمام خيارين أحلاهما مر، إما التضحية بمستقبل الأبناء، أو تصفية الأصول البسيطة مثل الذهب لمواجهة الغلاء.

رامي.. القرض البنكي لتعليم ابنته الأبجدية 

“لدي قناعة أن ابنتي لن تتعلم في المدارس الحكومية، انا تعلمت في مدرسة حكومية ووصل بي الأمر إلى العمل كعامل توصيل طلبات.. لا أريد أن تلق فريدة نفس مصيري”، قال رامي (اسم مستعار).

يحكي رامي، الذي يعمل كعامل دلفري ويعيش في حلوان، وهو أب لطفلة في مدرسة خاصة، كيف وجد نفسه مجبراً على السير في طرق لم يكن يتخيلها، إذ اضطر للتقديم على قرض شخصي من أحد البنوك لدفع مصاريف مدرسة ابنته الصغيرة ذات الـ 6 أعوام، ليجد نفسه محاصراً بأقساط بنكية طوال العام من أجل بند التعليم وحده.

التعليم بالتقسيط.. “زيادة البرامج التمويلية” 

هذا الضغط الهائل لم يمر مرور الكرام على السوق المصرفي؛ فقد أتاحت تكلفة التعليم المتزايدة في مصر سنوياً مساحة أوسع أمام البنوك لتقديم حلول تمويلية متفاوتة، تبدأ من بضعة آلاف من الجنيهات وتصل إلى 13.5 مليون جنيه، فيما تمتد فترات السداد في بعض البرامج إلى 8 سنوات، وفق مسح أجرته “العربية Business” لبرامج تمويل التعليم لدى عدد من البنوك العاملة في البلاد.

جاء البنك التجاري الدولي “CIB” في صدارة البنوك من حيث قيمة التمويل، ببرنامج يصل إلى 13.5 مليون جنيه ويغطي كامل المصروفات الدراسية، مع فترة سداد تصل إلى 8 سنوات وعائد 21.5%، فيما حل “كريدي أجريكول مصر” ثانياً بتمويل يصل إلى مليون جنيه، يغطي 100% من المصروفات، مع سداد يمتد إلى 7 سنوات وعائد متناقص 18%.

أما بنك مصر وQNB، فيقدمان تمويلات تصل إلى 500 ألف جنيه، مع تغطية تصل إلى 100% و95% من المصروفات على التوالي، بينما يرفع saib سقف التمويل إلى 750 ألف جنيه، لكنه يغطي بحد أقصى 75% من قيمة المصروفات.

لماذا ترتفع المصروفات؟ 

“المدارس الجديدة التي تفتح أبوابها لأول مرة في مصر تواجه التكلفة الاستثمارية العالية، حيث أن تكلفة إنشاء مدرسة جديدة اليوم تتجاوز المليار جنيه” بحسب ما قال بدوي علام رئيس جمعية أصحاب المدارس الخاصة لـ”إيكونومي بلس”.

أوضح علام، أن المدارس الجديدة تتقدم بمقترح تكلفة لوزارة التربية والتعليم بناءً على حجم الاستثمارات وتكاليف التشغيل، وغالباً ما تبدأ المصروفات بمعدلات تنافسية تقل عن التكلفة الفعلية ثم تتدرج بالزيادة على مدار عدة سنوات حتى تصل إلى قيمتها الحقيقية بالتوافق مع لجان المراجعة بالوزارة.

طبيعة التعليم الخاص والتكلفة الفعلية للخدمة 

وفي رد على تساؤل حول شكاوى أولياء الأمور، أشار علام إلى أن التوجه للتعليم الخاص هو اختيار شخصي للبحث عن تميز معين أو خدمة تعليمية ولغة أجنبية محددة، وهو ما يستوجب التزام ولي الأمر بسداد الفروق المالية المرتبطة بهذه الخدمة.

“حتى هذه اللحظة لم يتم إقرار أو صدور كتاب دوري سنوي يتضمن زيادات استثنائية للمصروفات الدراسية بالمدارس الخاصة والدولية، والمعروف بـ “كتاب الشرائح”، وفقا لرئيس جمعية أصحاب المدارس الخاصة.

يأتي هذا في ظل بدء بعض المدارس الخاصة في جمع مصروفات العام الجديد بالفعل منذ شهر يونيو الماضي.

شرائح الزيادة القانونية

أوضح علام، أن الزيادة في المصروفات تتم وفق شرائح محددة ومعتمدة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقيمة المصروفات الأساسية لكل مدرسة. وكانت شرائح العام الدراسي الماضي تتوزع كالتالي:

المدارس التي تقل مصروفاتها عن 5,000 جنيه: كانت نسبة الزيادة 25%.

المدارس التي تتراوح مصروفاتها بين 5,000 إلى 10,000 جنيه: كانت نسبة الزيادة 20%.

المدارس التي تتراوح مصروفاتها بين 10,000 إلى 20,000 جنيه: كانت نسبة الزيادة 15%.

أما بالنسبة للعام الدراسي الحالي، فأكد علام أن الوزارة لم تصدر حتى الآن النشرة أو الكتاب الدوري الخاص بالشرائح الجديدة، وكل ما يُتداول هو توقعات بأن تكون بنسب مماثلة للعام السابق او أزيد بنسبة ما.

يقول بدوي علام، رئيس جمعية أصحاب المدارس الخاصة: “لا توجد مدرسة في مصر، سواء كانت خاصة أو دولية، قادرة على زيادة مصروفاتها جنيهاً واحداً إلا بقرار رسمي ومعتمد من وزارة التربية والتعليم”.

وبينما تؤكد المدارس الخاصة أن الزيادات ترتبط بتكاليف الاستثمار والتشغيل، وترى أن اختيار التعليم الخاص يرتبط بخدمات إضافية يتحمل ولي الأمر تكلفتها، يجد أولياء الأمور أنفسهم أمام معادلة أكثر تعقيداً، بين دخل لا يرتفع بالوتيرة نفسها، ومصروفات دراسية تتزايد عاماً بعد آخر، وحاجة متزايدة إلى الاقتراض أو استنزاف المدخرات للحفاظ على المستوى التعليمي نفسه.

وبعد أكثر من 75 عاماً على مقولة طه حسين بأن «التعليم كالماء والهواء»، تبدو القضية اليوم أبعد من مجرد ارتفاع في المصروفات؛ باتت اختبارا لقدرة منظومة التعليم على تحقيق التوازن بين جودة الخدمة وتكلفتها، وبين حق الطفل في تعليم جيد والقدرة الاقتصادية لأسرته على الوصول إليه.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

قبل قمة ترامب وشي.. الجمارك والذكاء الاصطناعي تتزعمان محادثات واشنطن وبكين

بدأ وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ونائب رئيس مجلس الدولة...

منطقة إعلانية