ملفات أخبار

كيف يمكن للمستثمرين التعامل مع اضطرابات رسوم ترامب الجمركية؟

شهدت الأسواق العالمية خلال الفترة الأخيرة واحدة من أكثر الفترات تقلبًا منذ سنوات، مع تصاعد التوترات التجارية التي فجرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة على عدد كبير من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة. في خطوة أثارت قلق المستثمرين، أعلن البيت الأبيض عن فرض رسوم تتراوح بين 10% و49% على واردات من أكثر من 100 دولة، ما تسبب في حالة من الذعر في أسواق المال العالمية.

خسائر فادحة في الأسواق العالمية

بحسب محللين في شركة “AJ Bell”، أدت تلك الرسوم إلى محو نحو 4.9 تريليون دولار من القيمة السوقية للأسهم العالمية خلال أيام قليلة. هذه الضربة القاسية لم تقتصر فقط على المستثمرين الأمريكيين، بل امتدت لتشمل الأوروبيين والبريطانيين، الذين تعرضوا لضرر مزدوج نتيجة انخفاض الدولار مقابل العملات الأخرى بعد الإعلان عن الرسوم، مما عمق الخسائر عند تحويل الأصول إلى العملات المحلية.

في ظل هذه المعطيات، يجد المستثمر نفسه أمام سؤال محوري: هل من الحكمة “شراء الانخفاض” كما يفعل البعض، أم أنه الوقت المناسب للانسحاب وتخفيف المخاطر؟

الاندفاع نحو الملاذات الآمنة

كما هو الحال في الأزمات الكبرى، اتجهت أنظار المستثمرين إلى الأصول الآمنة، وعلى رأسها الذهب والسندات الحكومية الأمريكية. إلا أن بعض المستثمرين رأوا في هذا الانخفاض فرصة للشراء. على منصة Interactive Investor البريطانية، كانت Nvidia هي السهم الأكثر تداولًا هذا الأسبوع بنسبة 74% لصالح الشراء، تلتها Rolls-Royce وBarclays.

لكن هذا السلوك لا يعكس بالضرورة ثقة كاملة في الأسواق، بل قد يكون رهانًا مؤقتًا على ارتداد فني أو مكاسب قصيرة الأجل. وهنا يأتي دور التحليل العميق للسوق قبل اتخاذ القرار.

الأسواق تتجاهل التحذيرات القديمة

تاريخيًا، كانت الأسواق تتلقى تحذيرات بشأن ارتفاع التقييمات، خاصة في السوق الأمريكي. فقد بلغت نسبة الأسهم ضمن الأصول المالية للأسر الأمريكية نحو 29%، متجاوزة مستويات عام 2000 قبيل انفجار فقاعة الإنترنت، ومستويات 1968 التي تبعها عقد من الأداء السيئ للأسهم.

هذا المستوى المرتفع يطرح تساؤلات حول مدى استدامة الاعتماد على الأسهم كمصدر رئيسي للثروة، خاصة في ظل توترات تجارية متصاعدة وتوقعات اقتصادية غامضة.

مؤشرات السوق: هل تعكس الواقع؟

يتجه بعض المحللين إلى مؤشرات أكثر دقة مثل مؤشر Put/Call Ratio ومؤشر CBOE Skew، اللذَين يقيسان توقعات المستثمرين تجاه تحركات السوق. في الأوقات التي يتفوق فيها حجم الطلب على خيارات البيع (puts) مقابل خيارات الشراء (calls)، يُفهم ذلك على أنه تشاؤم من المستثمرين تجاه المستقبل.

لكن المفاجأة أن هذين المؤشرين لا يبعثان على القلق الكبير حاليًا، إذ يوجدان في منتصف نطاقهما التاريخي، ما يشير إلى أن الأسواق لم تدخل بعد مرحلة الذعر التام، بل لا تزال في حالة ترقب.

