رئيس التحرير / أسامه سرايا | المشرف العام / خالد أبو بكر |
مقالات

الستر والعيش المُدعم: حين تتجاوز القضية الحسابات الاقتصادية

بقلم/ أنور محمود النقيب

أستاذ سياسات الاقتصاد والتمويل بكلية العلوم الادارية -أكاديمية السادات

مع اقتراب تطبيق منظومة الدعم النقدي في مصر وتحويل دعم الخبز إلى دعم نقدي، انشغل كثيرون بالحديث عن كفاءة المنظومة الجديدة وفعاليتها الاقتصادية، وعن مزايا الدعم النقدي مقارنة بالدعم العيني، وعن قدرتها على الحد من الفساد والتسرب وتحسين كفاءة تخصيص الموارد العامة. وتسابقت الدراسات والنماذج الاقتصادية في حساب الوفورات المالية المتوقعة، وقياس كفاءة الاستهداف، وتقدير الآثار المترتبة على الموازنة العامة للدولة. كل ذلك مهم. وكل ذلك يستحق الدراسة والنقاش. لكن عند سؤالي من أكثر من شخص عن مصير الخبز المُدعم، اتضح لي بجلاء ان هناك لحظات في حياة الأمم ينبغي أن تصمت فيها الحسابات الاقتصادية قليلاً، بل ربما ينبغي أن تصمت للأبد (على الرغم من أهميتها القصوى)، حين يتعلق الأمر بقيم إنسانية لا يمكن قياسها بالأرقام، ولا يمكن اختزالها في معادلات التكلفة والعائد، ولا يمكن تقديرها بمؤشرات الكفاءة والفعالية.

اليوم لا أريد أن أتحدث عن ايهما افضل الدعم النقدي والدعم العيني. لن أتحدث عن أن الدعم النقدي قد يكون أكثر كفاءة في بعض الحالات، ولن أتحدث عن أن منظومة الخبز الحالية تعاني من أوجه فساد وتسرب وهدر، لن اتحدث ان دعم الخبز لا يمثل الا 3.4 % من اجمالي المصروفات العامة، في ميزانية 2025 -2026 (نحو 160 مليار )، مقارنة بنحو 2.3 تريليون جنيه فوائد، 50% من اجمالي المصروفات العامة. ولا عن نسب الإنفاق أو أولويات التخصيص.

فكل هذه الحسابات، مهما بلغت أهميتها، تتراجع أمام سؤال واحد أكثر عمقاً وإنسانية: ماذا لو كانت قيمة رغيف الخبز أكبر كثيراً من قيمته المالية؟. ففي الثقافة المصرية لا يسمى الخبز خبزاً، وإنما يسمى “العيش”. وهذه التسمية الشعبية ليست مجرد تعبير لغوي عابر، بل هي تلخيص مكثف لتاريخ اجتماعي طويل. فالعيش يعني الحياة نفسها. يعني القدرة على الاستمرار. يعني أن يبقى الإنسان واقفاً رغم ضيق الحال، وأن تستطيع الأسرة أن تتجاوز يوماً صعباً أو شهراً عسيراً دون أن تمد يدها إلى أحد.

ولذلك فإن الحديث عن الخبز في مصر لا يجب أن يبدأ من الموازنة العامة، وإنما يجب أن يبدأ من الإنسان. ويجب أن يبدأ تحديداً من مفهوم يكاد يكون الأكثر رسوخاً في الوجدان المصري وهو الستر، الستر كلمة شديدة البساطة، لكنها تختزن داخلها فلسفة اجتماعية كاملة. فالإنسان المستور ليس بالضرورة غنياً، وليس بالضرورة ميسور الحال، بل قد يكون فقيراً للغاية، لكنه يمتلك ما يكفي لكي لا يشعر بالمهانة، وما يكفي لكي لا ينام جائعاً، وما يكفي لكي يحافظ على كرامته ويخفي فقره عن الناس. في مصر ملايين الأسر تعيش في هذه المنطقة الرمادية بين الفقر والكرامة. أسر لا تملك الكثير، ولا تطلب الكثير. أسر تعلمت عبر عقود طويلة كيف تتعايش مع الندرة، وكيف تدير مواردها المحدودة، وكيف تصنع من القليل كثيراً، وكيف تؤجل احتياجاتها وتخفض توقعاتها وتضحي برفاهيتها من أجل البقاء. هذه الأسر لا تعيش في رفاهية، لكنها تعيش في ستر. والستر هنا ليس مجرد شعور نفسي، بل هو رأس مال اجتماعي بالغ الأهمية. إنه الحاجز الذي يمنع الفقر من التحول إلى يأس، ويمنع الحاجة من التحول إلى غضب، ويمنع الحرمان من التحول إلى تفكك اجتماعي.

