رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
مقالات

هل تصبح مصر مركز الرعاية الصحية في الشرق الأوسط بعد الحرب؟  

مقال للدكتور خالد سمير رئيس مجلس إدارة تشاور للاستشارات

 

 

في لحظات التحولات الكبرى في التاريخ، لا تتغير فقط موازين القوى العسكرية أو السياسية، بل يعاد تشكيل الاقتصاد والقطاعات الحيوية التي تحدد مستقبل الدول. واليوم يشهد الشرق الأوسط واحدة من تلك اللحظات المفصلية مع تصاعد التوترات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة.

هذا الصراع لا يمكن قراءته باعتباره مجرد مواجهة عسكرية أو أزمة سياسية عابرة، بل يمثل تحولًا استراتيجيًا عميقًا سيؤثر على بنية الاقتصاد الإقليمي، وسلاسل الإمداد العالمية، وتوجهات الاستثمار، وحتى مستقبل الرعاية الصحية في المنطقة.

خلال العقود الماضية كان قطاع الرعاية الصحية يُنظر إليه غالبًا باعتباره قطاعًا خدميًا مرتبطًا بتحسين جودة الحياة. لكن الأحداث العالمية الأخيرة – من جائحة كوفيد إلى التوترات الجيوسياسية الحالية – كشفت حقيقة مختلفة تمامًا:

الصحة أصبحت جزءًا من الأمن القومي للدول.

فالدول التي تمتلك نظامًا صحيًا قويًا، وبنية تحتية طبية متقدمة، وقدرة على تصنيع الأدوية والتكنولوجيا الطبية محليًا، هي الدول الأكثر قدرة على الصمود في أوقات الأزمات.

وفي هذا السياق، من المتوقع أن تتجه دول الشرق الأوسط، خصوصًا دول الخليج، إلى تسريع بناء أنظمة صحية أكثر استقلالًا واعتمادًا على الذات.

الخليج والتحول نحو السيادة الصحية

تسعى دول الخليج، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، إلى إعادة تشكيل منظوماتها الصحية خلال العقد القادم.

فالتحولات الجيوسياسية، إلى جانب الدروس المستفادة من الجائحة، دفعت هذه الدول إلى تبني مفهوم السيادة الصحية، والذي يقوم على تقليل الاعتماد على الخارج في تقديم الخدمات الطبية أو توفير الأدوية والتكنولوجيا الطبية.

ويشمل هذا التوجه توسعًا كبيرًا في:

• بناء المستشفيات والمراكز الطبية المتقدمة

• تطوير الصناعات الدوائية المحلية

• الاستثمار في التكنولوجيا الطبية والذكاء الاصطناعي

• بناء منصات رقمية متطورة للرعاية الصحية

كما أن برامج التحول الاقتصادي الكبرى مثل رؤية السعودية 2030 تضع قطاع الصحة في قلب خطط التنمية المستقبلية.

لكن هذا التحول يحمل في طياته أيضًا تأثيرات مباشرة على سوق العمل الطبي في المنطقة.

ماذا يعني ذلك للأطباء المصريين في الخليج؟

لعدة عقود كانت مصر من أكبر الدول المصدّرة للكوادر الطبية إلى الخليج.

آلاف الأطباء والممرضين المصريين يعملون اليوم في مستشفيات السعودية والإمارات والكويت وقطر وعُمان.

غير أن المرحلة القادمة قد تشهد تغيرًا تدريجيًا في هذا النموذج.

فبرامج توطين الوظائف مثل “السعودة” و“التوطين” تهدف إلى زيادة مشاركة المواطنين في القطاعات الحيوية، ومن بينها القطاع الصحي. وفي الوقت نفسه، يساهم التطور السريع في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الطبية في تقليل الحاجة إلى بعض أنواع العمالة الطبية التقليدية.

لكن هذا لا يعني اختفاء الفرص، بل تحولها.

فالطلب المستقبلي سيكون أكبر على:

• الأطباء ذوي التخصصات الدقيقة

• خبراء الصحة الرقمية

• الباحثين في التكنولوجيا الطبية

• المتخصصين في الذكاء الاصطناعي الطبي

بمعنى آخر، سوق العمل الطبي سيتحول من الكم إلى الكفاءة العالية.

الفرصة الاستراتيجية لمصر

رغم التوترات الإقليمية، قد تحمل هذه التحولات فرصة تاريخية لـ مصر.

فمصر تمتلك مجموعة من المقومات التي يمكن أن تجعلها مركزًا إقليميًا للرعاية الصحية خلال السنوات القادمة.

