كتب – ندى عادل ومحمود أحمد ومحمد غنيم
بعد نحو أربع سنوات من إطلاق وثيقة سياسة ملكية الدولة في يونيو 2022، أصدرت الحكومة النسخة الثانية من الوثيقة، سعياً لتطوير رؤيتها لدور الدولة في النشاط الاقتصادي حتى عام 2030، بما يتماشى مع التطورات الاقتصادية المحلية والعالمية خلال السنوات الماضية.
تستهدف الوثيقة رفع مساهمة القطاع الخاص إلى نحو 65% من النشاط الاقتصادي، إلى جانب مواصلة برنامج الطروحات الحكومية، وإعادة تنظيم دور الدولة في عدد من القطاعات، وتحسين إدارة الأصول العامة، بما يدعم مسار الإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري.
في استطلاع لآراء عدد من الخبراء أجرته «إيكونومي بلس»، اتفق المشاركون على أهمية الوثيقة كإطار للإصلاح الاقتصادي، مع التأكيد على أن نجاحها يرتبط بسرعة التنفيذ، وتطبيق الحياد التنافسي، وتحسين بيئة الأعمال، وقياس النتائج وفق أثرها الاقتصادي الفعلي، مع استمرار التباين بشأن حدود دور الدولة في بعض القطاعات الاستراتيجية.
الطروحات تحتاج إلى أثر اقتصادي ملموس
من جانبه، قال عضو مجلس النواب ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، محمد فؤاد، إن المستهدفات الواردة في الوثيقة طموحة وقابلة للتحقيق، إلا أن نجاحها يرتبط بسرعة التنفيذ أكثر من جودة الصياغة.
“المرحلة الثانية تعتمد على تسريع وتيرة التخارج من الأنشطة المستهدفة، ورفع جاهزية الأصول للطرح وتعزيز الحوكمة والإفصاح، مع الانتقال من قياس حجم التخارج إلى قياس أثره الاقتصادي الفعلي”، أوضح فؤاد لـ «إيكونومي بلس»
حدد فؤاد عدة معايير لتقييم نجاح الوثيقة، تشمل مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار والتشغيل والناتج المحلي، وتدفقات الاستثمار الأجنبي والصادرات، ومدى تطبيق الحياد التنافسي.
كما أشار إلى أن تنفيذ 19 صفقة ضمن برنامج الطروحات الحكومية يمثل خطوة إيجابية، إلا أن النجاح الحقيقي يقاس بقدرة هذه الطروحات على زيادة الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل.
شدد عضو مجلس النواب أيضاً على أهمية استكمال الإصلاحات المؤسسية من خلال الفصل بين الملكية والتنظيم، وتعزيز الشفافية والإفصاح، وربط أداء الشركات بمؤشرات واضحة.
تسريع الطروحات وتحقيق منافسة عادلة
من جهته، اعتبر محمد ماهر، الرئيس التنفيذي ونائب رئيس مجلس إدارة شركة «برايم القابضة»، أن العنصر الأهم في ملف الطروحات الحكومية هو الالتزام بالتنفيذ، مشيرًا إلى أن التحرك في هذا الملف كان بطيئًا خلال الفترة الماضية.
أضاف ماهر في حديثه لـ «إيكونومي بلس» أنه رغم قيد نحو 20 شركة تمهيدًا لطرحها في البورصة خلال الربع الثاني من العام، غير إنه لم يتم تنفيذ أي طرح حتى الآن.
تابع: “هذا حدث في الوقت الذي تحسنت الظروف الحالية واستقر سعر الصرف، ما يعزز اهتمام المستثمرين الأجانب بالطروحات المرتقبة”.
أوضح الرئيس التنفيذي ونائب رئيس مجلس إدارة شركة «برايم القابضة»، أن تخارج الدولة من بعض الشركات يمنح القطاع الخاص فرصة أكبر للمنافسة العادلة، كما يتيح للشركات العمل وفق آليات السوق الطبيعية، بما يسهم في تحسين الكفاءة التشغيلية وتعزيز فرص النمو.