وجزء كبير من هذا الستر اليومي يصنعه رغيف الخبز المُدعم. قد يبدو هذا الكلام عاطفياً للبعض، وقد يبدو غير منطقي ان يتبناه اقتصادي متخصص، لكنه في الحقيقة أكثر واقعية من كثير من النماذج الاقتصادية. فهناك أسر كاملة تستطيع أن تواجه تقلبات الدخل، وارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، لأن لديها يقيناً بأن هناك حداً أدنى من الغذاء يمكن الوصول إليه كل يوم. كم من أم مصرية استطاعت أن تنام مطمئنة لأنها قادرة على إطعام أبنائها خبزاً وبعض الفول؟ وكم من أب تحمل البطالة أو المرض أو انخفاض دخله او انخفاض قيمة المعاش لأنه يعلم أن أسرته لن تواجه الجوع الكامل؟ وكم من أسرة مرت بأزمات قاسية، وظلت متماسكة، لأن رغيف الخبز المُدعم كان يمثل بالنسبة لها الحد الأدنى من الأمان؟

إن رغيف الخبز بالنسبة لملايين المصريين ليس سلعة غذائية فقط، بل هو وثيقة تأمين اجتماعي غير مكتوبة، وضمانة ضد الانكشاف الكامل، وآخر خطوط الدفاع عن الكرامة الإنسانية. ولهذا فإن قيمة الخبز لا تقاس بسعر الدقيق، ولا بتكلفة الإنتاج، ولا بحجم الدعم الموجه إليه. إن قيمته الحقيقية تكمن في قدرته على إنتاج الستر. والستر قيمة لا تدخل في حسابات الناتج المحلي الإجمالي، ولا تظهر في الموازنات العامة، ولا تستطيع نماذج الاقتصاد القياسي قياسها. كيف يمكن قياس عدد الليالي التي نامت فيها أم فقيرة مطمئنة لأن أبناءها لن يناموا جوعى؟ وكيف يمكن حساب قيمة الطمأنينة التي يشعر بها عامل بسيط يعلم أن أسرته لن تنكشف بالكامل إذا تعثرت ظروفه الاقتصادية؟ وكيف يمكن تسعير الكرامة الإنسانية؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس ارتفاع معدل الفقر فقط، وإنما فقدان الشعور بالأمان المعيشي. فالفقير يستطيع أن يتحمل الكثير من المعاناة إذا شعر أن هناك حداً أدنى يحميه من السقوط الكامل. لكنه يصبح أكثر هشاشة وأكثر قلقاً وأكثر عرضة لليأس حين يشعر بأن آخر خطوط الحماية قد اختفت.ومن هنا فإن قضية الخبز المُدعم ليست قضية مالية فقط، بل هي قضية ثقة بين الدولة والمجتمع. إنها رسالة تقول للمواطن البسيط: “قد لا نملك أن نجعلك غنياً، لكننا لن نتركك مكشوفاً”. هذه الرسالة تساوي في قيمتها أضعاف ما تنفقه الدولة من أموال. فالاستقرار الاجتماعي لا يبنى بالإنفاق فقط، وإنما يبنى أيضاً بالشعور الجمعي بالأمان والطمأنينة. ولهذا فإن نجاح أي إصلاح لمنظومة الدعم لا يقاس فقط بحجم الوفر المالي الذي يحققه، وإنما بقدرته على الحفاظ على هذا الرصيد الضخم من الستر الاجتماعي.

ويجب التأكيد على أن القرار المتعلق بمستقبل دعم الخبز في مصر لا ينبغي أن يستند إلى نتائج النماذج الاقتصادية، سواء كانت بسيطة أو معقدة، لأنها كثيراً ما تعجز عن قياس الأبعاد الاجتماعية والنفسية المرتبطة بالأمن المعيشي. فالمجتمع الذي يحافظ على ستر فقرائه إنما يحافظ على استقراره وتماسكه، أما المجتمع الذي يكشف ستر مستوريه فإنه يفتح أبواب القلق وفقدان الثقة والاضطراب الاجتماعي. وإذا كانت منظومة الدعم الحالية تعاني من فساد، فلتُحارب بؤر الفساد، وإذا كانت تعاني من تسرب أو أخطاء في الاستهداف، فلتُغلق منافذه وتُصحح آليات لاستهداف وتُصان موارده. لكن ينبغي ألا يتحول الإصلاح الاقتصادي إلى مصدر خوف جماعي، أو يشعر الفقراء بأن آخر شبكات الأمان التي تحمي كرامتهم أصبحت محل مراجعة أو تفاوض.

كما الخبرات الدولية تؤكد ان الاقتصار على الحسابات الاقتصادية البحتة في تقييم منظومة دعم الخبز قد يقود إلى استنتاجات غير صحيحة. فصحيح أن التحول إلى الدعم النقدي قد يبدو أكثر كفاءة من الناحية النظرية، إلا أن نجاحه يفترض توافر شروط مؤسسية وسوقية معقدة، في مقدمتها وجود أسواق تنافسية، وقدرة عالية على ضبط الأسعار، وأجهزة رقابية فعالة، ومعدلات تضخم مستقرة. وفي غياب هذه الشروط، قد يتحول الدعم النقدي تدريجياً إلى قيمة اسمية تتآكل بفعل ارتفاع الأسعار، بما يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للفئات المستهدفة. والي حين بناء المنظومة المؤسسية الفاعلة، يجب الإبقاء علي الدعم العيني، خاصة الخبز.

واجمالاً، توجد ضرورة لتحييد الحسابات الاقتصادية الضيقة عند مناقشة مستقبل الخبز المُدعم، بمعنى عدم ترك القرار رهينة لمعايير الكفاءة المالية وحدها، بل إدخال اعتبارات العدالة الاجتماعية والاستقرار المجتمعي وحماية الفئات الهشة ضمن معادلة صنع القرار. فالاقتصاد ليس علماً للأرقام فقط، وإنما هو في جوهره علم لإدارة رفاه الإنسان وتحقيق التوازن بين الكفاءة والعدالة. ولتصمت الحسابات الاقتصادية للأبد أمام هذه الحقيقة الإنسانية البسيطة. ان الستر حين يُصان، يستقر المجتمع كله. أما إذا رُفع الستر عن المستورين، فقد يرتفع الستر عن الجميع، خاصة في ضوء ضآلة نصيب الخبز المُدعم من المصروفات العامة.

 

الآراء والأفكار والتحليلات الواردة في المقالات المنشورة تعبّر عن وجهة نظر كُتّابها فقط، ولا تمثل بالضرورة رأي أو توجه المؤسسة أو إدارة التحرير.

لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا

الأكثر مشاهدة

النفط يصل لأعلى مستوياته منذ شهر وسط توقعات بارتفاع الطلب

استقرت أسعار النفط اليوم الخميس لتقترب من أعلى مستوى في...

الستر والعيش المُدعم: حين تتجاوز القضية الحسابات الاقتصادية

بقلم/ أنور محمود النقيب أستاذ سياسات الاقتصاد والتمويل بكلية العلوم...

منطقة إعلانية