رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
أخبار

تحديث وثيقة ملكية الدولة: حوكمة الدور الأساسي للدولة واستثنائية الملكية والإنتاج

شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة نقاشاً اقتصادياً متزايد العمق حول الحدود المثلى لدور الدولة في النشاط الاقتصادي، خاصة فيما يتعلق بتدخلها المباشر في الاستثمارات الإنتاجية التي تُعد تقليدياً من مجالات عمل القطاع الخاص، إلى جانب الجدل المصاحب لسياسات تخارج الدولة من بعض الأنشطة والشركات. وفي إطار الاستجابة المؤسسية لهذا النقاش، أصدرت الحكومة وثيقة ملكية الدولة، وأنشأت وحدة الشركات المملوكة للدولة التابعة لمجلس الوزراء كآلية تنفيذية تهدف إلى تحويل المبادئ العامة إلى سياسات تشغيلية قابلة للتطبيق. ويكتسب تحديث هذه الوثيقة أهمية خاصة في ضوء الحاجة إلى تأصيل دور الدولة اقتصادياً وفق أسس علمية واضحة تحدد متى ولماذا وكيف تتدخل الدولة في النشاط الإنتاجي، مع وضع ضوابط تضمن أن يكون هذا التدخل موجهاً لتحقيق أهداف اقتصادية كلية وليس مجرد انعكاس لتوجهات أيديولوجية.

تشير الأدبيات الاقتصادية المقارنة إلى أن الفجوات في مستويات النمو الاقتصادي بين الدول لا ترتبط بالضرورة بتفاوت الموارد الطبيعية، بل ترتبط بدرجة أكبر بكفاءة المؤسسات الاقتصادية وجودة السياسات العامة. فالمؤسسات القادرة على تصميم وتنفيذ سياسات اقتصادية فعالة تستطيع تحويل الإمكانات النظرية إلى نتائج تنموية ملموسة. ومن هذا المنطلق، يتحدد الدور الاقتصادي للدولة وفق قدرتها على تحقيق مجموعة من الأهداف الأساسية، تشمل تسريع معدلات النمو الاقتصادي، وتعظيم الكفاءة الإنتاجية، وتحقيق كفاءة توزيع الموارد والدخل، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وضمان الاستخدام الأمثل لعناصر الإنتاج. كما يتوقف حجم التدخل الحكومي على طبيعة الأسواق ومدى كفاءتها في تخصيص الموارد وفق آليات العرض والطلب.

وفي الاقتصاد العالمي المعاصر، لم يعد التنافس بين الدول قائماً على حجم الموارد فقط، بل أصبح قائماً بدرجة كبيرة على جودة المؤسسات وكفاءة السياسات الاقتصادية. وتسعى الحكومات إلى تهيئة بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمارات وقادرة على دعم النمو طويل الأجل من خلال تقليل القيود البيروقراطية، وتحرير الأسواق بصورة مدروسة، وتقديم حوافز استثمارية وضريبية قائمة على أسس تحليلية دقيقة، وتحسين كفاءة إدارة الإنفاق العام. كما يتطلب تحقيق الاستدامة الاقتصادية قدرة الاقتصاد على التوسع الكمي والنوعي في قاعدته الإنتاجية، وتحسين جودة المنتجات والخدمات، وتطوير التكنولوجيا المستخدمة في الإنتاج، بما يدعم استقرار الأسعار ويعزز كفاءة استخدام الموارد المتاحة. ومن ثم، يجب أن يستند النقاش حول دور الدولة في الاقتصاد إلى مدى إسهام هذا الدور في تحقيق هذه النتائج، وليس إلى اعتبارات نظرية أو أيديولوجية مجردة.

وفي هذا السياق، ينبغي أن يؤكد تحديث وثيقة ملكية الدولة على أن إدارة الاقتصادات الحديثة تعتمد على منظومة متكاملة من السياسات الاقتصادية والتشريعات والمؤسسات التنفيذية والرقابية. فالأثر الحقيقي للسياسات الاقتصادية لا يتحقق بمجرد إعلانها، بل بقدرتها على التحول إلى برامج تنفيذية وآليات تشغيلية تؤثر في سلوك الفاعلين الاقتصاديين، سواء كانوا منتجين أو مستهلكين أو مستثمرين. وتقوم السياسات الاقتصادية بدور محوري في تحديد حدود الحرية الاقتصادية من خلال تصميم منظومة الحوافز والقيود التي تحكم القرارات الاقتصادية، ويُقاس نجاحها بمدى قدرتها على خلق دوافع للنشاط الاقتصادي مع ضمان وجود ضوابط تمنع حدوث اختلالات هيكلية أو تشوهات سوقية.