أول هذه المقومات هو الموقع الجغرافي الفريد، حيث تقع مصر عند نقطة التقاء الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، إضافة إلى وجود ممر استراتيجي عالمي مثل قناة السويس.

ثانيها هو رأس المال البشري الطبي الكبير، إذ تخرج الجامعات المصرية آلاف الأطباء سنويًا، وهو ما يوفر قاعدة بشرية ضخمة يمكن تطويرها لتلبية احتياجات المنطقة.

أما الميزة الثالثة فهي التكلفة التنافسية للخدمات الصحية مقارنة بدول الخليج أو أوروبا، وهو ما يفتح المجال أمام تطوير السياحة العلاجية والخدمات الطبية العابرة للحدود.

وبفضل هذه العوامل يمكن لمصر أن تلعب أدوارًا إقليمية مهمة مثل:

• مركز للتعليم والتدريب الطبي

• منصة لإدارة وتشغيل المستشفيات في المنطقة

• قاعدة للتوسع في خدمات الطب عن بُعد

• مركز للسياحة العلاجية لأفريقيا والشرق الأوسط

• بيئة مناسبة للتجارب السريرية والصناعات الدوائية

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الطب

في الوقت نفسه، يشهد العالم ثورة غير مسبوقة في استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب.

فالأنظمة الحديثة أصبحت قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، واكتشاف الأمراض مبكرًا، ومساعدة الأطباء في اتخاذ القرارات العلاجية.

كما بدأت المستشفيات الذكية في الظهور، حيث تعتمد على:

• أنظمة فرز المرضى بالذكاء الاصطناعي

• الجراحة الروبوتية

• المراقبة التنبؤية للحالات الحرجة

• إدارة المستشفيات باستخدام البيانات الضخمة

هذه التحولات لن تلغي دور الطبيب، لكنها ستغير طبيعة العمل الطبي بشكل كبير، وستجعل التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من الممارسة الطبية.

أين تتجه الاستثمارات الصحية؟

مع تزايد عدم اليقين الجيوسياسي، يبحث المستثمرون العالميون عن أسواق مستقرة نسبيًا يمكنها استيعاب الاستثمارات طويلة الأجل.

وهنا تبرز مصر كوجهة محتملة للاستثمار في قطاع الرعاية الصحية، سواء من المستثمرين المحليين أو من الصناديق السيادية الخليجية مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي ومبادلة للاستثمار وجهاز قطر للاستثمار.

كما أن الشركات الغربية والصينية بدأت تتطلع إلى الأسواق الناشئة في القطاع الصحي، خصوصًا مع توسع المبادرات الدولية مثل مبادرة الحزام والطريق.

ويمكن لمصر أن تصبح بوابة لهذه الاستثمارات نحو أفريقيا.

ماذا يخبرنا المستقبل؟

خلال السنوات العشر القادمة قد نشهد ثلاثة سيناريوهات رئيسية في المنطقة:

الأول هو سيناريو الاستقرار النسبي، حيث تنخفض التوترات وتزداد الاستثمارات الصحية وتزدهر السياحة العلاجية.

الثاني هو سيناريو استمرار التوترات، مما يدفع الدول إلى توطين الخدمات الصحية وتقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية.

أما السيناريو الثالث فهو السيناريو التكنولوجي، حيث يقود الذكاء الاصطناعي تحولًا جذريًا في طريقة تقديم الرعاية الصحية عالميًا.

الخلاصة

إن الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل يمثل نقطة تحول هيكلية في الشرق الأوسط.

فالقطاع الصحي لم يعد مجرد خدمة اجتماعية، بل أصبح أحد أعمدة الأمن الاقتصادي والتكنولوجي للدول.

وفي المستقبل القريب، ستكون الدول التي تنجح في الجمع بين فهم الجغرافيا السياسية، وتبني التكنولوجيا المتقدمة، وتطوير منظومات الاستثمار الصحي هي الدول التي ستقود منظومة الرعاية الصحية في المنطقة.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم:

هل تستطيع مصر أن تستثمر هذه اللحظة التاريخية لتصبح مركز الرعاية الصحية في الشرق الأوسط وأفريقيا؟

 

 

 

الآراء والأفكار والتحليلات الواردة في المقالات المنشورة تعبّر عن وجهة نظر كُتّابها فقط، ولا تمثل بالضرورة رأي أو توجه المؤسسة أو إدارة التحرير.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

هل تصبح مصر مركز الرعاية الصحية في الشرق الأوسط بعد الحرب؟  

مقال للدكتور خالد سمير رئيس مجلس إدارة تشاور للاستشارات  ...

منطقة إعلانية