نجاح الصندوق يقاس بتعظيم العائد
فيما أشار عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ، أحمد سمير، إلى أن النسخة الثانية من الوثيقة جاءت استجابة لمتغيرات اقتصادية وتحديات عالمية فرضت إعادة النظر في آليات المتابعة والتنفيذ، بما يجعلها أكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
“صياغة متابعة الوثيقة شهدت تطورات مؤسسية خلال الفترة الماضية، مع استحداث منصب مساعد رئيس الوزراء لشؤون الشركات المملوكة للدولة، وهو ما ساهم في إعادة صياغة بعض المستهدفات وآليات التنفيذ”، وفق ما ذكره سمير لـ «إيكونومي بلس».
أشار كذلك إلى أن الدولة تعمل حاليًا عبر مسارين رئيسيين؛ الأول يتمثل في التخارج من بعض الشركات وطرحها في البورصة، والثاني يركز على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية من خلال تحسين القدرة التنافسية وتقديم حوافز تشريعية واستثمارية.
كما أكد أن الدولة يمكنها التخارج من معظم القطاعات الاقتصادية باستثناء الأنشطة المرتبطة بالأمن القومي، مشيرًا إلى أن نجاح نقل الأصول إلى صندوق مصر السيادي لا يقاس بعملية النقل نفسها، وإنما بقدرة الصندوق على رفع قيمة الأصول وتعظيم العائد منها من خلال الإدارة وإعادة الهيكلة، لأن الهدف النهائي هو تحقيق أعلى قيمة ممكنة لأصول الدولة.
غياب الجدول الزمني وتطبيق الحياد التنافسي
في الوقت نفسه، رأى الخبير الاقتصادي، محمد أنيس، في حديثه مع “إيكونومي بلس” أن وثيقة سياسة ملكية الدولة تتضمن العديد من التوجهات الإيجابية الداعمة للقطاع الخاص، إلا أن التحدي الرئيسي يتمثل في غياب جدول زمني واضح وملزم لتنفيذ المستهدفات الواردة بها.
أضاف أن الإطار العام الذي تضعه الوثيقة يمثل خطوة مهمة، لكنه يحتاج إلى خطط تنفيذية واضحة من الوزارات والجهات المعنية لضمان تحويل هذه التوجهات إلى إجراءات عملية على أرض الواقع.
ألمح أنيس إلى أن أبرز الجوانب الإيجابية بالوثيقة هي استهداف رفع مساهمة القطاع الخاص إلى 65% من النشاط الاقتصادي، خاصةً أن القطاع الخاص يمتلك قدرة أكبر على خلق فرص العمل وزيادة الصادرات، بما يسهم في تقليص العجز بالميزان التجاري.
في حين أكد أن تطبيق الحياد التنافسي يعد من أهم الملفات التي تحتاج إلى تنفيذ فعلي، ويتطلب تحقيقه مراجعة عدد من القرارات التنفيذية التي تمنح بعض الجهات مزايا تفضيلية، سواء من خلال استيراد المعدات والآلات دون أعباء جمركية أو الحصول على تمويل بشروط أفضل مقارنة بشركات أخرى.
أوضح أن جزءًا كبيرًا من هذه الإصلاحات لا يحتاج إلى تعديلات تشريعية معقدة، بل يمكن تنفيذه عبر قرارات وزارية، بما يسرع وتيرة الإصلاح ويحسن بيئة الأعمال، مشددًا على أهمية تطوير الإطار المؤسسي والتشريعي المنظم للاستثمار.
كشف حساب الإصدار الأول شرط للتقييم
بينما اعتبر استشاري دراسات الأمن القومي والاقتصاد السياسي ووكيل اللجنة الاقتصادية الأسبق بمجلس النواب، مدحت الشريف، أن إصدار نسخة جديدة من الوثيقة يستوجب أولًا تقديم كشف حساب واضح وشفاف لما تحقق في الإصدار الأول، يتضمن المكاسب والخسائر والنتائج الفعلية على مستوى القطاعات والشركات.
“برنامج الإصلاح الاقتصادي استند إلى ثلاثة محاور رئيسية هي الإصلاح المالي والنقدي وإعادة الهيكلة الاقتصادية، ولم يحقق المحور الهيكلي النتائج المرجوة حتى الآن رغم مرور سنوات على إطلاق البرنامج، وفق حديث الشريف مع “إيكونومي بلس”.