التضخم… الخطر القادم بصمت

ربما الخطر الأكبر الذي يغفل عنه الكثيرون هو التضخم. فوفقًا لتقديرات Fidelity International، فإن تنفيذ كافة الرسوم الجمركية كما هو معلن سيؤدي إلى صدمة تضخمية تُقدّر بـ1.8 نقطة مئوية. وهذا ليس بالأمر الهيّن، خاصة في ظل صعوبة قدرة الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة وسط تصاعد الأسعار.

تقرير صادر عن جامعة أستون البريطانية حذر من أن حربًا تجارية شاملة يمكن أن تقتطع 1.4 تريليون دولار من الاقتصاد العالمي، وتؤدي إلى تراجع دخل الفرد الحقيقي في أمريكا بنسبة 2.5%.

مواقف المستثمرين المحترفين تتبدل

من المؤشرات اللافتة على تغيير المزاج الاستثماري هو التحرك الأخير لمؤسسة CCLA البريطانية، التي تدير استثمارات للكنائس والجمعيات الخيرية. بعد سنوات من التفاؤل الحذر، أعلنت المؤسسة أنها خفضت تعرضها للأسهم بنسبة 5% في صناديقها متعددة الأصول، ورفعت مخصصات النقد والسندات المرتبطة بالتضخم.

ويقول مسؤولو الاستثمار في المؤسسة إنهم “لم يكونوا يرغبون في اتخاذ موقف دفاعي قبل اندلاع حرب تجارية، لكنهم الآن يعتقدون أنها بدأت بالفعل.”

التوقيت: مفتاح النجاح أو الفشل

يرى محللون أن محاولة توقيت السوق، أو ما يُعرف بمحاولة “اصطياد القاع”، هي واحدة من أصعب المهام حتى للمحترفين. المستثمر الذي يدخل السوق عند القاع الحقيقي يمكن أن يحقق مكاسب ممتازة، لكن غالبًا ما تكون هذه المحاولة محفوفة بالمخاطر.

من هنا تأتي أهمية الاستثمار المتدرج، أي الشراء بكميات صغيرة على فترات، ما يسمح بتقليل المخاطر وتوزيع التكلفة على متوسطات سعرية مختلفة.

نصائح للمستثمرين في هذه المرحلة الحساسة

1. لا تتسرع: القلق طبيعي في ظل تقلبات السوق، لكن اتخاذ قرارات عاطفية قد يؤدي إلى خسائر دائمة.

2. راقب التضخم: مؤشرات التضخم، مثل تلك المستقاة من سندات TIPS الأمريكية، هي مؤشر مهم يجب متابعته خلال الفترة المقبلة.

3. التنويع ضروري: لا تضع كل أموالك في الأسهم، خاصة في هذه المرحلة. حافظ على سيولة، ووازن بين الأسهم والسندات والمعادن الثمينة.

4. فكر بشكل معاكس بحذر: التفكير بعقلية “المستثمر المخالف” قد يكون مجديًا، لكن لا تتخذه نهجًا أعمى. تابع مزاج السوق والمؤشرات الفنية والاقتصادية.

5. تجنب الشائعات والترندات: لا تتبع كل ما يُقال على وسائل التواصل. الاعتماد على التحليل الموثوق والمصادر المعتمدة هو الأساس.

نظرة إلى المستقبل

ربما تحمل الأشهر القادمة تقلبات أكبر، خاصة إذا استمرت السياسات الحمائية الأمريكية، وتصاعدت التوترات مع الصين وأوروبا. الأسواق أصبحت أكثر حساسية للتصريحات السياسية، ولم تعد تتحرك فقط بناءً على البيانات الاقتصادية.

لكن دائمًا، وسط العواصف، تظهر فرص. المستثمر الذي يتمتع بالرؤية، والانضباط، والقدرة على تقييم المخاطر، يمكنه أن يحول هذه التقلبات إلى مكاسب على المدى الطويل.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

كيف يمكن للمستثمرين التعامل مع اضطرابات رسوم ترامب الجمركية؟

شهدت الأسواق العالمية خلال الفترة الأخيرة واحدة من أكثر الفترات...

منطقة إعلانية