وعندما تكون الأسواق قادرة على تحقيق تخصيص كفؤ للموارد، يقتصر دور الدولة على وضع الأطر التنظيمية والتشريعية، وضمان كفاءة البيئة المؤسسية، وحماية المنافسة ومنع الاحتكار، دون الحاجة إلى التدخل المباشر في الإنتاج. أما في حال وجود اختلالات سوقية تحد من كفاءة تخصيص الموارد، فإن تدخل الدولة يصبح مبرراً اقتصادياً، وقد يمتد إلى النشاط الإنتاجي وفق ضوابط محددة. ويعتمد نجاح هذا التدخل على قدرة الدولة على تصميم سياسات تدعم كفاءة جهاز الأسعار، وتعزز البيئة التنافسية، وتضمن حرية الدخول والخروج من الأسواق، وهو ما يؤدي إلى تحسين جودة السلع والخدمات، وزيادة رفاهية المستهلكين، وتحفيز الاستثمار والإنتاج، وتوليد فرص العمل. كما يمثل الابتكار التكنولوجي في هذا الإطار أحد أهم محركات النمو الاقتصادي ورفع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج.

ومن منظور التخصيص الكفؤ للموارد، لا يكون الدور الأساسي للحكومة هو إنتاج السلع والخدمات، بل ضمان عمل الأسواق بكفاءة من خلال وضع قواعد واضحة، وتوفير بنية تحتية متطورة، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي. وتؤثر الدولة في قرارات القطاع الخاص عبر السياسات الاقتصادية المستقرة، والتشريعات الواضحة، والمؤسسات الفعالة، بينما يظل العائد المتوقع على الاستثمار هو العامل الحاسم في قرارات المستثمرين. وفي هذا الإطار، لا يتعارض وجود سوق حرة كفؤة مع أهمية دور الدولة، بل يعزز دورها كمنظم وحَكَم يضمن الالتزام بقواعد المنافسة العادلة.

ورغم ذلك، قد تفشل الأسواق في بعض الحالات في تحقيق تخصيص أمثل للموارد، وهو ما يعرف اقتصادياً بفشل السوق. وينشأ فشل السوق نتيجة عدة عوامل، من بينها ضعف المنافسة، وعدم تماثل المعلومات بين المتعاملين في السوق، ووجود آثار خارجية إيجابية أو سلبية لا تنعكس في الأسعار، إضافة إلى طبيعة بعض السلع العامة التي لا يستطيع القطاع الخاص توفيرها بالكفاءة المطلوبة. وفي مثل هذه الحالات، قد يعزف القطاع الخاص عن الاستثمار في أنشطة ذات أهمية استراتيجية أو اجتماعية بسبب ضعف العائد المالي المتوقع، رغم أهميتها التنموية، مثل بعض الصناعات الدوائية المتقدمة أو مشروعات البنية التحتية في المناطق الأقل نمواً.

وفي هذه الحالات، يظهر دور الدولة كمنتج أو مستثمر مؤقت (لسد فجوات السوق وتحقيق أهداف تنموية أوسع، مثل تعزيز العدالة الاجتماعية، وتقليل الفجوات التنموية الإقليمية، ودعم الأمن الاقتصادي الوطني. غير أن هذا التدخل يجب أن يكون محدداً زمنياً ومرتبطاً بوجود مبررات اقتصادية واضحة، بحيث يتم التخارج منه بمجرد زوال أسباب فشل السوق، بما يمنع تحول التدخل المؤقت إلى مزاحمة هيكلية للقطاع الخاص.

وبشكل عام، تبرز أهمية أن يؤكد تحديث وثيقة ملكية الدولة على أن الدور الرئيسي للدولة يتمثل في بناء بيئة اقتصادية تنافسية مستقرة وواضحة القواعد. وفي حال اللجوء إلى التدخل الإنتاجي، يجب أن يكون هذا التدخل استثنائياً، ومؤقتاً، وخاضعاً لمعايير تقييم موضوعية، تشمل ليس فقط الأداء المالي للشركات المملوكة للدولة، بل أيضاً مدى إسهامها في تحقيق قيمة اقتصادية ومجتمعية شاملة. وفي هذا الإطار، تمثل حوكمة السياسات الاقتصادية الأداة الحاسمة في تحديد توقيت وحدود تدخل الدولة، بما يحقق التوازن بين تصحيح اختلالات السوق وتعزيز دور القطاع الخاص، ويضمن تحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل طويل الأجل

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

تحديث وثيقة ملكية الدولة: حوكمة الدور الأساسي للدولة واستثنائية الملكية والإنتاج

شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة نقاشاً اقتصادياً متزايد العمق حول...

منطقة إعلانية