أضاف أن التخارج الكامل للدولة من النشاط الاقتصادي لا يعد خيارًا مناسبًا في الوقت الراهن، في ظل التحديات المرتبطة بالديون وخدمة الدين والاعتماد على الأموال الساخنة، مؤكدًا أن هذه الظروف تفرض استمرار وجود الدولة في بعض القطاعات الحيوية.
كما أشار إلى أن التخارج الكامل قد يؤدي إلى آثار سلبية على بعض القطاعات الأساسية مثل السلع الغذائية، بما قد يفتح المجال أمام ممارسات احتكارية أو ارتفاعات كبيرة في الأسعار، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على دور الدولة في القطاعات الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الاقتصادي والاجتماعي.
الحفاظ على الأصول السيادية ومنع التخارج الكامل
من جانبه، قال هيثم فهمي، رئيس قطاع البحوث بشركة برايم لتداول الأوراق المالية، إن الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة لا يعني انسحاب الدولة الكامل من النشاط الاقتصادي، موضحًا أن هناك قطاعات سيادية مرتبطة بالأمن القومي لا يمكن التخارج منها.
أوضح فهمي لـ «إيكونومي بلس» أن بعض المشروعات القومية والاستثمارات الكبرى تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة وعوائد طويلة الأجل، وهو ما يجعل القطاع الخاص أقل إقبالًا عليها مقارنة بالدولة.
“المستثمر الخاص في هذه الحالات غالبًا ما يطلب عوائد مرتفعة أو شروطًا خاصة تتناسب مع حجم المخاطر، وهو ما قد يدفع الدولة إلى الاستمرار في إدارة بعض الأصول والمشروعات الاستراتيجية، وفق رئيس قطاع البحوث بشركة برايم لتداول الأوراق المالية.
كما أكد أن التخارج يجب أن يتركز في القطاعات التي يتمتع فيها القطاع الخاص بحضور قوي وقدرة على المنافسة، مع ضرورة تجنب خلق احتكارات خاصة تحل محل الدولة، مشددًا على أن الحفاظ على التنافسية هو الضمانة الأساسية لخدمة المستهلك.
تحول الدولة إلى منظم وشريك استراتيجي
رحب أستاذ الاقتصاد السياسي ومستشار البنك الدولي السابق، عمرو صالح، بمستهدفات الوثيقة حتى عام 2030 لكونها تبدو واقعية وقابلة للتحقق إذا استمرت وتيرة الإصلاحات الاقتصادية الحالية، مشيرًا إلى أن مساهمة القطاع الخاص ارتفعت بالفعل خلال السنوات الأخيرة.
“نجاح الوثيقة يجب أن يقاس عبر مؤشرات واضحة تشمل مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار والتشغيل والناتج المحلي، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ونمو الصادرات، وتحسن مؤشرات التنافسية وسهولة ممارسة الأعمال”، وفق حديث صالح مع “إيكونومي بلس”.
أضاف أن برنامج الطروحات الحكومية حقق نتائج إيجابية حتى الآن من خلال توسيع قاعدة الملكية وتعزيز الحوكمة وجذب شركاء استراتيجيين، إلا أن أثره الكامل لم يظهر بعد، متوقعًا أن تتزايد نتائجه خلال السنوات المقبلة مع استمرار الطروحات في قطاعات البنوك والطاقة والمطارات والخدمات اللوجستية.
برأي أستاذ الاقتصاد السياسي “الدولة يمكنها تسريع التخارج من عدد من القطاعات التنافسية مثل الصناعات الغذائية وتجارة التجزئة والسياحة والخدمات اللوجستية وبعض الأنشطة العقارية، مع استمرار دورها في قطاعات البنية الأساسية والخدمات الاستراتيجية”.
كما اعتبر أن الهدف ليس انسحاب الدولة من الاقتصاد، إنما التحول من مالك ومشغل إلى منظم وشريك استراتيجي يركز على التخطيط والتنظيم والبنية الأساسية.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا