كتب – محمود الشاهد – محمد غنيم
أعاد قرار البنك المركزي المصري بتشديد ضوابط استثمارات البنوك في سندات التوريق تساؤلات مجدداً حول مستقبل تمويل القطاع العقاري، بعد قصر عمليات التوريق العقاري على الحقوق المالية المرتبطة بوحدات تم تسليمها فعليًا.
قبل أسبوعين، ألزم المركزي المصري البنوك المصرية بوضع حدود قصوى للاستثمار في سندات وتوريق الشركات نسبة إلى المحفظة الائتمانية وكذلك إلى المحفظة الاستثمارية للبنك، إلى جانب وضع حدود قصوى على مستوى القطاع الواحد من إجمالي استثمارات البنك في السندات.
تشمل الضوابط أن تكون سندات التوريق الخاصة بشركات التنمية العقارية أو شركات التمويل العقاري تخص وحدات تم تسليمها فعلياً إلى المنتشرين، ووضع حد أقصى للسندات الخاصة بالشركة المصدرة الواحدة أو الشركة المنشئة الواحدة إلى إجمالي محفظة سندات الشركات، فضلاً عن وضع حد أدنى للتصنيف الائتماني المقبول للسندات على ألا يقل عن “BBB”، مع وضع حد أقصى لأجال استحقاقها.
تلتزم البنوك بالتأكد من إدراج استثمارات البنك في سندات الشركات وكذلك سندات التوريق الخاصة بكل شركة ضمن إجمالي التوظيفات، وذلك لدى حساب الحد الأقصى لتوظيفات البنك لدى العميل الواحد والعميل والأطراف المرتبطة، علاوةً على إعداد دراسة شاملة عن كافة السندات المزمع الاستثمار بها وتحديد كافة المخاطر التي قد تؤثر على التدفقات النقدية المتوقعة، على أن يشمل ذلك تقييم مستوى الجدارة الائتمانية للشركة المنشئة المصدرة من خلال دراسة البيانات المالية وغير المالية المتاحة عنها.
كما يتعين على البنوك الحصول على شهادة من مراقب الحسابات تفيد التزام الشركات المنئشئه المصدرة بتطبيق الحد الأقصى لنسبة قيمة الأقساط المستحقة إلى الدخل الشهري للفرد
في ضوء ذلك يرى مصرفيون أن القرار يمثل خطوة احترازية لتعزيز صلابة الجهاز المصرفي والحد من تراكم المخاطر، بينما على الجانب الآخر يحذر مطورون وخبراء عقاريون من أن الضوابط الجديدة قد تضيق إحدى أهم قنوات توفير السيولة، بما قد يدفع الشركات إلى إعادة النظر في مدد السداد والبحث عن بدائل تمويلية جديدة.
احتمالات بإعادة نظر الشركات العقارية في نظم السداد
في هذا الصدد، قال طارق عيد، المدير التنفيذي لشركة “أرابيان إنفستمنت”، إن تقييد عمليات التوريق قبل مرحلة التسليم قد يدفع الشركات إلى إعادة النظر في نظم السداد، والعودة تدريجيًا إلى فترات تتراوح بين 4 و7 سنوات، وهي المدد التي يمكن تمويلها ذاتيًا من التدفقات النقدية للعملاء دون الاعتماد على أدوات تمويل إضافية.
“تقليص مدد التقسيط قد يقلص قاعدة العملاء القادرين على الشراء، في وقت يشهد فيه السوق توسعًا في المشروعات والمدن الجديدة، ما قد يدفع الشركات إلى البحث عن بدائل تمويلية أخرى تشمل الشراكات أو أدوات تمويل مرتبطة بنسب الإنجاز الفعلي للمشروعات”، أوضح عيد في حديثه مع “إيكونومي بلس”.
تباين تأثير الضوابط وفق الملاءة المالية وطبيعة المشروعات
من جانبه، قال أيمن سامي، مدير مكتب «JLL مصر»، إن التأثير سيختلف من شركة إلى أخرى وفقًا للملاءة المالية وطبيعة المشروعات والمرحلة الإنشائية التي وصلت إليها، موضحًا أن المطورين يعتمدون عادة على أدوات تمويل متنوعة لسد الفجوة التمويلية خلال السنوات الأولى من عمر المشروع وحتى بدء التسليمات.
أضاف سامي لـ«إيكونومي بلس» أن بعض الشركات قد تتجه إلى تسريع طرح مراحل جديدة من مشروعاتها لتوفير سيولة إضافية، بينما ستسعى شركات أخرى إلى إعادة هيكلة مصادر التمويل والاعتماد بصورة أكبر على الشراكات أو الأدوات البديلة.
في المقابل، قلل أيمن عبد الحميد، رئيس مجلس إدارة شركة التعمير للتمويل العقاري، من المخاوف المتعلقة بتأثير القرار على سيولة المطورين، حيث إن حجم الإصدارات المرتبطة بوحدات تحت الإنشاء لا يزال محدودًا للغاية مقارنة بحجم السوق العقاري.
“قيمة ما تم إصدار صكوك له من وحدات تحت الإنشاء لا تتجاوز نصف مليار جنيه، وحتى إذا ارتفعت إلى ما بين 2 و3 مليارات جنيه، باحتساب بعض الصفقات أو العقود القائمة، فإنها تظل ضئيلة مقارنة بحجم المبيعات السنوية للقطاع”، قال عبد الحميد في حديث مع “إيكونومي بلس”.
كما استبعد أن يؤدي القرار إلى أزمة سيولة لدى المطورين أو إلى ضغوط ترفع أسعار الوحدات السكنية.
أضاف أن السوق لم يشهد في الأساس انتشارًا واسعًا لاستخدام هذه الآلية التمويلية بين المطورين العقاريين، حيث اقتصر الأمر على مطور أو اثنين فقط، ما يجعل تأثير القرار محدودًا على حركة القطاع، بينما قد ينعكس بصورة أكبر على بعض شركات التمويل العقاري التي بدأت مؤخرًا في استخدام الصكوك المرتبطة بوحدات تحت الإنشاء.
مصرفيون: القرار تنظيمي ولا يستهدف وقف التوريق
على الجانب الآخر، يرى مصرفيون أن القرار يستهدف تنظيم السوق والحد من المخاطر، وليس تقييد النشاط العقاري أو إيقاف عمليات التوريق.
قال ماجد فهمي، الرئيس السابق لبنك التنمية الصناعية، إن الضوابط الجديدة تأتي في إطار تنظيم سوق أدوات الدين وضبط مستويات المخاطر داخل المحافظ الائتمانية للبنوك، خاصة بعد التوسع الملحوظ خلال السنوات الأخيرة في إصدارات التوريق المرتبطة بشركات التمويل الاستهلاكي والعقاري.
“البنوك تمتلك بدائل استثمارية متعددة لتوظيف السيولة، على رأسها أذون الخزانة، مشيرًا إلى أن القرار يخص العمليات المستقبلية ولا يمتد أثره إلى الإصدارات القائمة بالفعل”، قال فهمي لـ«إيكونومي بلس».
اتفق مع هذا الرأي محمد عبد العال، عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، الذي وصف الضوابط بأنها تحرك استباقي يهدف إلى منع تراكم المخاطر مستقبلًا، موضحًا أن ربط التوريق بوحدات تم تسليمها بالفعل يوفر أصولًا قائمة تدعم الإصدارات وتمنح المستثمرين والبنوك مستويات أعلى من الأمان.
أوضح عبد العال لـ«إيكونومي بلس» أن القرار لا يلغي التوريق العقاري، بل يضع له إطارًا أكثر تحفظًا، بما يحد من تركز المخاطر في قطاع واحد ويحافظ على استقرار الجهاز المصرفي.
الأهلي فاروس: ارتفاع تكلفة التوريق وتشديد الضوابط
فيما شار بنك الاستثمار الأهلي فاروس إلى أن الضوابط الجديدة تأتي في إطار توجه البنك المركزي لاستخدام أدوات رقابية احترازية للحد من المخاطر المتزايدة في سوق أدوات الدين، بعد تضاعف إصدارات التوريق والصكوك وسندات الشركات إلى نحو 132 مليار جنيه خلال عام 2025، مقابل 56 مليار جنيه في العام السابق.
أضاف أن أوزان المخاطر الجديدة المفروضة على البنوك ستؤدي إلى ارتفاع تكلفة التوريق واتساع معدلات الخصم على هذه الإصدارات، وهو ما قد يقلص المكاسب المحققة من عمليات التوريق بالنسبة للشركات التي تعتمد عليها مصدرًا للتمويل.
كما أكد أن القواعد الجديدة تضمنت اشتراط قصر عمليات التوريق العقاري على الوحدات التي تم تسليمها بالفعل، ضمن مجموعة من الضوابط التنظيمية الجديدة التي تشمل أيضًا متطلبات إضافية للجهات المصدرة والإصدارات الجديدة.
لمتابعة أخر الأخبار والتحليلات من إيكونومي بلس عبر واتس اب اضغط هنا